لوجو المتحف: لعنة الفراعنة الأخيرة التي أصابت الشعب المصري

لوجو المتحف: لعنة الفراعنة الأخيرة التي أصابت الشعب المصري

أزمة إبداع ومبدعين أم وساطة ومحسوبية واستسهال؟ سؤال ستجدونه الحاضر الأول بين أوساط المثقفين والفنانين المصريين الذين انتفضوا من قبل حين أعلنت مصر عن تدشين المتحف الكبير لدعم هذا الصرح العملاق بالأفكار والرؤى، قبل أن ينتفضوا من جديد مع الكشف عن لوجو نفس المتحف، الذي بات كالقطرة التي أفاضت كامل الإناء وأجبرت الجميع على البحث عن إجابة للسؤال السابق: هل اختفى المبدعون من مصر رغم أنها كانت خلف قواعد أرقى الفنون وأصولها؟ وهل مات فيها الإبداع فعلاً؟

إدي العيش لخبازه

حين أعلن للمرة الأولى عن لوجو المتحف الكبير كانت الصدمة أكبر من استيعابها، ومن هنا لم يكن أمام المصريين الذين أدهشوا العالم بسخريتهم اللاذعة من كل شيء وأي شيء، أن يجربوا خفة ظلهم من جديد حتى وإن كان الاختبار قاسياً هذه المرة.

وبين ضحكات تخفي كل ما يمكن أن تضعه اللغة بمفرداتها في مواجهة السعادة، تعالت أصوات الخبراء وأهل الفن تشكو ما وصلنا إليه، خصوصاً حين تم الإعلان عن تكلفة اللوجو، حيث قالت مصادر مطلعة داخل وزارة الآثار ـ بحسب إحدى الصحف الخاصة ـ إن تكلفة تصميم شعار المتحف المصري الكبير كانت ضمن أعمال الشركة المنفذة لسيناريو العرض المتحفي داخل المتحف، وإن تكلفة اللوجو بالطبع محملة على سيناريو العرض المتحفي، والتي تم تخصيص مبلغ 800 ألف جنيه (45 ألف دولار) له من إجمالي التكلفة.

كان الحديث عن التكلفة أحد أهم الأسباب التي استفزت الفنان التشكيلي أحمد طومان الذي قال: "المشكلة كلها في السبوبة، وأي فن بيتعمل من غير روح لازم نتيجته تطلع بالشكل اللي شوفناه ده".

وأضاف لرصيف 22: "اللي هيقول إن في أزمة فن وإبداع هي اللي وصلتنا لكده يبقى يكذب، لأن مصر فيها فنانين كثر وفي أكثر من مجال وأنا شخصياً متأكد من هذه المعلومة لأني رأيتهم وأعرفهم بالاسم. بس ليه أجيب حد يعمل عليا فنان ويطلب فلوس وخامات وأنا ممكن أجيب واحد مالوش أي علاقة بالموضوع وأشقيه وأديله فلوس قليلة، وهيفرح بيها وأنا كمان أفرح ونبقى وفرنا في الميزانية".

أقوال جاهزة

شارك غردليه أجيب حد يعمل عليا فنان ويطلب فلوس وخامات وأنا ممكن أجيب واحد مالوش أي علاقة بالموضوع وأشقيه وأديله فلوس قليلة، وهيفرح بيها وأنا كمان أفرح ونبقى وفرنا في الميزانية.

شارك غرد "ما دام هناك من يشرح اللوجو وفكرته فهذا يعني أنه لم يصل للناس، وهذا فشل في حد ذاته، هذا أولاً، أما ثانياً فأنا لا أعرف كيف يمكن تبرير لوجو كهذا"

ويواصل: "ميعرفوش أنهم بكدا بيرسخوا جوا الناس فكرة أن أي عمل فني بقى بيتعمل بشكل سيىء، وأننا لم يعد لدينا مبدعين وإن دي إمكانياتنا، وطبعا ده يسبب إحباط للجميع لأن غير المتخصص قد يؤمن بهذا الكلام ويصدقه، لأنه مش عارف".

وختاماً رأى طومان أن الحل يكمن في الاهتمام بالتعليم والقضاء على المحسوبية والواسطة، خصوصاً في الفن، وأن نعطى "العيش لخبازه حتى وإن أكل نصفه" كما يقول المثل الشعبي.

انتفاضة "اللوجو"

مصمم شعار المتحف الكبير، هو اللبناني الهولندي طارق عتريسي، الذي اكتسب شهرة دولية في أعماله الفنية، وحاز على جوائز وأوسمة مرموقة من خلال مسيرته المهنية في التصميم، ومع ذلك لم تشفع له تلك السيرة أو المسيرة عند الكثيرين ومنهم نقيب التشكيليين حمدي أبو المعاطي، الذي كتب على صفحته على موقع فيسبوك:

"بالله عليكم.. هل هذا هو شعار أعظم وأكبر متحف في العالم.. لتاريخ أرقى وأهم الحضارات الكونية.. الهواة أصبحو المسؤولون عن الصورة البصرية لهوية هذا البلد.. ألم يكن هناك مسابقة عالمية لتصميم شعار محترم يليق بمصر وتاريخها ومتحفها الأكبر والأعظم في العالم؟ هل لا يوجد في مصر كليات فنون ولا مؤسسات مهنية بها أساتذة ومصممين استشاريين على كفاءة كبيرة، نلجأ إليهم عند الاختصاص؟ أسئلة واجب الإجابة عليها من المسؤولين.. ويجب أن يوقف هذا الهزل قبل اعتماده بشكل نهائي كشعار للمتحف الكبير ويعلن عن مسابقة جديدة عالمية تحكم دوليا وليس بهذا الشكل غير الاحترافي. تصميم شعار لا يرقى لأدنى مستوى مهني احترافي في التصميم".

 

كما أصدرت الجمعية العربية لمصممي الفنون التطبيقية بياناً بخصوص شعار المتحف المصري الكبير، قالت فيه: "الجمعية العربية لمصممي الفنون التطبيقية بصفتها إحدى الهيئات القائمة على رعاية وتنمية مجال الفن والتصميم في مصر تعلن اعتراضها الشديد على اللوجو الذي تم اتخاذه كشعار للمتحف المصري الكبير، وترى الجمعية بأن هذا الشعار يفتقر إلى أبسط قواعد تصميم الشعارات ولا يوجد به أي مضمون ولا أي هوية تعبر عن عظمة الحضارة المصرية القديمة".

وتابع البيان: "تهيب الجمعية بالسادة أصحاب القرار بالمتحف المصري الكبير بالاستعانة بالشخصيات والجهات المتخصصة من كل من: أساتذة كليات الفنون التطبيقية والجميلة والجمعيات والهيئات العاملة في مجال الفن والتصميم ووكالات الدعاية والإعلان المصرية المتميزة ومصممي الجرافيكس المحترفين (الدارسين) وما أكثر كل هؤلاء في مصر.

والجمعية إذ تستشعر أهمية هذا العمل الذي يعبر عن مصر أمام العالم أجمع، فإنها تتقدم بمبادرة للتعاون مع المتحف المصري الكبير في تنظيم مسابقة عالمية كبرى للشعار يكون المحكمين فيها لجنة من أساتذة كليات الفنون التطبيقية والجميلة والجمعيات والهيئات المهتمة بالفن والتصميم والمتخصصين من وكالات الدعاية والإعلان" .

فيما تقدم النائب البرلماني إبراهيم عبد العزيز حجازي بطلب إحاطة عاجل موجه إلى رئيس مجلس الوزراء لوقف ما أسماه بـ"مهزلة تصميم شعار اللوجو الخاص بالمتحف المصري الكبير".

وأكد حجازي في طلب الإحاطة أن تصميم الشعارات علم يدرس بكليات الفنون، ولا يقتصر فقط على اختيار الألوان والخط، فهناك معايير أخرى يجب أن تُتبع عند التصميم، وتحديداً عندما يكون هذا الشعار يعبر عن حضارة وطن وتاريخ يشهد له العالم بالإبداع الفني والإبهار كالحضارة الفرعونية المصرية.

"الآثار" تبرر وتفسر

من ناحية أخرى، قال وزير الآثار الدكتور خالد العناني إنه لا يرى لوجو المتحف المصري الكبير الأفضل، مشدداً على أنه لم يتلق أي ردود فعل عالمية تستنكر اللوجو، وأنه يقدر ردود الفعل الوطنية ويعتبرها شراكة مجتمعية بشأن متحف يحوز اهتمام جميع المصريين.

ورفض أن يكون للوزارة علاقة بـ"لوجو" المتحف، وتابع أنه نتاج مسابقة عالمية أجريت عام 2012، وشاركت فيها 12 شركة من 8 دول، وفازت بها شركة "أتيليه بروكنر" الألمانية.

كلام الوزير رد عليه الأستاذ بكلية التربية النوعية جامعة طنطا سامر أبو الوفا الذي قال: "غير مقتنع بهذا الكلام، لماذا لم تنظر الوزارة أو المسؤولون عن المتحف إلى إبداعات الشباب ويختارون من بينها؟ أنا شخصياً شاهدت أكثر من تصميم لشباب هواة وكانت ممتازة، ومعبرة عن المتحف والحضارة المصرية، أكثر بكثير من هذا الشكل الفقير فنياً ودلالياً".

تصميمات مقترحة للوجو المتحف للفنانة Gilan W. Atris

وأضاف لرصيف22: "أي إبداع في هذا اللوجو الذي أعلنوا عنه؟ فقط مجرد ثلاث كلمات ولون باهت لا يعبر عن شيء، هل يعقل هذا؟ إذا كنا سنمضي على هذا النهج فأنا أقول لكم إننا بذلك سوف نسيء إلى حضارتنا المصرية وبدلاً من أن نسوق ونروج لها، سنقضي عليها ونجعل السياح ينفرون منها في الوقت الذي نحتاج فيه إلى عودة السياحة بنفس قوة الماضي".

مين يزود؟

وفي سياق متصل، خرجت وزارة الآثار ببيان رسمي قالت فيه: "الشعار علامة مميزة وواضحة، وتصميم لوجو المتحف استغرق عدة شهور من خلال شركة التصميم المتحفي الألمانية العالمية، والتي تم اختيارها من قبل لجنة مصرية رفيعة المستوى، لدعم الحملة الترويجية له حول العالم، واللوجو الجديد للمتحف تم استلهامه من تخطيط المتحف وعمارته والبيئة المحيطة به".

وقال الدكتور طارق توفيق، المشرف العام على المتحف المصري الكبير، إن الشعار "يمثل التخطيط الأفقي الفريد المميز للمتحف المصري الكبير الذي تنفرج جوانبه لتطل على أهرامات الجيزة.

ويأخذ الشعار اللون البرتقالي الدافئ المبهج الذي يعكس اللون الذى تضفيه الشمس على هضبة الأهرامات ساعة المغيب وتمت كتابة اسم المتحف المصري الكبير بخط عربي انسيابي مستلهم من الكثبان والتلال الرملية للبيئة المحيطة، مع مراعاة أن يكون الشكل الهندسي المستخدم في الشعار بسيطاً كشعارات المتاحف الكبرى في العالم".

وأكد عالم الآثار الدكتور زاهي حواس أنه يتفهم اعتراض بعض المثقفين على شكل اللوجو الذي وقع عليه الاختيار، غير أنهم لم يفهموا ـ بحسب وصفه ـ الفلسفة وراء الاختيار، مؤكداً أن متاحف العالم الكبرى مثل اللوڤر والمتحف البريطاني والمتروبوليتان، تستخدم لوجو أو شعاراً بسيطاً وغير معقد أو مركب لاسم المتحف، ولا تظهر فيه صورة أو رسم لأي من القطع الأثرية التي يعرضها المتحف.

هنا يرد النحات محمد رشاد ويقول: "ما دام هناك من يشرح اللوجو وفكرته فهذا يعني أنه لم يصل للناس، وهذا فشل في حد ذاته، هذا أولاً، أما ثانياً فأنا لا أعرف كيف يمكن تبرير لوجو كهذا".

بدون تعليق

كلمات مفتاحية
الفن لوجو

التعليقات

المقال التالي