"البربهاريون الجدد"... عن ظاهرة "شرع اليد" في المغرب

"البربهاريون الجدد"... عن ظاهرة "شرع اليد" في المغرب

قبل فترة، انتشر مقطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي يوثق حادث اعتداء بعض المواطنين المغربيين بالعصي والهراوات على شخصين داخل سيارة في ضواحي مدينة آسفي المغربية.

ظهرت شابة في العشرينات من عمرها والدماء تسيل من وجهها برفقة رجل داخل سيارة يستعطفان المعتدين، وتحاول الشابة أن توضح لهم بأنها طالبة باحثة استأجرت سائقاً من أجل القيام بزيارة ميدانية لهذه المنطقة لإنجاز بحث علمي ضمن دراستها، والأشخاص المعتدون يصمون آذانهم ويتمادون في التنكيل بالضحيتين وتصوير الحادث.

هذا المشهد أعاد الحديث عن هذه الظاهرة التي أصبحت تتكرر خلال السنوات الأخيرة والتي يُطلق عليها في المغرب مسمّى "شرع اليد"، إذ يعمد مواطنون في الشارع إلى الاعتداء على نساء يلبسن لباساً "مستفزاً"، على حد تعبير المعتدين، أو على شاب تظهر عليه ميول "مثلية".

هذه الأحداث تكررت في مجموعة من المدن المغربية، وبشكل منظم في الكثير من الأحيان، مثلما حدث قبل سنتين في مدينة "سلا" القريبة من العاصمة الرباط، حين عمدت جماعة من الأشخاص، أمام أعين سكان الحي، إلى رشق بيت "عرافة" بالحجارة لأنها تقوم بأعمال تقع، في نظرهم، خارج تعاليم الدين الإسلامي.

"ظاهرة عادية"!

تُعتبر ظاهرة "شرع اليد" في المخيال الاجتماعي للمغاربة ظاهرة عادية، ولكنها كانت في السابق محدودة بأحداث السرقة داخل الأسواق الشعبية مثلاً، أو في البنيات القبلية المتميزة بالانغلاق. فإذا ضُبط شخص يقوم بالسرقة، أو بأفعال لها علاقة بذلك، يُنادي الناس بصوت مرتفع أن سارقاً هنا، فتتوجه إليه أيدي السامعين بالضرب بما تحمله، مهما كان حجمه وصلابته، ويتم السعي إلى محاصرته وعقابه بشكل جماعي.

هذا الأمر انتقل من الأسواق الشعبية والبنيات القبلية إلى داخل المدن بنفس الشكل، ولهذا تفسيرات مختلفة بالنسبة للمشتغلين في علم الاجتماع. غير أن الجديد في السنوات الأخيرة بالنسبة إلى ظاهرة "شرع اليد" هو أنها أصبحت متلبسة بلبوس ديني، وتستهدف بشكل مباشر "الحريات الفردية" للمواطنين، وتنتشر بشكل مثير خلال شهر رمضان، وكثيراً ما تتعلق بضبط شخص غير صائم خلال أحد أيام رمضان أو بالاعتراض على طريقة لباس آخرين.

أحداث منفصلة في الزمان والمكان تقع، ولكنها منتشرة بنفس المضمون في مختلف المدن المغربية، بل نجد لها مثيلاً في دول عربية أخرى. وإذا كانت في السعودية مثلاً تأخذ طابعاً رسمياً من خلال "هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، فإن أحداثاً شهدتها مصر، خاصة في فترة حكم "الإخوان المسلمين"، هزت الرأي العام.

وارتفعت أصوات مصريين عبر المنابر الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي للتنديد بالظاهرة والاستفسار عن القائمين عليها، فيما اعتبر "التيار الإسلامي" أنها محاولات لتشويهه ولم يستبعد وجود مؤامرة تقف وراءها جهات في الدولة لتخويف الناس من الإسلاميين والحد من شعبيتهم.

وجاء ذلك على خلفية مقتل شاب بالسويس كان يتجول برفقة خطيبته، عام 2012، فأوقفتهما جماعة من الشباب الملتحين وطلبت منهما عدم التواجد بمفردهما من دون وجود "محرم"، الأمر الذي تطور إلى مشادة ومجادلة انتهت بقتل الشاب.

شرع اليد و سلطة الدولة

يرى رئيس نادي قضاة المغرب عبد اللطيف الشنتوف أن ظاهرة "شرع اليد" في المغرب لا تُعتبر، في الكثير من تمظهراتها، رفضاً للقانون ولسلطة الدولة في توقيع العقاب، على خلاف ما تؤمن به بعض المجموعات الدينية، ولا أدل على ذلك بالنسبة إليه من أن بعض الأفراد الذين يعمدون إلى تطبيق "شرع اليد" يسلمون المعتدى عليه لاحقاً إلى السلطات.

ويتم استدعاء المعتدين أحياناً إلى المحكمة وفق القانون، ولكن اللافت أنهم يرتكبون اعتداءاتهم عن غير وعي منهم، غالباً، بأن ما قاموا به يدخل ضمن الأفعال المجرمة، وقد تكون عقوبته أشد من عقوبة الفعل الذي قام به الشخص المعتدى عليه، هذا بحال كان ما قام به مجرّماً.

شرع اليد ينبني على إنكار المنكر

يوضح الباحث في الدراسات الإسلامية محمد عبد الوهاب رفيقي المعروف بـ"أبو حفص" لرصيف22 أن "شرع اليد" ينبني على ما يُعرف في الفقه الإسلامي بـ"إنكار المنكر".

ويضيف "للإنصاف"، على حد تعبيره، أنه ليس كل الفقهاء يرون أن لعموم الناس الحق في إيقاع العقوبة على المخالف، وبعضهم يرى أن ذلك من اختصاص السلطان.

وبحسب أبو حفص، لا بد من الإشارة إلى أنه يوجد في الأدبيات الفقهية ما يعزز وجهة نظر هؤلاء الممارسين للعنف بأنفسهم، إذ يرون أن إنكار المنكر واجب فردي غير مختص بسلطان أو غيره، وهي القراءة التي يختارها "المتشددون" ويروجونها لدى الناس، وهو ما يجعلهم "يتوهمون سلطة على الناس"، بل يصوّررون فعلهم على أنه غيرة على الدين ودفاعاً عنه، ويعتقدون أنهم يؤجرون على ذلك ويثابون.

ولا شك أن هذا الفهم، يتابع أبو حفص، يتنافى مع مفهوم الدولة الحديثة التي تحتكر فيها الدولة العنف المشروع.

التأصيل التاريخي للظاهرة

يشير أستاذ التاريخ في كلية "عين الشق-الدار البيضاء"، والمهتم في كتاباته بـ"الخطاب الديني"، عبد الواحد بنعضرا، في حديثه لرصيف22، إلى أن التأصيل التاريخي لظاهرة "شرع اليد" يمكن أن يُرَدّ إلى بعض الحركات التي ظهرت في العصر الوسيط، خاصة في المشرق.

ويعتبر أن أبرز مثال على ذلك "حركة البربهاريين" الحنابلة، نسبة إلى مؤسسها الحسن بن علي بن خلف أبي محمد البربهاري، وقد مارس أعضاؤها "شرع اليد" في وقتهم، بداية من خلافة الخليفة العباسي الراضي، فكانوا يعمدون إلى الهجوم على كل إنسان يخالف الإسلام، في نظرهم، سواء أكان مغنياً أو يرافق امرأة في الشارع بدون دليل على زواج بينهما، وكانوا يهجمون على بعض الدور ويمارسون التعزير فيها.

أقوال جاهزة

شارك غردتتكرر خلال السنوات الأخيرة في المغرب ظاهرة يسمّيها المغربيون "شرع اليد"، إذ يعمد مواطنون في الشارع إلى الاعتداء على نساء يلبسن لباساً "مستفزاً"، على حد ما يراه المعتدون، أو على شاب تظهر عليه ميول "مثلية"...

شارك غردتُعتبر ظاهرة "شرع اليد" في المخيال الاجتماعي للمغاربة ظاهرة عادية، ولكنها كانت في السابق محدودة بأحداث السرقة. غير أن الجديد في السنوات الأخيرة هو أنها أصبحت متلبسة بلبوس ديني، وتستهدف بشكل مباشر "الحريات الفردية" للمواطنين

ويحيل بنعضرا على كتاب المؤرخ ابن الأثير المعنون بـ"الكامل في التاريخ" الذي يورد أحداث عام 323 هـ تحت عنوان "فتنة الحنابلة". ويقول: "وفيها عظم أمر الحنابلة، وقويت شوكتهم، وصاروا يكبسون من دور القواد والعامة، وإنْ وجدوا نبيذاً أراقوه، وإنْ وجدوا مغنية ضربوها، وكسروا آلة الغناء، واعترضوا في البيع والشراء، ومشي الرجال مع النساء والصبيان، فإذا رأوا ذلك، سألوه عن الذي معه من هو؟ فأخبرهم، وإلا ضربوه وحملوه إلى صاحب الشرطة، وشهدوا عليه بالفاحشة، فأزعجوا بغداد".

ورغم تدخل صاحب الشرطة في تلك الحقبة، حسب الأستاذ بنعضرا، من أجل ثنيهم عما يقومون به، إلا أن هذا لم يزدهم إلا شططاً وتعنتاً. وكما قال ابن الأثير، فإن هذا "لم يفد فيهم، وزاد شرهم وفتنتهم".

إلا أن انتشار هذه الممارسات خلال ذلك الوقت، حسب بنعضرا، تعاظم بسبب غض الطرف من قبل الخلافة العباسية عنه، وذلك بغرض النكاية في خصومها من الشيعة والمعتزلة.

ولكن بعد أن استفحل أمر الحركة "البربهارية" في وقت من الأوقات، وأصبحت تخلق توتراً في بغداد، والأصل هو أن يسود الاستقرار، أصدر الخليفة العباسي توقيعاً (بياناً) توعّد فيه الحنابلة. ومما جاء فيه على ما نقله ابن الأثير: "لئن لم تنصرفوا عن مذموم مذهبكم ومعوج طريقتكم، ليوسعنكم ضرباً وتشريداً وقتلاً وتبديداً، ويستعملن السيف في رقابكم والنار في محالكم ومنازلكم".

وبحسب بنعضرا، تلقى الناس أمر الخليفة بالفرحة وسعدوا بنكبة "حركة البربهاريين الحنابلة".

سر انتشار الظاهرة في السنوات الأخيرة

حسب ما أوضحه بنعضرا، فإن ظاهرة "شرع اليد" ليست جديدة في التاريخ الإسلامي، لكن انتشارها كان مقتصراً على المشرق، وقد تطورت في السياق الحنبلي، وكان الأكثر تشدداً في هذا السياق هو الشيخ تقي الدين بن تيمية، ومؤسس الحركة الوهابية محمد بن عبد الوهاب في ما بعد.

وهذا يجعلنا نفهم سبب انتشار هذه الظاهرة في البلدان العربية والإسلامية، بنسب متفاوتة، بعيداً عن المغرب حيث عجزت الوهابية عن اختراقه في الكثير من المراحل التاريخية.

وبرغم تقديم الكثير من الإغراءات ومراسلة بعض السلاطين من أجل "محاربة البدع" و "القبورية" (على حد تعبير الوهابية)، فإن العقيدة الأشعرية والمذهب المالكي للمملكة المغربية قد وقفا سداً منيعاً أمام الوهابية في جميع هذه المراحل التاريخية.

إلا أنه في العقود الأخيرة، استطاعت الوهابية أن تنتشر في كل العالم عبر الاعتمادات المالية المرصودة لهذا الغرض، والقنوات الفضائية المجندة من أجل نشر هذا الفكر، وهو ما أصبحنا نجد تجلياته في الكثير من السلوكيات الجماعية ومن بينها ظاهرة "شرع اليد" التي كانت لها دلالات أخرى في التاريخ المغربي، وأصبحت الآن، بحسب حقوقيين، "تهدد الحريات الفردية وتنذر بتراجعات خطيرة في المسار الحقوقي والمكتسبات التي تحققت بفضل جمعيات حقوقية مغربية عريقة".


مدوّن مغربي. حاصل على الإجازة في السوسيولوجيا ومهتم بالتاريخ، ومدير تنفيذي سابق لمركز للدراسات والأبحاث الإنسانية بالدار البيضاء.

كلمات مفتاحية
الشريعة

التعليقات

المقال التالي