لأن الرجال لا يتقبّلون أوامر من امرأة نجّارة ونسوية.. تحدّت فاطمة الشريف ذكوريتهم الساذجة

لأن الرجال لا يتقبّلون أوامر من امرأة نجّارة ونسوية.. تحدّت فاطمة الشريف ذكوريتهم الساذجة

تقف بملامحها السمراء المفعمة بالحياة، بين العمال في ورشة النجارة المملوكة لزوجها، تتابع العمل وتشرف على جودة المنتجات، لتصبح "فاطمة الشريف" من القليلات اللواتي اخترن سلوك الطريق الأصعب لتحقيق ذواتهن.

ورغم أنها خريجة معهد نظم المعلومات، قسم برمجة حاسبات، إلا أنها بملء إرادتها، وبكامل وعيها أن ليس هناك ما يمكن اعتباره حكراً على الرجال، قررت امتهان النجارة، والنزول إلى ورشة زوجها الذي شجعها وساعدها في التعلم وملاحقة شغفها بحرفة النجارة.

ففاطمة لا تقتصر تجربتها على امتهان النجارة فقط، وإنما شملت الدفاع عن حقوق النساء، والمناداة بالمساواة الكاملة وتكافؤ الفرص، من خلال تطوعها في عدد من منظمات المجتمع المدني المهتمة بالشأن النسوي.

لماذا اخترتِ حرفة النجارة؟

لا يمكنني القول إني اخترت النجارة، فالأصح أن النجارة هي التي اختارتني. فهي لم تكن ضمن اختيارات أخرى، بل شعرت بشغف حقيقي اتجاه المهنة، ولا يزال الشغف مستمراً حتى اليوم.

أشعر أنني أريد التعلم أكثر والعمل على تصميمات أكثر، عكس العمل في مجال المبيعات، الذي كنت أعمل به في البداية، فالنجارة بالنسبة لي هوس تملكني، فطوال الوقت أشعر أنني أستطيع أن أعطي أكثر وأستطيع أن أقدم للمهنة ولنفسي ولطموحي أكثر، هناك متعة بالحرفة نفسها.

أقوال جاهزة

شارك غردأواجه مشكلات عدة، خاصة في ما يتعلق بالجودة أو فرض وجهات النظر، كما يرفض بعض العمال العمل لمجرد أنني امرأة وأحاول السيطرة على مجريات الإمور.

شارك غردالواقع أن الثورة أحدثت تأثير لحظياً وقتها، أما الآن، فلا أحد يتذكر الثورة أو يتحدث عنها أو عن مطالبها، ولا أعتقد أن أحداً لديه القدرة على إعادة التجربة، فما بالك بتأثير الثورة على قضايا النساء.

هل تكوّن وعيك بالقضايا النسوية بعد امتهانك للنجارة؟

لا بالعكس، فأنا مهتمة بحقوق المرأة والقضايا السياسية، من قبل العمل بحرفة النجارة، ويمكنني القول إن اهتمامي بمجال حقوق المرأة بدأ منذ سن 18 سنة، وبدأت بشكل شخصي بمتابعة التطورات في المجال العام من وقتها.

كيف شجعك زوجك على المهنة؟

في البداية أحضر زوجي لي أدوات النجارة في البيت، وعلمني كيفية الإمساك بالشاكوش، والدق على المسمسار، وجميع الأساسيات، وقام بتعليمي من خلال المقاطع المصورة على الانترنت، حتى أكوّن صورة عامة وخبرة مبدئية قبل النزول إلى الورشة والتعامل مع العمال، والآن هو يضع في ثقة كبيرة، فيتركني للاتفاق مع العمال والعملاء على حد سواء، بل حتى من المواقف الكوميدية، أنه أحياناً يتركني أحاسب العمال المتأخرين على سبيل المثال.

ما هو أسوأ موقف تعرضتِ له؟

كان في بداية عملي، عندما حدث شبه مؤامرة علي، من عاملين خارج الورشة، غيروا التفاصيل المطلوبة في عمل ما، والألوان وغيرها، فخسرت ما يقرب من 20 ألف جنيه، ومبلغاً آخر لاعادة تعديل الشغل نفسه.

وما هو أكثر موقف إيجابي أثر فيكِ؟

في نفس الموقف، كان هناك جانب يعتبر من أكثر المواقف الايجابية التي مرت عليا وأثرت في، فالعميل صاحب الأعمال المطلوبة، اختار أن يشجعني ويدعمني، وعرض علي دفع دفعة ثانية من المبلغ المطلوب لأنجح في تجاوز الأزمة وتعديل ما تم تخريبه، وأعطاني الوقت والمساحة، وبالفعل نجحت في تسليم الأعمال كما يجب، وبعدها رشحني لأكثر من صديق له.

هل كان التعامل مع العملاء أسهل من التعامل مع العمال؟

التعامل مع العامل صعب جداً سواء كان شاباً صغيراً أو رجلاً قديماً في المجال، فالعمال في الأساس لا يعطون الفرصة لأي زميل جديد للتعلم أو العمل، فما بالك إذا كان الزميل الجديد سيدة! وبالفعل قابلت مشاكل كبيرة، فمثلاً لا يتقبلون الأوامر أبداً، وطوال الوقت، يتمردون ويماطلون في تنفيذ المطلوب منهم، أو يغيرون في تفاصيل العمل حسب مزاجهم الشخصي، ولسان حالهم يقول أنت بنت ولا يمكنك تغيير قوانين العمل.

وحتى الآن، أواجه مشكلات عدة، خاصة في ما يتعلق بالجودة أو فرض وجهات النظر، بل أن بعض العمال يرفضون العمل لمجرد أنني امرأة وأحاول السيطرة على مجريات الإمور.

أما التعامل مع العملاء فهو أسهل كثيراً، فأغلبهم لا يهتم بأنه يتعامل مع امرأة أو رجل، فهم مهتمون أكثر بخبرتك ودرايتك الكافية لتنفيذ طلبهم.

بعيداً عن النجارة، تطوعت في عدد من المنظمات والمؤسسات النسوية، فهل شعرت أن التجربة تكمل بعضها بعضاً؟

بالفعل التجربة كملت بعضها بعضاً، فأنا مهتمة بعدة محاور في قضايا النساء، التمكين الاقتصادي للمرأة، سواء في عمل خاص بها، أو العمل تحت إدارة أحد، وكيف تكون مؤهلة للنزول لسوق العمل، بالأخص أن إيجاد فرص عمل في مصر صعب جداً، وتزداد صعوبته مع النساء.

تتحدثين مع ركاب المواصلات العامة عن الاجهاض الآمن، وبعض القضايا النسوية الأخرى، هل تحاولين نشر الوعي بشأن تلك القضايا بأسلوب أكثر شعبية؟

نعم بالفعل، فأنا اشعر أننا كنشطاء وناشطات تركنا الناس لتكوّن وجهة نظرها عنا وعن قضيتنا، من خلال الإعلاميين، الذين هم أنفسهم من الممكن في لحظة ما، أن يكونوا غير قادرين عن التعبير عن وجهة نظرهم الحقيقية لأنها قد تتعارض مع سياسة القناة أو توجهات صاحبها، ولذلك لا بد من سلوك أي مسلك لتغيير الثقافة الشعبية فيما يخص النساء وقضاياهن.

وللأسف، لدينا أزمة في تحديد الجهة المخاطبة، فطوال الوقت نخاطب السلطة فقط لإصلاح الأوضاع، في حين أن الأمر يمس المواطنين بشكل أساسي، وثقافتهم الشعبية نفسها، ولابد من مخاطبتهم لتغيير مفاهيمهم كما نبحث عن تغيير القوانين ومخاطبة السلطة أو مجلس النواب لهذا الهدف.

كيف أثرت ثورة 25 يناير في أفكاركِ؟

الواقع أن الثورة أحدثت تأثير لحظياً وقتها، أما الآن، فلا أحد يتذكر الثورة أو يتحدث عنها أو عن مطالبها، ولا أعتقد أن أحداً لديه القدرة على إعادة التجربة، فما بالك بتأثير الثورة على قضايا النساء.

هل تعتقدين أن أوضاع النساء في مصر ساءت أم تحسنت بعد الثورة؟

ساءت فعلاً، وهذا ليس خطأ الثورة، وإنما خطأ القائمين على السياسات في مصر، تفكيرهم ونظرتهم لقضايا النساء، وحتى القوى السياسية تهتم بالحديث عن الأسعار والأكل والشرب ولا تعير قضايا كثيرة كالتحرش والانتهاكات الجنسية أي اهتمام، الوضع في مصر يمكن تلخيصه، بأن كافة الأوضاع تتدهور، وبالتالي فإن أوضاع النساء تسوء بالتوازي معها.

تطوعت في عدد من المنظمات، هل ترينها قادرة على الوصول للشارع المصري؟

للأسف، لا يوجد في مصر منظمة قادرة على الوصول للشارع بشكل سلس، بل على العكس فأنا أعتقد أن أغلب القائمين على تلك المنظمات، يقيمون في أبراج عالية محصنة، هم بالطبع يواجهون مشاكل، ولكنها ليست كمشاكل سائر الناس، أو حتى مشكلات العاملات في منظماتهم.

هل هناك تجارب محددة، شعرت أنها أثرت بك وكوّنت وعيك النسوي؟

التجارب، لا أعلم، لا يمكنني أن أدعي أن هناك ما حدث معي فأثر في شخصيتي ووجداني، حتى أعمل على حقوق المرأة، فأنا لم أعش طفولة مقهورة، ولم يكن والدي ليفرق بيني وبين ذكور العائلة، بل على العكس، كنت أملك حريتي كاملة، كنت ألعب في الشارع، ولكن إحقاقاً للحق، يمكن القول بأنه بالفعل كان هناك توجه من الدولة خاصة من سوزان مبارك، في سن قوانين كالخلع وغيرها، جعلتني أسأل وأبحث في قضايا النساء.

في الوقت الذي يتحجج الكثير من أصحاب العمل بكثرة إجازات النساء، لعدم توظيفهن، استطعت أن تحطمي صنم الأعمال الشاقة بامتهانك النجارة، هل تشعرين أنك وضعت بعداً آخر لقضية عمل النساء؟

البعد الآخر هنا وضع للمرأة نفسها، فأنا أقابل يومياً نساء وفتيات يفعلن أموراً صعبة جداً، وكما كسرت أنا قاعدة "النجارة مهنة الرجال"، فعلن هن كذلك، الوعي هنا يحدث للنساء أكثر من أصحاب الأعمال أنفسهم، أتمنى أن الأمر يعطيهن دفعة للمقاومة والمغامرة، وهناك عشرات النماذج ظهر بعضها في الفيلم الوثائقي "قدها وقدود" الذي وثق وجود النساء في أعمال صعبة جداً، مثل الجزارة والحدادة وسن السكاكين وغيرها.

التعليقات

المقال التالي