بين الخوف من الحميمية الجنسية و"التعرّي عاطفياً" أمام الآخر

بين الخوف من الحميمية الجنسية و"التعرّي عاطفياً" أمام الآخر

عندما قابلته شعرت أنه الشريك المثالي الذي لطالما بحثت عنه، فنحن نتشابه إلى حدٍ بعيد ونتشارك في الهوايات نفسها. كل شيء بدا على خير حتى وجدت أن العلاقة بيننا باتت أكثر جدية، فحينذاك شعرت بالارتباك وبالتردد ليس بسبب غياب الحب بل لأنني بحاجة إلى المزيد من الوقت لتجهيز نفسي وتخطي الهاجس الذي لطالما عانيت منه: الخوف من الحميمية.

هذا الموقف يختبره العديد من الأشخاص في علاقاتهم، فيجد هؤلاء أنفسهم عاجزين عن الانفتاح على الطرف الثاني وإيصال العلاقة إلى خاتمتها السعيدة، فيبتعدون حالما يشعرون بأن العلاقة باتت جدية، غير آبهين بمشاعر الحبيب برغم الحب الذي يكنونه له، كما أنهم قد يبتعدون عن المقربين من دون سبب واضح، مفضلين العزلة والقوقعة الاجتماعية.

فما الذي يكمن وراء الخوف من الحميمية؟ ما هي المؤشرات التي تدل على هذه الحالة؟ وكيف يمكن التغلب عليها؟

الحميمية الروحية والجنسية

عندما نسمع عبارة "الخوف من الحميمية" Fear of intimacy نعتقد للوهلة الأولى أن الأمر محصور بالخوف من العلاقة الجنسية وبالخشية من اقتراب الآخر جسدياً منا، إلا أن هذا ليس دقيقاً، بحسب ما يؤكده موقع My domaine مشيراً إلى أن الخوف من الحميمية قد يكون متعلقاً أيضاً بالشق الروحي.

via GIPHY

تصف الأخصائية "أليشا جيني" الخوف من الحميمية بـ"الخوف النابع من الوعي أو اللاوعي تجاه فكرة الارتباط العاطفي أو الجسدي مع الشخص الآخر"، مضيفةً أنه" الخوف من الكشف عن أجزائكم الحقيقية والتي تميلون إلى الحفاظ على خصوصيتها في داخلكم".

ورداً على الأقاويل التي تشير إلى أن الرهاب من الحميمية هو جسدي أو حتى جنسي بحت، تؤكد "أليشا" أن هذا الهاجس يتخطى الشق الجنسي إذ يمكن أن يظهر في أي علاقة، حتى علاقتكم مع الأهل والأصدقاء وزملاء العمل، إذ يصبح من الصعب التعبير عن شعوركم وإعطاء الآخر امتياز رؤيتكم والتعرف على حقيقة ما أنتم عليه.

أقوال جاهزة

شارك غردتجنب الحميمية لا يعني بالضرورة اللامبالاة، إنما قد يعود الأمر إلى أسبابٍ بيولوجيةٍ متعلقة بالجهاز العصبي، أو فقدان الثقة بالآخرين.

شارك غردالانفجارات المستمرة للغضب تشير إلى عدم النضج والأشخاص الذين يفتقدون إلى النضج لا يستطيعون إقامة علاقة حميمة.

ولكن هل الخوف من الحميمية سلوك مبرر؟

ترى "جيني" أن الرهاب من الحميمية طبيعي، نابع من الطبيعة البشرية ويظهر بأشكالٍ مختلفةٍ في مراحل عديدة من حياتنا، تقول: "أؤمن بأننا جميعاً، على مستوى ما، نخشى من بعض أشكال الحميمية"، مشيرةً إلى أن المشكلة تكمن في عدم وضع هذا الخوف تحت المجهر.

via GIPHY

أسباب وراء الخشية من التعلق بالآخرين

صحيح أن الانخراط في علاقة مع شخص يخشى من الارتباط الروحي والجسدي قد تبدو مسألة معقدة، لكن يجب علينا فهم أن تجنب الحميمية لا يعني بالضرورة اللامبالاة أو غياب المشاعر تجاه الآخر، إنما قد يعود الأمر إلى أسبابٍ بيولوجيةٍ متعلقة بالجهاز العصبي، أو فقدان الثقة بالآخرين إثر المرور بتجارب فاشلة في الماضي أو حتى نتيجة تربية الأهل.

فكيف تؤثر مرحلة الطفولة على ظاهرة الخوف من الحميمية؟

تحدث موقع "سيكولوجي توداي" عن نظرية "التعلق" Attachment theory لافتاً إلى أن لدى جميع الأطفال حاجة طبيعية للبقاء على مقربة كافية من أهلهم بهدف الشعور بالحماية والراحة خاصةً في أوقات الخوف والحزن.

واللافت أن طريقة استجابة الوالدين في هذه الحالات تؤثر بشكلٍ كبيرٍ على نمو الطفل وشخصيته، فالأهل الذين يخشون الحميمية يتصرفون بقساوة مع أولادهم ويوبخونهم إذا عبروا عن مشاعرهم، وغالباً ما يقود هذا السلوك إلى التأثير السلبي على نظرة الأطفال ويجعلهم يختبرون بدورهم الخوف من الحميمية ومن الانفتاح على الآخرين والبوح بما يدور في أذهانهم، وهكذا يتحولون مع مرور الوقت إلى أشخاص منغلقين على ذواتهم ويكبتون مشاعرهم وعواطفهم السلبية عن المجتمع والأشخاص من حولهم.

مؤشرات تدل على خوفكم من الحميمية

إليكم أبرز العلامات التي تدل على الخوف من الحميمية وسبل معالجتها:

الغضب الشديد: عندما تصبح العلاقة جدية، فإن الشخص الذي يعاني من الخوف من الحميمية يعبر عن خوفه وقلقه من خلال الغضب الشديد، بحسب الأخصائي في علم النفس "جون ماير": " إن الانفجارات المستمرة للغضب تشير إلى عدم النضج والأشخاص الذين يفتقدون إلى النضج لا يستطيعون إقامة علاقة حميمة".

من هنا يعتبر "ماير" أن ضرورة التواصل مع الشريك/ة والبوح بالمشاعر هو الحل الأنسب: "التحدث عن الأمر هو المفتاح هنا. عززوا التواصل القوي والمتكرر والصادق مع الآخر، فلا تكتموا مشاعركم بل تحدثوا عنها للطرف الثاني".

via GIPHY

هاجس الكمال: يرغب الناس في أن يكونوا محبوبين وساعين دوماً للكمال، فيعمد بعض الذين يخافون من الحميمية إلى وضع قناع بهدف الظهور بصورةٍ إيجابيةٍ ومثاليةٍ طوال الوقت، إذ يريدون من الآخرين أن ينظروا إليهم كما لو كانوا دائماً في مزاجٍ جيدٍ، فلا شيء يغضبهم أو يضايقهم.

وتبيّن الأخصائية "جيني كينيدي" أن "الأفراد يسألون أنفسهم باستمرار، بطريقةٍ أو بأخرى، هل بامكانهم الوثوق بالشخص الآخر، وهل بوسعهم الكشف عن عيوبهم أو المخاطرة بأن يتعرضوا للإحراج؟ كاشفةً أن الطريقة الأنسب لتجاوز هذا الخوف تكمن في الإقدام على المجازفة والتصرف بطريقةٍ طبيعيةٍ بعيداً عن التزلف.

عدم النضج الجنسي: إن الخوف من الحميمية يؤثر سلباً على الممارسة الجنسية ويجعل المرء غير ناضج جنسياً من خلال الاهتمام المفرط مثلاً بالإباحية، إضافة إلى التلهي عن احتياجات الآخر والتركيز على رغباته الشخصية.

وينصح "ماير" بضرورة "التعري عاطفياً" أمام الشخص الآخر، من خلال عدم الخشية من طرح المخاوف والهواجس بطريقةٍ صادقةٍ: "إذا استطعتم القيام بذلك في جميع جوانب حياتكم، فسيكون من السهل عليكم تطبيق ذلك من الناحية الجنسية أيضاً".

الإدمان على العمل: يوضح "مارسدين"، الأستاذ المساعد في الخدمات النفسية وعلم النفس في جامعة "بيكون" في فلوريدا، أن إقدامنا على دفن أنفسنا في العمل، قد يكون ناجماً عن رغبتنا الدفينة بتجنب الحميمية وتفادي مشاعر الحزن أو العار أو الغضب: "من خلال البقاء مشغولين طوال الوقت، يصبح بإمكاننا تجنب هذه المشاعر بسهولة وتفادي التعامل معها".

via GIPHY

وبهدف التغلب على هذه "القوقعة الإجتماعية"، ينصح "مارسدين" الأزواج بضرورة القيام بنشاطاتٍ مشتركة كإعداد وجبة طعام معاً أو الاهتمام بشؤون المنزل، والأهم هو التفاعل مع الآخر: "أثناء القيام بهذه الأنشطة، تحدثوا عن الأمور التي تعجبكم وتلك التي لا تحبونها واطرحوا الأسئلة بعضكم على بعض".

كلمات مفتاحية
الحميمية العلاقات

التعليقات

المقال التالي