هل فعلاً تشعر النساء بالإثارة عند مشاهدة التعنيف الجنسي على الشاشة؟

هل فعلاً تشعر النساء بالإثارة عند مشاهدة التعنيف الجنسي على الشاشة؟

لطالما أثارت تصريحات الكاتبة النسوية "جيرمين غرير" الكثير من الجدل، فبعد أن اتهمت في السابق حركة #Me Too" بالنفاق، معتبرةً أنه كان يتعيّن على النساء التحرك فوراً ضد المتحرشين، وبعد أن صدمت الرأي العام بتصريحها الناري والذي اعتبرت فيه أنه يجب عدم تصنيف المتحولات جنسياً ضمن خانة النساء لمجرد التخلص من أعضائهم التناسلية، معللةً ذلك بالقول: "لو طلبت من طبيبي أن يمنحني أذنين طويلين ونقاطاً على جلدي وارتديت معطفاً بنياً، فإن ذلك لن يحولني إلى كلب صيد"، عادت أخيراً لتهز الرأي العام من جديد من خلال الزعم بأن النساء يشعرن بالإثارة عند رؤية مشاهد الجنس والعنف على الشاشات.

فانتازيا الاغتصاب

"بإمكان المرء قول ما يشاء عن "جيرمين غرير"، فهذه المرأة لا تخاف من أي شيء على الإطلاق، لأنها تسبح دوماً عكس التيار ولا تخجل من أن تظهر بمظهر النسوية التي لا تحب المرأة كثيراً"، هذا ما قالته الكاتبة "زوي ويليامز" في مقال في صحيفة الغارديان البريطانية، رداً على ما قالته "غرين" على "راديو تايمز".

أقوال جاهزة

شارك غردتعتبر غرير أن زيادة جرعة مشاهد العنف الجنسي على التلفاز تعود لاستمتاع النساء برؤية النساء الأخريات وهنّ يتعرضن للاعتداء الجنسي.

شارك غردتنجذب النساء إلى مشاهدة المواضيع الخاصة بالجرائم لأنهن اعتدن التفكير بأنهنّ ضحايا محتملات.

فقد تحدثت الكاتبة النسوية "غرير" (79 عاماً) عن انتشار العنف الجنسي في الدراما التلفزيونية والذي، وفق رأيها، يهدف إلى تلبية رغبات الجمهور وخاصة النساء: "تباع هذه الدراما للنساء"... من يقرأ ويشاهد الصور المتكاثرة للضحايا النساء؟"، النساء أنفسهنّ، مشيرةً إلى أن هذا الموضوع يستحوذ على عقل المرأة بنسبة تراوح بين 60 و 80%.

رأت "غرير" أن المرأة نفسها تغذي "شهية" العنف ضد النساء في التلفزيون، فتعليقاً على الحلقة الأولى من المسلسل الدرامي The Bridge الذي يظهر إمرأة ترجم بالحجارة حتى الموت، ادّعت المؤلفة النسوية أن المرأة هي التي تقود مثل هذه الأنواع من العنف ضد المرأة الأخرى كجزء من عالم الفانتازيا بدلاً من أن يكون العنف وليد الذكورية.

ولكن وفق قولها: ما سبب "هوس" المرأة بالعنف الجنسي على الشاشة؟

بيّنت الكاتبة والناشطة النسوية "غرير" أن الخوف من التعرض للاغتصاب يسيطر على وعي النساء، ويجعلهنّ يتخيلن عمليات الاغتصاب، مستشهدةً بدراسة أجرتها في السابق جامعة تكساس في الولايات المتحدة الأميركية في العام 2008 ووجدت حينذاك أن حوالى ثلث النساء يعانين من "فانتازيا الاغتصاب".

ووفق موقع "The conversation"، كانت "غرير" قد شنّت حملتها في وقت سابق من هذا العام حين أكدت أن زيادة جرعة مشاهد العنف الجنسي على التلفاز تعود لاستمتاع النساء برؤية النساء الأخريات وهنّ يتعرضن للاعتداء الجنسي.

ثورة في التفكير النسوي

إن الكلام الصادر عن "غرير" التي تعدّ من أهم الأصوات النسوية يعتبر منعطفاً مثيراً للاهتمام في التفكير النسوي.

لم تكتفِ الناشطة النسوية بالحديث عن دور النساء في تأجيج مشاهد العنف الجنسي على الشاشات، بل تناولت موضوع حملة #Me Too زاعمةً أن النساء اللواتي تعرضن للاغتصاب على يد "هارفي واينشتاين" كن بمثابة "سجينات محترفات"، قمن بـ"فتح أرجلهنّ للحصول على أدوارٍ سينمائيةٍ".

بالإضافة إلى ذلك، فقد أثارت "غرير" الجدل حين طالبت بتخفيف الأحكام بحق المغتصبين، معتبرةً أن إخضاع المغتصب لـ200 ساعة في الخدمة المجتمعية أو وضع وشم على يده أو ذراعه أو خده للتعريف على أنه مغتصب، قد تكون إجراءات أشدّ عقوبة للمغتصبين.

واللافت أن "غرير" كانت قد تحدثت عن تجربتها الخاصة مع موضوع الاغتصاب، مشددةً على أنها لم تواجه أي ضررٍ على المدى البعيد، ولعلّ هذا ما يفسر سوء فهمها للعنف الجنسي، لأنها ترسم خطاً فاصلاً بين الاغتصاب العنيف وغير العنيف، مما يدل على سوء فهمها لطبيعة الاعتداء الجنسي، ولقيامها بـ"تسخيف" مثل هذا السلوك "الوحشي" مما يخلق بيئة تصبح فيها الجرائم الجنسية مسألة طبيعية.

آراء مناهضة

"قد يكون لدى النساء فانتازيا وأوهام جنسية حول فكرة تقييدهنّ، جلدهنّ، ضربهنّ لكن، كقاعدة عامة لا تثيرهنّ فكرة أن يتم دفنهنّ أحياء أو أن يتم إطلاق النار عليهنّ"، هذا الرأي جاء على لسان الأخصائية في علم النفس "جو هيمينغز".

صحيح أن الفيلم 5o shades of Grey أثار الكثير من الجدل عندما عُرض لأول مرة، إذ وجدته بعض النساء مثيراً ومشوقاً فيما اعتبرت النساء الأخريات أنه فيلم مسيء، غير أن وجود "فانتازيا الاغتصاب" لدى الإناث، لا يعتبر دليلاً على رغبة النساء الضمنية في أن يتعرضن لمثل هذا النوع من التعنيف الجنسي، بحسب "هيمينغز"، التي أشارت إلى وجود فارقٍ كبيرٍ بين الاستكشاف والابحار في خيالنا وإيجاد حدودنا الخاصة، ومصطلح "فانتازيا" الذي يعني ضمنياً أنه لدينا رغبة قوية في تحويل رغباتنا إلى واقعٍ ملموس.

من هنا أوضحت "جو" في مقال في صحيفة "الغارديان البريطانية" أن التعرض للضرب، أو القتل، أو الرجم حتى الموت، أو الإيذاء الجنسي، هذه كلها مخاوف تعاني منها جميع النساء تقريباً، ومع الخوف تأتي الحاجة إلى مواجهة هذه الهواجس والسيطرة عليها.

وبالتالي أكدت "هيمينغز" أنه حين تأتي مشاهد العنف الذي يمارس ضد النساء، في سياق منطقي وبشكل يخدم الدراما والحبكة في الأفلام والمسلسلات التلفزيونية، "يسمح لنا بالتخفيف أو بالتحكم بالمخاوف"، مضيفةً أن طريقة إظهار هذه المشاهد ولو بطريقةٍ وحشية، هي وسيلة مهمة لإدراك وفهم أن هذه الممارسات تحدث حقاً في العالم.

وفي هذا الصدد تقول:" إن رؤية كيف يمكن للأفراد التأقلم مع هذه المواقف وتأثيرها هي من الأمور الأساسية لفهم العالم المضطرب، أما تجاهلها أو التظاهر بعدم حدوثها هو مجرد تواطؤ في إنكار وقوعها"، مشددةً أيضاً على أن "إثارة العنف أو الاغتصاب أو إدراج مثل هذه المشاهد في مسلسل تلفزيوني من دون سياق أو مبرر  هو "أمر مقزز".

وأوضحت "دينيس مينا"، مؤلفة مجموعة "أليكس مورو"، في قصة The long drop أن خيالات الاغتصاب تتمحور حول النساء اللواتي يرغبن في الحصول على المغفرة بسبب امتثالهنّ، وليس النساء اللواتي يرغبن في إلقاء رؤوسهنّ عند خطوط السكك الحديدية.

ورأت الكاتبة "ماك درميد" أن قضية "التعنيف الجنسي" معقدة ودقيقة:" هناك الكثير من العوامل التي ينطوي عليها الأمر، لكنني أعتقد أن النساء ينجذبن إلى مشاهدة المواضيع الخاصة بالجرائم لأنهن اعتدن التفكير بأنهنّ ضحايا محتملات، مشيرةً إلى أن هناك شعوراً أيضاً بالراحة، كمن يشاهد الصاعقة مثلاً وهي تضرب منزل شخص آخر، فيقول في قرارة نفسه:" الحمدالله، ليس منزلي".

ولدى جوان سميث، كاتبة وناقدة للجرائم، رأي مختلف، إذ تعتبر أن المسلسلات التي تتضمن العنف الجنسي والإيذاء ليست سوى تشويقٍ رخيصٍ وطريقة لجذب الانتباه فقط عن طريق خلق التوتر، مشيرةً إلى أنه كون المشاهدين لا يتابعون هذه البرامج بسبب مشاهدة الدماء لا يعني أنه ليس هناك من عواقب:" أقلق من قساوة بعض روايات الجريمة، بحيث يتم التغاضي عن الضحايا بشكلٍ كاملٍ مما يجعلنا نتحول إلى أشخاصٍ غير آبهين بما يحصل من حولنا".

الجدير بالذكر أنه في الوقت الذي تسهل فيه إدانة الكثير من البرامج التلفزيونية التي تسمح للرجال بفرض وجهات نظرهم أو حتى نزواتهم من خلال إدراج مشاهد التعنيف الجنسي الذي يمارس بحق النساء، يجب أن نعي حقيقة أن العديد من المسلسلات الدرامية التي تحمل مشاهد العنف ضد النساء هي مكتوبة بأيدي النساء.

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيداً عن التجاذبات السياسية القائمة.

التعليقات

المقال التالي