المرأة المعيلة في مصر إلى أين؟

المرأة المعيلة في مصر إلى أين؟

"كنت اصطحب طفلتيّ وأنا أنظف المنازل وأغسل السجاد، كنت أتنقل بين غرفة وأخرى بسبب ارتفاع قيمة بدل الإيجار، عملت كل هذه الأعوام ليل نهار، حتى أنني لا أتذكر يوم راحة واحداً منذ كان عمر طفلتي الصغرى عامين"

هذا ما لخصت به أم سمر، كما تحب أن ينادوها، 55 عاماً، بعد  15 عاماً من العمل كخادمة لتتمكن من توفير حاجات ابنتيها، وذلك بعدما هجرهم الزوج دون أن يطلقها.

أرقام تعكس حجم الأزمة

في مصر توجد أكثر من 12 مليون امرأة معيلة، فحوالي 30% من الأسر تنفق عليها نساء، كما أن 38% من نساء مصر معيلات، وتصل نسبة المرأة المعيلة تحت خط الفقر 26,3%.

أرقام قد تصدم الكثيرين، لكن الواقع قد يكون أكثر وطأة، إذا وضعنا في الحسبان أن بعض المناطق يصعب الوصول لها وإحصاء تعداد من بها، كما أن العديد من النساء لا يجرؤن على المجاهرة بإنفاقهن على ذويهن.

بدايةً تعرف نهاد أبو القمصان، الناشطة النسوية ورئيس ومؤسس المركز المصري لحقوق المرأة، المرأة المعيلة بأنها كل امرأة تعيل نفسها وأطفالها أو أفراد أسرتها لغياب العائل؛ سواء لإعاقة صحية تمنعه عن العمل، أو لوفاته، أو لهجره لها، أو لوجوده في السجن، أو لتعاطي المخدرات، أو لامتناعه عن الإنفاق.

فهل يمكن أن تحل المبادرات المجتمعية مثل إنشاء نقابة للمرأة المعيلة أزمة أم سمر ونظيراتها؟

 

لماذا نقابة للمعيلات؟

ينادي محمود سلامة، المحامي والناشط في مجال حقوق المرأة، بإنشاء نقابة للمرأة المعيلة، ويوضح لرصيف22 أن من أولويات نقابته المقترحة، تقديم معاش شهري للمعيلات يساعدهن على مواجهة الغلاء والعيش بكرامة، مع توفير فرص عمل لهن من خلال التعاون مع بعض رجال الأعمال، والتأمين الصحي الكامل للمعيلات وأطفالهن، والتكفل بالتعاملات القضائية الخاصة بحقوق المطلقة والمواريث في حالة وفاة العائل.

ويضيف "سنسعى أيضاً لتوفير سكن لهؤلاء بالتنسيق مع وزارة الإسكان والتعمير، والجهات المنوط بها ذلك".

وترى أبو القمصان أن إنشاء نقابة للمعيلات فكرة جيدة لكن ينبغي ألا تقتصر على "معاشات شهرية"، فالأفضل أن تركز على أن يصبحن فاعلات في المجتمع بدلاً عن السلبية وانتظار المعونة من آخرين.

أقوال جاهزة

شارك غردفي مصر، أكثر من 12 مليون امرأة معيلة: 30% من الأسر تنفق عليها نساء، كما أن 38% من نساء مصر معيلات، وتصل نسبة المرأة المعيلة تحت خط الفقر 26,3%

شارك غرد"كنت اصطحب طفلتيّ وأنا أنظف المنازل وأغسل السجاد، كنت أتنقل بين غرفة وأخرى بسبب ارتفاع قيمة بدل الإيجار، عملت كل هذه الأعوام ليل نهار، حتى أنني لا أتذكر يوم راحة واحداً منذ كان عمر طفلتي الصغرى عامين"

وتقترح الناشطة النسوية بأن تضطلع هذه النقابة بدراسة كل حالة منفردة، وإيجاد فرص عمل مناسبة لها، ومحو أمية غير المتعلمات منهن، لفرص عمل وتربية أفضل للأبناء.

فكرة "أفلاطونية"

ترفض وهاد سمير، عضوة المجلس القومي للمرأة، فكرة إنشاء نقابة للمعيلات وتلفت إلى أن " المعيلة ليست مهنة أو صفة إنما هي حالة اضطرت إليها المرأة وبالتالي واجبنا دعمها للتعامل مع هذا الظرف ومساندتها، وهو ما تفعله مؤسسات الدولة بنجاح حالياً، لكنها ليست مهنة تؤجر عليها مادياً".

وتعليقاً على المقترحات التي قدمها مؤسسو النقابة المقترحة تلفت سمير إلى أن أي منظمة أهلية مهما كانت مواردها لن تستطع توفير "رواتب" شهرية لـ 35% من نساء مصر؛ فالفكرة "أفلاطونية" بلا شك، وحتى ميزة التأمين الصحي للمعيلات تدخل ضمن تخطيط الدولة الحالي لنظام تأمين صحي شامل جميع أفراد المجتمع.

أما سارة بيصر، مديرة مركز زيتونة لحقوق الطفل ودعم المرأة، فترى أن إنشاء مثل هذه النقابة وغيرها من الجهات المدنية التي تخدم المرأة المعيلة أمر جيد بالطبع؛ لكن القائمين عليها ينبغي أن يدركوا طبيعة "احتياجات" المرأة المعيلة، فالكثير منهن لا ينقصهن المال بقدر ما يحتجن الدعم المعنوي والنفسي.

وتقول بيصر: ينبغي التمييز بين نوعين من المعيلات؛ من تعول مضطرة لغياب العائل سواء هروب الزوج أو الطلاق أو وفاته، أو وجود إعاقة جسدية تمنع هذا العائل من الإنفاق، ومن يمارس ضدها "العنف المالي".

وتضيف: لنكن منطقيين، الكثير من المعيلات-بعيداً عن المطلقات والأرامل- لا تنقصهن الأموال بل على العكس يكسبن أموالاً كثيرة، لكنهن يحتجن المسكن والتوعية لردع الرجل الذي يفترض أن يكون عائلهن وعدم الاستسلام له.

فئة مغضوب عليها

لكن أم سمر، بحسب رأيها، من "الفئة المغضوب عليها" من المعيلات فهي ليست مطلقة حتى تحصل على دعم الدولة للمطلقات، ولا زوجة تتمتع بحقوقها الطبيعية.

وترفض الكثيرات مثل أم سمر رفع قضية طلاق لأن لقب مطلقة، برأيها، وصمة في المجتمع، ولأن لديها بعض الأمل بأن يعود زوجها إليها ولابنتها، فلا تهدر فرصة عودة الحياة الأسرية، رغم أنها لم تكن يوماً "مثالية" بطبيعتها.

وهو ما أكدت عليه نجلاء عياد، صاحبة مبادرة "بداية جديدة" لدعم المطلقات وتأهيلهن نفسياً، كما توضح أنها سبق وطالبت بإنشاء نقابة للمطلقات، لكنها قوبلت بالرفض وقيل لها وقتها "عاوزة تشجعي الستات على طلب الطلاق".

عياد تعمل وفرقها التطوعية في مجال مساندة المرأة المطلقة وأطفالها على تجاوز مرحلة ما بعد الطلاق نفسياً ومادياً، بتوفير فرص عمل محترمة لهن، ومختصين بالعلاج النفسي، في مواجهة "وصمة" الطلاق السائدة اجتماعياً.

حاربت عياد لتحديد يوم للمرأة المعيلة وبالفعل اختارت 28 مارس من كل عام تكريماً لها، رغم أنه ليس معتمداً بشكل رسمي حتى الآن، وترى أن هذا أقل تقدير لملايين المعيلات في مصر.

وتندرج تحت هذه الفئة أيضاً، بحسب بيصر، من تعرضن للعنف المالي؛ وهو من أكثر المشكلات التي تواجهها المرأة العاملة؛ فنجد الأب أو الأخ أو الزوج يتعاطى المخدرات أو يجلس في المنزل ويأخذ راتبها غصباً عنها.

جهود الدولة

تلفت سمير إلى أن المرأة المعيلة تلقى اهتماماً خالصاً من مؤسسات الدولة المختلفة وتقدم لها مزايا عديدة، من بينها معاش المطلقات ومعاش الأرامل ومعاش للزوجة التي يصاب زوجها بالعجز وعدم القدرة على العمل صحياً وأيضاً معاش تكافل وكرامة.

كما أنها تمنح القروض بدون ضمانات من جهات متعددة، من بينها وزارة الضمان الاجتماعي والشباب والرياضة والبنك المركزي وغيرها.

وتستطرد سمير: ما يقوم به المجلس القومي للمرأة وجهات الدولة المختلفة وأيضاً العديد من المراكز العاملة على تحسين ظروف الحياة للمعيلات، من تدريبهن على حِرف يتكسبن منها، ومنحهن الخامات، وترويج بضائعهن، أو دعم مشاريعهن الصغيرة بقروض دون ضمانات، هو "عين الصواب".

أسباب تفاقم الأزمة

ترى سمير أن "استسهال الأزواج" في الاعتماد على زوجاتهم في الإنفاق، واجتهاد المرأة في عملها وصعودها "طمّع" الأزواج في المكوث بالمنزل.

ورغم اعترافها بتفاقم أزمة تزايد نسب المرأة المعيلة بمصر، إلا أن سمير ترى أن "السوشيال ميديا" حلت الكثير من مشاكل المرأة المعيلة؛ إذ أصبح بإمكانها العمل من المنزل وإدارة مشروعها الخاص وتسويق منتجاتها عبرها دون أن تضطر لتحمل عناء البحث عن عمل.

بينما ترى بيصر أن أغلب المعيلات يعملن بمهن غير حكومية أي غير مؤمن عليهن صحياً، وكذلك أطفالهن المتسربون من التعليم، وينبغي أن توفر الدولة هذه الميزة للمرأة المعيلة بل لجميع النساء.

وتشير بأصابع الاتهام إلى الزيادة في أعداد المعيلات بشكل مرعب داخل المجتمع المصري بسبب ارتفاع معدلات الطلاق، والخيانة الزوجية وهجر الأزواج، وأيضاً بسبب ارتفاع معدلات وفيات الشباب، وانتشار المخدرات والاغتصاب والتحرش والانحلال الأخلاقي بشكل عام.

كما تعتبر انقلاب الموازين بالمجتمع، والتربية الذكورية العقيمة وخوف الرجل يخشى من وجود "فلوس" لدى أنثاه، سواء كانت شقيقته أو زوجته أو حتى ابنته، لذا يتعمد ترك العمل لإجبارها على الإنفاق، سبباً في تفاقمها.

وتشير لوجود حالات أكثر شذوذاً لأزواج وآباء يعملون بالفعل وينفقون على أنفسهم ويتركون المرأة تعيل نفسها وبقية الأسرة، وهي أعداد لا تندرج ضمن الـ35% معيلات أيضاً.

حلول مقترحة

ترى بيصر أنه لا بد من إيجاد سبيل لإجبار الرجل على الإنفاق وتحمل مسؤولياته، وإلا فستنتشر هذه الظاهرة وتصبح أمراً عادياً وربما يسارع هذا الشخص نفسه للزواج ثانية، فهو لا يتحمل أي عبء، وتزداد الأزمة تعقيداً.

كذلك ينبغي أن تتغير القوانين العاجزة عن حماية المرأة ومنحها حقوقها كاملة؛ فهل يعقل أنه حتى الآن لا يوجد قانون يجرم عنف الأب أو الزوج ضد زوجته.

مع توفير" بيوت آمنة للمعنفات" التي طالما دعونا إليها، تلجأ له المرأة حين تتعرض لعنف مالي.

سامية علام

محررة صحافية مصرية مهتمة بشؤون المرأة والمجتمع

كلمات مفتاحية
حقوق الإنسان مصر

التعليقات

المقال التالي