استمتاعنا بـ"ملذات الكسل" ليس بالضرورة أمراً سلبياً بل استغلالٌ للحظة

استمتاعنا بـ"ملذات الكسل" ليس بالضرورة أمراً سلبياً بل استغلالٌ للحظة

مهمات منزلية، ساعات طويلة في العمل، ارتباطات إجتماعية، مواعيد لا تنتهي... هكذا أضحت حياتنا ملأى بالأعباء التي لا تعد ولا تحصى، فنتخبط في عصر السرعة وفي عالمٍ نابضٍ بالمنهمكات يرفع شعار المثابرة والجهد على مدار الساعة، معتبراً أن فترة الراحة هي كسل وإضاعة للوقت.

ولكن وسط هذا الضوضاء، لا بدّ أن نتوقف لحظةً ونسأل: هل هذه فعلاً "نوعية" الحياة التي نريدها؟ لماذا نمنع أنفسنا من الراحة لدرجة أننا قد ننسى أحياناً أن نأخذ نفساً عميقاً بين آونة وأخرى؟

إليكم فلسفة "الكسل الإيجابي" وتأثيره على حياتكم اليومية.

via GIPHY

الروتين القاتل

متى كانت آخر مرة اقتنعتم فيها بضرورة ترك جميع انشغالاتكم، وأخذ نفس عميق والجلوس من دون القيام بأي شيءٍ على الإطلاق؟ صحيح أن البعض قد أقدم على هذه الخطوة -بالطبع مع شعورٍ بالندم رافقه طوال فترة الإستراحة وأنغص عليه هذه التجربة- أما البعض الآخر فلم تتسن له الظروف أن "يدلّع نفسه"، ما جعله يعتبر أن الراحة هي عبارة عن حلم جميل إنما صعب المنال ومستحيل تحقيقه في عصر تُحسب فيه الدقائق "عالبكلة".

أقوال جاهزة

شارك غرد"وجودنا على قيد الحياة يعني أننا نفعل دائماً شيئاً ما"، حتى إن كنا نعتقد عكس ذلك.

شارك غردفي مجتمعنا الحديث والمدفوع بمحركين مزدوجين من التسارع والفائض، فإن مفهوم "عدم القيام بشيء" يقترن بهدر الوقت، الكسل، غياب الطموح، الضجر والضياع.

إن العديد من الأشخاص يسيّرون حياتهم وفق جدولٍ زمني محدد: يضبطون المنبه صباحاً، يلحقون بدوام العمل، ثم يغادرون المكتب إلى النادي الرياضي أو لاصطحاب أولادهم من المدرسة ومن ثم يعودون إلى منزلهم حيث تنتظرهم سلسلة من الأعمال المنزلية. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحدّ، فحتى حين يقررون الخلود إلى النوم تصلهم رسالة إلكترونية مهمة فينفقون ساعات إضافية للرد عليها بغية حلّ مشكلة تتعلق بالعمل.

via GIPHY

في هذا السياق، يعتبر موقع "لايف ساينس" أنه في مجتمعنا الحديث والمدفوع بمحركين مزدوجين من التسارع والفائض، فإن مفهوم "عدم القيام بشيء" يقترن في العادة بهدر الوقت، الكسل، غياب الطموح، الضجر والضياع...

وبالإضافة إلى "عقلية" المجتمع التي لا ترحم والتي تعتبر أن عدم قيام الشخص بأي شيءٍ هو عبارة عن كسل غير مبرر، فقد أوضح الموقع أن الروتين القاتل قد يكون أيضاً مرتبطاً بالتقدم التكنولوجي، بحيث أننا نتعرض دوماً لوابل من الرسائل المتسارعة: ضروري، عاجل، الإجابة مطلوبة في أسرع وقتٍ ممكن... هذه الرسائل وغيرها تعكر صفو حياتنا، وتربك وقت فراغنا، وقت مكوثنا مع أهلنا وحتى أنها تؤثر سلباً على وعينا.

باختصار يمكن القول إننا أصبحنا منشغلين بالانشغال نفسه، مما يجعلنا نصل إلى نقطة تغلب فيها كفة الخسارة، ويكون الربح محصوراً فقط بجني ثمار التوتر والقلق.

ملذات الكسل

"وجودنا على قيد الحياة يعني أننا نفعل دائماً شيئاً ما"، حتى إن كنا نعتقد عكس ذلك، هذا ما تشير إليه صحيفة الغارديان البريطانية، مؤكدةً أن "عدم القيام بأي شيء" هو مرادف للشعور بالحياة.

via GIPHY

فبخلاف ما يحاول المجتمع تصويره، فإن استمتاعنا بـ"ملذات الكسل" ليس بالضرورة أمراً سلبياً إنما يندرج في خانة "استغلال اللحظة" من خلال التركيز مثلاً على حواسنا.

وتحدثت الصحيفة عن أهم الأسباب التي تحتم علينا الاقتناع بضرورة الراحة وعدم القيام بأي شيء، مشيرةً إلى أن الأفراد يخلطون بين الجهد والفاعلية، موضحةً أن "الانشغال يمكن أن يكون آلية دفاع فعالة لدرء الافكار والمشاعر المزعجة".

واللافت أنه منذ الثورة الصناعية، يسير البشر كالآلات على افتراض أن الطريقة الأنسب لإنجاز المزيد من العمل هي في دفع أنفسنا أو غيرنا، للانكباب عليه لفترةٍ أطول. إلا أن علماء الأعصاب يشددون على ضرورة أن تأخذ عقولنا قسطاً من الراحة لإعادة شحن نفسها، إضافة إلى القدرة على ترتيب الأفكار وتعزيز الذاكرة من خلال تقوية المسارات العصبية.

ولكن ما هي العلاقة بين الكسل والإبداع؟

توصل إسحاق نيوتن إلى فهم قانون الجاذبية حين كان مستلقياً تحت شجرة التفاح، واكتشف "أرخميدس" قانون الطفو حين كان مسترخياً في حوض التستحمام، في حين أن أينشتاين اشتهر بتحديقه في الفراغ لساعاتٍ...

لا شك أن هناك سبباً وجيهاً وراء قيام العديد من المؤلفين والمبدعين بأخذ قسطٍ من الراحة في حياتهم اليومية. ولعلّ أهم عامل هو إدراكهم أن التوقف عن التركيز على مشروعٍ ما يمنح المرء، عن طريق اللاوعي، إذناً للعمل.

إن العديد من الأنظمة الروحية والفلسفية، كالبوذية مثلاً، تشدد على أن الانفصال عن الاهتمامات اليومية وإنفاق الوقت في التأمل البسيط هو أمرٌ أساسي للصحة وللنمو الشخصي، كما أن الأبحاث المرتبطة بعلم النفس تؤكد أن مبدأ "عدم القيام بأي شيء" ضروري لنجاح سير عملية الإبداع والابتكار، لأن الاستراحة تحث العقل على الإبداع من خلال استنباط الأفكار والتختراعات، إضافة إلى زيادة مستوى الإنتاجية.

وتناول المدوّن الأميركي "فرانك سونانبيرغ" موضوع الراحة، مشدداً على أنه آن الآوان لهذا الـ"هامستر" أن يخرج من الحلقة المفرغة الذي يدور فيها من دون جدوى، فالحياة ليست عبارة عن سباق يتعيّن فيه الوصول إلى خط النهاية، لأن ما يهم ليس مقدار ما تفعلونه بل بالأحرى جودة الأشياء التي تقومون بها،" إن عدم القيام بأي شيء هو أفضل من الانشغال بلا شيء".

التعليقات

المقال التالي