منظمات المجتمع المدني السورية تعيش واقعاً جديداً... هل يكون مصيرها الإغلاق؟

منظمات المجتمع المدني السورية تعيش واقعاً جديداً... هل يكون مصيرها الإغلاق؟

مع استعادة النظام السوري السيطرة على مساحات جديدة من الأراضي التي كان قد فقدها، وتوغله الأخير في الغوطة الشرقية وقبلها في حلب وحمص، أُغلقت مكاتب منظمات المجتمع المدني التي كانت قائمة هناك، وصارت تواجه تهديد إغلاق مكاتبها وفروعها نهائياً، بعد مسيرة سبع سنوات من العمل الإنساني والإغاثي.

وبدأ عمل المجتمع المدني السوري تحت مسميات تنسيقيات ومجموعات ثم صار تحت عنوان منظمات مجتمع مدني. فهل ستكون الأعمال العسكرية القشة التي ستقسم ظهر البعير وتطوي صفحة هذا العمل؟ أم أن ظروفاً أخرى مالية وإدارية وخارجية ستكون لها اليد الطولى في ذلك، وخاصة بعد غياب وتغيّب الرعيل الأول من المؤسسين؟

المال ودوافع المانحين السياسية

ضمن خلطة العوامل المؤثرة في إغلاق منظمات المجتمع المدني، يبرز عامل دور المال الخارجي، وتحت إبطه ما يخفيه من دوافع سياسية.

منذ مرحلة مبكرة من عمر الثورة السورية، كان لزاماً على التنسيقيات المكبلة بالأزمة الإنسانية في البلاد استيعاب آليات الحصول على المال. تطلب ذلك منها بناء هيكلية تنظيمية (منظمات لها نظام داخلي ومجلس للإدارة وآخر للأمناء) ترسم استراتيجيات المنظمة، وتحدد مهام ووظائف الناشطين بهدف التخلص من "فوضى العمل التطوعي وضبطه".

هكذا، جرى تحويل الناشط إلى موظف يستحق الأجر، ما يستدعي محاسبة المقصرين لضبط العمل وترشيده وإدارة وصرف التمويلات وتحقيق أهداف المشاريع المموّلة.

ويعتبر العضو السابق في المجلس المحلي لمدينة دوما والمقيم حالياً في مدينة غازي عنتاب التركية، مهران عيون، أن الناشطين وجدوا أنفسهم أمام ضرورة استيعاب اتساع رقعة المناطق المحررة والأزمة الإنسانية، فكان لزاماً عليهم إعادة هيكلة عملهم بشكل يتماشى مع الواقع الجديد.

ويضيف لرصيف22 أن هذا الأمر صاحبه تدفق مال الداعمين للمنظمات وهو عامل كان مهماً جداً لعملها، "إلا انه كان مقروناً ببضعة شروط سياسية"، ويهدف إلى كسب ولاء المنظمات، في ظل التنافس بين عدة دول، فظهر دعم برامج بعينها ومشاريع لمناطق دون غيرها. وفي ظل تلك الظروف، تحوّلت التنسيقيات تدريجياً إلى منظمات مجتمع مدني.

هذه النقلة، برغم أهميتها وإيجابياتها، لم تحمِ المنظمات من تفشي الأمراض الإدارية في جسدها من الشللية والمصالح الشخصية وشخصنة الخلافات وغيرها، فأنهكتها لتضطر في الكثير من الأحيان إلى الإغلاق أو إعادة بناء نفسها أو الانقسام وانبثاق منظمات جديدة عن أخرى قائمة، حتى أصبحت بعض المنظمات عبارة عن ثلاثة إلى أربعة ناشطين يعملون بحسب المشاريع المعروضة من قبل المانحين من طبية أو إغاثية أو حقوقية، في محاولات للاستمرار.

يعتبر عيون أن المنظمات أصيبت بمقتل بسبب عدم امتلاكها تصورات واضحة لماهية عملها، و"رغم وضع أنظمة داخلية لها إلا أن الناشطين كانوا وما يزالون يفتقرون إلى الوعي، إذ لا تزال المنظمات تعمل بمنطق الحجي والشللية وتوظيف الأقرباء والمعارف وتغليب العلاقات الشخصية على العامة، بالإضافة إلى عدم وجود شفافية مالية مفصلة ومعلنة، وتغليب فكرة المنافسة (كونها مؤسسات غير ربحية) على فكرة التكامل بين عملها، ما أدى إلى تشرذم العمل وانقسام المنظمات على نفسها وإغلاق البعض الآخر".

تراجع التمويل

عدا الأسباب الداخلية وآثار سيطرة الجيش السوري على مناطق عملها، هناك سبب آخر لإغلاق المنظمات هو إحجام الداعمين عن تمويلها.

ومن أبرز مظاهر تراجع التمويل وقف التمويل الأمريكي إثر خفض ميزانية وزارة الخارجية الأمريكية. فقد ذكرت قناة CBS الأمريكية على موقعها بتاريخ 18/5/2018 أن الإدارة الأمريكية طلبت توقيف جميع المساعدات المخصصة للمجتمع المدني وعلى رأسها منظمة الخوذ البيضاء، وتوجيهها لمحاربة داعش، من خلال إعادة دراسة توزيع 200 مليون دولار من الأموال المخصصة لسوريا.

نتيجة لذلك، بدأ يلوح في الأفق إغلاق ما لا يقل عن ست منظمات ممولة أمريكياً في الأشهر القادمة، بحسب عيون.

وتلاقت السياسات الأمريكية الجديدة مع سياسات الدول الأوروبية إذ بدا واضحاً انخفاض الدعم الأوروبي للسوريين من عام إلى آخر.

ويرى الصحافي أسعد حنا أن قرار إيقاف التمويل "له أهدف سياسة وليست إنسانية، لأننا الآن بأمس الحاجة إلى وجود هذه المنظمات وزيادة الدعم، بسبب عمليات التهجير الكبيرة بعد تهجير الغوطة وجنوب دمشق وحمص وغيرها"، كما قال لرصيف22.

وكانت تركيا سبّاقة في إغلاق المنظمات، فقد أغلقت في شهر مارس 2017 منظمة ميرسي كوربس، وهي إحدى أكبر أربع منظمات، بذريعة "دواعي الأمن القومي" ودون إبلاغ المنظمة بسبب إغلاق مكاتبها في تركيا. ولكن ناشطين يرجحون أن ذلك كان بسبب نشاطها في المناطق الكردية التي تعاديها الحكومة التركية.

ويقول المدير التنفيذي لمنظمة "بيتنا سوريا" العاملة في تركيا أسعد العشي لرصيف22 إنه "يستحيل العمل في مناطق سلطة الإدارة الذاتية الكردية من تركيا".

أما عيون، فيعزو أسباب التضييق التركي على المنظمات بشكل عام، إلى رغبة الحكومة التركية في ضبط عمل المنظمات وإعطائها الصفة القانونية ليسهل عليها متابعة عملها، وخاصة ما له علاقة بحركة تحويل الأموال من الخارج إلى الداخل التركي إلى سوريا وتُقدّر بمئات ملايين الدولارات، و"ما زالت تتدفق عن طريق السوق السوداء".

سبب آخر للتضييق التركي، بحسب عيون، هو الرقابة على أمن المعلومات المقدمة من المنظمات إلى مشغليهم، إذ "تتخوف الحكومة التركية من أن تستخدم أجهزة استخبارات دولية الإحصاءات وعمليات التوثيق التي تجري في الداخل السوري بما لا يرضي تركيا".

أقوال جاهزة

شارك غردبدأ عمل المجتمع المدني السوري تحت مسميات تنسيقيات ومجموعات ثم صار تحت عنوان منظمات مجتمع مدني. ولكن هذا التطوّر لم يحمِ من تفشي الأمراض الإدارية من شللية ومصالح شخصية...

شارك غردعندما أسس الناشطون السوريون منظمات مجتمع مدني، تدفق مال الداعمين لهم وهو عامل كان مهماً جداً لعملهم، "إلا انه كان مقروناً ببضعة شروط سياسية"...

تضييق في بلاد اللجوء

حال منظمات المجتمع المدني السورية في بلدان اللجوء ليس أفضل بكثير من حالهم داخل بلادهم. ففي لبنان يستمر مسلسل التضييق عليها.

يسرد "أبو محمود"، الناشط في منظمة يتحفّظ على عدم ذكر اسمها، متخوفاً من التداعيات عليها، لرصيف22 سريعاً جملة من العقبات، بدءاً من صعوبة الحصول على تراخيص من الجهات المختصة، وصولاً إلى تضييق شركاء المنظمة اللبنانيين على شركائهم السوريين.

ويضيف أنه بعد سيطرة النظام السوري على مناطق دمشق وريفها وحمص وريفها وغيرها، كان مصير المنظمات السورية الناشطة في تلك المناطق الإغلاق تماماً. أما المنظمات التي تعمل على اللاجئين في لبنان فانحصر نشاطها ضمن المخيمات وأوقفت مشاريع كثيرة لها لعدم إيجاد ممول.

يعاني الناشطون في بلدان اللجوء، وخاصة تركيا من التضييق على حركتهم ومن التدقيق في خلفياتهم السياسية وعقود عملهم وهوياتهم. وجرى بالفعل ترحيل العديد منهم.

وأمام قلة فرص العمل التي توفرها المنظمات، بدأ يتنامى هاجس البطالة لدى الناشطين، والتخوّف من إغلاق المنظمات بالكامل، وخاصة بعد عجزها عن حل المشاكل ومواجهة الواقع المفروض.

وتعرب الناشطة هبة محمد التي فضلت عدم ذكر اسم المنظمة التي تعمل فيها عن أسفها لكون "المنظمات التي نعمل لديها عاجزة عن تأمين إذن عمل أو حتى تأمين صحي"، وتقول لرصيف22: "كيف نستطيع أن ننظر إليها كمكان للعمل الدائم والاعتماد عليها؟".

"وادٍ آخر من المعاناة"

أما عن وضع ناشطي الداخل السوري بعد إغلاق مكاتب منظماتهم فهم في وادٍ آخر من المعاناة، فالضغوط الممارسة عليهم بعد تهجيرهم من مناطقهم إلى مناطق الشمال تكاد لا تطاق.

ويعاني معظمهم من فقدان مصادر رزقهم وعدم الاستقرار جراء النزوح الداخلي، فيما بدأ البعض الآخر بدخول الأراضي التركية بعد انتهاء عقودهم المؤقتة مع بعض المنظمات.

يقول خالد، وهو ناشط من الغوطة الشرقية هُجّر مع آلاف الخارجين إلى الشمال السوري ودخل إلى تركيا مؤخراً، لرصيف22: "إن السبب الحقيقي وراء دخولي الأراضي التركية هو عدم الاستقرار في الشمال السوري، ورغم العروض المقدمة إليّ من قبل المنظمات للعمل لديها في تلك المناطق إلا أنني آثرت البحث عن الاستقرار بعد كل الأعوام الماضية".

أما أبو هاني، مسؤول إحدى المنظمات في لبنان فيقول لرصيف22: "نشعر بالأسف أمام العجز المادي تجاه موظفينا في سوريا نتيجة ارتباطنا بمشاريع مؤقتة ومحدودة المصاريف، ما يضطرنا إلى التعامل بصيغة العقود المؤقتة مع الموظفين".

ويلفت حنا إلى أنه "لم تكن هناك يوماً حماية أو عناية بالعاملين في سوريا سواء من الصحافيين أو عمال الإغاثة وإنما دائماً يتم التعامل معهم على أنهم عمال بأجور زهيدة ويتم إنهاء العمل معهم دون أي تأمين أو احترام لمجهودهم، باستثناء قلة قليلة من المنظمات".

وآثر بعض الناشطين البقاء في مناطقهم التي أصبحت تحت سيطرة النظام السوري. وعنهم، يقول العشي: "نحترم خيار الذين بقوا في الغوطة ولا نطلب منهم أن يتركوا منازلهم لكن المنظمة لم تعد تستطيع مساعدتهم ولا نستطيع أن نحميهم".

محاولة "تطويع القدر"

ما هي نظرة المنظمات لمستقبلها؟ يكاد الناشطون يجمعون على أنهم يبحثون عن "كيفية تطويع القدر"، بحسب تعبير أحدهم. ورغم اختلاف آراء المنظمات وناشطيها بخصوص التعامل مع مصيرهم المرتقب، إلا أنهم يعترفون بأنه ليست لديهم أية خطط أو مشاريع فعلية للإنقاذ.

يقول أبو هاني: "في حال استرجع النظام جميع المناطق التي نعمل فيها سيتم وبشكل تلقائي إغلاق المنظمة بشكل نهائي ولا توجد أية نية لاستمرار بالعمل. وأما عن مصير المشاريع التي ننفذها، فسنقوم بأرشفتها وحفظ جميع المقتنيات المادية والعينية أو غيرها للاستفادة منها لاحقاً".

أما العشي، فيقول إن الخيارات أمام المنظمات ثلاث: إما العمل ضمن مؤسسات تعنى باللاجئين في بلدان اللجوء؛ أو في الشق الحقوقي وقضايا المساءلة والعدالة الانتقالية إذ لا تحتاج للقيام بذلك إلى التواجد الفعلي في الداخل السوري؛ أما الخيار الأخير فهو أن تحاول بعض المنظمات العمل تحت مظلة نظام الأسد في الداخل السوري.

لعبت المنظمات دوراً إيجابياً كبيراً تجاه المجتمع السوري على جميع المستويات، وقدّمت المساعدات لمئات آلاف المواطنين مجنّبة إيّاهم خيار الذهاب نحو التسلح، ووفّرت فرص عمل للكثيرين، كما ساهمت في تطوير واقع المرأة وفي إعداد كوادر شابة، وخرّجت الكثير من الإعلاميين، بل استطاعت في بعض الأحيان أن تنجز ما لم ينجزه النظام السوري على مدار عقود، بحسب عيون الذي يستشهد بتجربة أتمتة السجل العقاري في مدينة دوما. ولكن الآن، هناك تحديات كثيرة قد تنهي تلك المرحلة.


كاتب سوري له مقالات في عدة مواقع إلكترونية وصحف عربية

التعليقات

المقال التالي