الهوس بشمّ الكتب سراً لبلوغ تلك النشوة الثقافية النوستالجية

الهوس بشمّ الكتب سراً لبلوغ تلك النشوة الثقافية النوستالجية

لم أشعر مطلقًا أن تلك الحالة غريبة بالرغم من أني لم أجد من يقوم بها سواي.. شم رائحة الكتب. حتى كنّا نحكي –صديقي مدرب الأيكيدو وأنا- لأجده يتحدث عن عشق الكتب المطبوعة وأنها ذات رائحة مميزة، ثم –وفي وقت لاحق- اعترفت بعض زميلاتي بأنهن يعشقن استنشاق رائحة الكتب عند شرائها.

اهتممت بما يقول الآخرون عن هذا الأمر فوجدت في موقع القاموس الحضري urban dictionary مصطلح book sniffing شم الكتب، بأنه استنشاق عطر الكتاب وعادة ما يتم في سرية، وهذا أسلوب المهووسين بالكتب للوصول للنشوة get high.

نوستالجيا

إن رائحة الكتب الجديدة تذكرني عندما بدأت والدتي شراء الكتب لي وعند الاستعداد للعام الدراسي الجديد حينما كنا نذهب إلى شارع الفجالة بميدان رمسيس بالقاهرة لشراء أدوات الكراسات وأدوات الدراسة، لذا فرائحة الكتب الجديدة هي المفضلة لي، أما الكتب القديمة، فتشعرني بأني أمسك تاريخًا عريقًا بين يدي.

وقالت داليا الريّس، مهندسة: "أحب استنشاق الكتب القديمة والجديدة على حد سواء. فالقديمة تذكرني بمكتبة جدي رحمه الله، وشعوري عندما كان يسمح لي بأن أدخل مكتبته دونًا عن سائر أطفال العائلة، أما الكتب الجديدة فأحب استنشاق رائحتها لأنها تعطيني شعورًا محببًا لا أستطيع تفسيره. واستمتع باستنشاق رحيق الكتب منذ وقت الشراء وطوال فترة القراءة."

via GIPHY

ثلاث أسباب مهمة

أما جيني تشين Ginni Chen المحامية ومتسلقة الصخور، فكتبت في موقع barnesandnoble أن الكتب المطبوعة تتكون من ورق ومواد لاصقة وحبر، وعندما تتحلل تلك المواد بمرور الوقف تفرز موادَّ متطايرة تنتج روائح جاذبة للقرّاء، لأن بها القليل من الفانيليا، كذلك لأن معظم الأوراق التي تحتوي على الخشب بها مادة الليغنين Lignin والمرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالفانيلين vanillin.

أقوال جاهزة

شارك غردترتبط رائحة الكتب بالماضي، فالبصيلة الشمية هي جزء من الجهاز الحوفي للدماغ والمرتبط بالذكريات والمشاعر، وعندما تشمون رائحة جديدة لأول مرة، يربط دماغكم الرائحة بحدث أو شخص أو شيء أو لحظة.

شارك غردبإمكاننا شم رائحة التاريخ والتراث وتواصلنا مع أرواح الماضي في كتاب.

كما أشارت تشين إلى ارتباط رائحة الكتب بالماضي، البصيلة الشمية هي جزء من الجهاز الحوفي للدماغ the brain’s limbic system، والمرتبط بالذكريات والمشاعر، وعندما تشمون رائحة جديدة لأول مرة، يربط دماغكم الرائحة بحدث أو شخص أو شيء أو لحظة، وعندما تشمون نفس الرائحة مرة أخرى، يستحضر عقلكم الذاكرة المرتبطة بها، قد لا تكون دائماً واضحة، وقد تكون مجرد عاطفة أو شعور.

وبشكل عام -والكلام ما زال لتشين- فالكتب هي الشيء الأكثر امتاعًا في العالم، من دون تعميم علمي، لأن الكتب تناشد الذاكرة الصريحة والضمنية. دائمًا ما يذكر الكتاب الناس بالذكريات الرائعة التي مروا بها، ويجعل الناس يشعرون بالهدوء والأمان، كما لو كانوا في حرم، لأنها تذكرهم بمكتبتهم المدرسية.

ويقول آخرون إن رائحة الكتب تشعرهم بالترقب، لأنهم يذكرون القصص التي ينتظرونها بفارغ الصبر كأطفال. لقد سمعت من آخرين أن رائحة الكتب تبعث على الارتياح لأنها تذكر الناس بالدفء والكرامة والاسترخاء، قالوا لي إن رائحة الكتب تحرر لأنها تعود بنا إلى لحظات من أوقات الفراغ والترفيه.

قهوة وشوكولاتة في كتاب

بالإضافة إلى رائحة الفانيليا التي ذكرتها جين تشين، فقد وصف آخرون روائح الكتب بالقدم، والشوكولاتة، والقهوة، بالإضافة إلى حريق الفحم والكتان القذر ورائحة التراب ورائحة الخشب والدخان. فالعقل يصف الروائح المجهولة بأقرب رائحة معروفة له. وأيضًا فرائحة الشوكولاتة والقهوة تشبه بعض روائح الكتب، وذلك ليس من المستغرب، فجميعها مصنع من نباتات.

تواصل حي وإنساني

الأمر بالنسبة لي ولصديقي مدرب الأيكيدو ليس فقط رائحة الكتب، بل ملمسها أيضًا ورؤيتها، لدي الكثير من الكتب على حاسوبي، لكني أفضل أن أقرأ كتابًا ورقيًا. فذلك يشعرني بأني أقوم بفعل حقيقي وأتواصل مع شيء حقيقي.

via GIPHY

 

في تراثنا السينمائي نجد الكثير من أبطال أفلامنا يطلقون أسماء على جمادات وخاصة سياراتهم، ويقول جاستون ماسبيور تعليقًا على قصة "كيف تمكن تحوتي من الاستيلاء على مدينة يافا" والواردة في كتاب حكايات شعبية فرعونية المنشور في الهيئة العامة للكتاب بمصر، أن الملك كان يمنح اسمًا لصولجانه وأيضًا العامة يمنحون عصيهم أسماء، ويتفاعلون معها.

وأنا لا اختلف عنهم في شيء، أريد أن اتعامل مع كيان حقيقي أمامي طالبًا حيويته وعلمه، لا أن أقرأ من شاشة مضيئة لا روح فيها.

استنشاق الكتب يذكرني بالإنسانية، فبالرغم من أن هناك روائح تجمعها سمة واحدة مشتركة، هي الحنين لمتعة الكتب ولعبق الماضي، إلا أن كل كتاب له رائحة مميزة خاصة. هكذا البشر، فبالرغم من أننا كلنا واحد، إنسان، فإن لكل واحد منا تميزه بحيث لا يتشابه مع الآخر مطلقًا.

فيتيش

على موقع reddit طُرح سؤالٌ "هل تحبون استنشاق الكتب؟" فجاءت غالبية الإجابات نعم، وقال dustmouse إنه أحيانًا يختار الكتب من المكتبة بحسب رائحتها، بينما يحاول lsb337 أن يخمن عمر الكتاب من رائحته، كما اعترف MavinRaven24 الأمر بالنسبة له أصبح نوعًا من "الفيتيش".

روائح الكتب والتاريخ دفعت زوار كاتدرائية سانت بول ومكتبتها لدعم ورقة لضم الروائح لقائمة التراث العالمي اللامادي، وذلك من خلال الرسائل التي تركوها في دفتر الزوار، وتقول بعضها "جميعنا نحب رائحة هذه المكتبة الجميلة"، و"مكان رائع، بإمكاننا استنشاق المعرفة"، و"بإمكاننا شم رائحة التاريخ والتراث وتواصلنا مع أرواح الماضي".

استنشاق الكتب ينقذها

وبتدخل العلم أصبحت لروائح الكتب أهمية الكتب ذاتها، فقد ذكر موقع ذا جارديان أن علماء إحدى أشهر المكتبات في بريطانيا يشمون العبير المنبعث من الكتب القديمة، في محاولة للعثور على طرق أفضل للحفاظ عليها. ويقوم الكيميائيون بتحليل مزيج معقد من الانبعاثات التي تصدرها الكتب في مكتبة جامعة كامبريدج ليساعدهم على قياس الكتب الأكثر عرضة للتلف. تم تصميم هذا البحث لمساعدة أمناء المكتبات للعثور على أكثر الكتب احتياجًا للحفظ.

عندما تبدأ الكتب في التحلل، فإن الصفحات تطلق موادَّ كيميائية، بما في ذلك الأحماض المتطايرة، تجعل الكتب تتحلل بسرعة أكبر. وقالت متحدثة باسم الجامعة: "نفس الانبعاثات تسبب الرائحة العفنة المحببة لمدمني روائح الكتب."

ويقول موقع cosmosmagazine إن رائحة الكتب القديمة، على سبيل المثال، تتكون من جزيئات الورق السليلوز واللجنين، بالإضافة إلى الأحبار والصنوبري، التي تستخدم في عجينة الورق لمنع نثر الحبر. ومع انهيار هذه المكونات، يتم إطلاق المئات من الجزيئات المتطايرة. لكن وجود مجموعة من خمسة جزيئات مختلفة (2-إيثيل هكسانول، وسداسيات، وفانيلين، وحمض أسيتيك، وفورفورال) ينبه العلماء إلى التدهور البطيء والرائع للكتاب.

وبالنسبة للبلاستيك، فإن الجزيئات الحمضية (نترات السليولوز وأسيتات السليولوز) تنفث في الهواء ويمكنها تنشيط أدوات أخرى قريبة مصنوعة من مادة مماثلة وتؤدي إلى تفاعل متسلسل سيىء.

عندما يتم اكتشاف هذه الجزيئات، يمكن لعلماء التراث الثقافي أن ينشطوا الهواء لوضع حد لمزيد من التدهور.

التعليقات

المقال التالي