انتوني بوردان... رحل الذي جال العالم بمعدة خاوية ووجد في غزة وإيران ولبنان "طبقاً شهياً"

انتوني بوردان... رحل الذي جال العالم بمعدة خاوية ووجد في غزة وإيران ولبنان "طبقاً شهياً"

"جسدك ليس معبداً بل منتزه للتسلية. استمتع بالرحلة". بكل ما أتاحه الجسد له من قدرة على الاستمتاع، والعالم من احتمالات مفتوحة للتجريب والإبهار والانبهار، عاش أنتوني بوردان حياته، حتى قرّر إنهاءها في أحد فنادق باريس وهو يبلغ الـ61 من عمره.

عُرف كأحد أمهر الطهاة في العالم، منذ عام 2000 حين عمل كطاه تنفيذي في سلسلة مطاعم "Les Halles" الفرنسية. والطهو كان شغفاً بالنسبة له أكثر مما هو مهنة، وقد بدأ منذ كان في التاسعة من عمره حين تذوّق في إنكلترا المحار النيء الذي خاف والداه وأخوه أن يجربوه. "كان استثنائياً، ومنذ ذلك اليوم أدركت أنني لن أتوّرع عن تجربة أي نوع من المأكولات".

حبه للمغامرات والأصدقاء الجدد جعلته يخلع ثياب الطهو وينتقل إلى التلفزيون ليروي قصصه المميزة عن العالم  ويتحول إلى قاص فريد من نوعه، لم يتوقف عن إدهاش كل من سمعه وقرأه. كان فجاً، مباشراً، جريئاً ومرحاً. صاحب شخصيّة استثنائية لا يمكن تكرارها، لأن"المهارات يمكن اكتسابها أما الشخصية فلا، إما أن تمتلكها أو تفتقدها"، على حدّ قوله.

منذ ذاع خبر وفاته، ضجّ العالم بردود الفعل التي نعت رحيل بوردان الفجائي، وأكثر منها تلك التي احتفت باستثنائيته.

لن يفتقد العالم برحيل بوردان لطاهٍ بارع فهو مليء بأولئك القادرين على إدهاش من يتذوق أطباقهم، بل سيفتقد ذاك الذي حوّل الطعام إلى رحلة مفتوحة، إلى سعي دائم نحو الآخر الذي "يمكن أن نعرف عنه الكثير إذا تشاركنا وإياه السفرة"، وإلى مغامرة شغوفة لأن"الأكل الجيّد يتمحور حول المخاطرة".

الأهم من ذلك كان ما نجح فيه بوردان من تحويل الطعام إلى ثقافة حياة، فـ"من دون الانفتاح على التجريب والرغبة بطرح الأسئلة واختبار أشياء جديدة، سنصبح عبارة عن جماد وتكرار واحتضار دائم"، كما قال في كتابه " A Bloody Valentine to the World of Food and the People Who Cook".

وفي الكتاب نفسه قدّم نصيحته الذهبية" إن كنت في العشرينات وبصحة جيّدة، جائعاً للتعلّم والوصول إلى الأفضل، فأنا أحثّك على السفر- إلى أبعد ما يمكنك أن تصل في الجغرافيا والتوحش. نم على الأرض إن اقتضت الحاجة. اكتشف كيف يعيش الآخرون، وكيف يطبخون ويأكلون. وتعلّم من هؤلاء - أينما حطّت بك الرحلة".

أما في كتابه "من دون حجز: حول العالم بمعدة خاوية"، حكى بوردان عن السفر الذي جعله يدرك محدودية ما يعرفه عن الأماكن التي زارها، وحجم ما عليه أن يتعلّمه.

زار أماكن لم تكن على خارطة محبي السفر التقليديين والباحثين عن ثقافات غذائية جديدة حول العالم. من غزة والضفة الغربية وإيران ولبنان (في وقت الحرب)...كتب رسائل حب كسرت صور نمطية كثيرة.

عندما زار فييتنام "شعر أنه يريد أن يخنق هنري كسينجر، مستشار (الرئيس) نيكسون، بيديه". واجه قانون ترامب ضد الهجرة انطلاقاً من المطبخ كذلك، واقترح ساخراً (أو ربما لا) أن يعدّ وجبة طعام مميّزة لكل من ترامب ونظيره الكوري الشمالي كيم جونغ أون "ويسمّم الاثنين". مواقف كثيرة جعلت منه "الأنتوني بوردان" الذي لا يتكرّر.

رحلته من الهيرويين إلى "أماكن غير معروفة"     

انطلق بوردان، الذي نشأ في نيوجرسي مع والد كان يعمل مديراً تنفيذياً تخرج من جامعة يال العريقة ووالدة كانت محررة بارزة في صحيفة "نيويورك تايمز"، إلى عالم الشهرة الحقيقية في عام 1999.

كتب حينها لمجلة "نيويوركر" مقالاً مطولاً حمل عنوان "لا تأكل قبل أن تقرأ هذا النص"، تحدث فيه عن العوالم المخفية - الصادمة وغير الصحية - في حياة الطهاة، وتناول فيه تجربته كرئيس طهاة قاس مع الموظفين، وما أسماه "فن الطهو كعلم الألم".

لاحقاً، حوّل المقال إلى كتابه الأشهر "Kitchen Confidential: Adventures in the Culinary Underbelly"، الذي جعله رائداً لجيل جديد من رواة القصص، وقد تناول فيه صراحة الفوضى والأجواء التنافسية خلف الكواليس في المطابخ الراقية.

أقوال جاهزة

شارك غرد"جسدك ليس معبداً بل منتزه للتسلية. استمتع بالرحلة". بكل ما أتاحه الجسد له من قدرة على الاستمتاع، والعالم من احتمالات مفتوحة للتجريب والإبهار والانبهار، عاش أنتوني بوردان حياته، حتى قرّر إنهاءها في أحد فنادق باريس وهو يبلغ الـ61 من عمره

شارك غردمن لبنان إلى فلسطين المحتلة وإيران... بعض القضايا التي استخدم فيها بوردان الطعام كأداة للإضاءة على مشاكل الظلم والسياسة والحروب

وفي كتابه ذاك عاد إلى تجربته في استخدام المخدرات وتعاطيها ومن ضمنها الكوكايين والهيروين والـ"ال أس دي".

بعد الكتاب، تحوّل بوردان من شيف بارع إلى شيف وكاتب ثم إلى شيف ورحّالة. أول برامجه التلفزيونية كان "جولة طاهٍ في شبكات الطعام" الذي بدأه في عام 2002، وبعد ثلاث سنوات أعد لحساب قناة "ترافل" التلفزيونية برنامج "من دون حجز: حول العالم بمعدة خاوية" الذي حاز على جائزتين من جوائز أيمي للبرامج التلفزيونية.

وفي العام 2013، انتقل للعمل مع شبكة "سي أن أن" في برنامج سفر جديد حمل عنوان "أماكن غير معروفة"، المستمر في موسمه الحادي عشر، والذي كان بوردان يصوّر إحدى حلقاته في باريس حين وجده زميله منتحراً.

أما كيف بدأ بالكتابة؟ روى بوردان أن الفضل يعود إلى رفيقه في السكن الجامعي الذي عرض عليه رحلة مجانية إلى كوزوميل في المكسيك، ووعده بأن يكتب كتباً بعد عودته من السفر. وبعد أقل من ستة أشهر من هذه الرحلة، أي في عام 1993، كتب روايته الأولى "عظم في الحنجرة"، بينما كان يعمل طاهياً في مدينة نيويورك.

رحلة طويلة مع الطبخ عاشها بوردان كـ"قصة حب مستمرة" (كما يصف هو هذا العالم)، وكان يكنّ فيها تقديراً خاصة لمن يعرف إعداد "الأومليت" قائلاً "علينا أن نتقن إعداد الأومليت بموازاة إتقاننا ممارسة الجنس". أما النوع الآخر من الحب فعاشه مع زوجته الأولى التي كانت زميلته في المدرسة الثانوية نانسي بوتكوسكي، التي انفصل عنها بعد عشرين عاما.

وبعد مرور عامين تزوج أوتافيا بوسيا، وله منها ابنة ولدت في عام 2007، ثم تطلقا في عام 2016 حيث ألقى باللوم على سفره المستمر للعمل في التسبب في هذا الطلاق، علماً أنه كان يسافر أكثر من 260 يوماً في السنة.  

وفي العام الماضي، ارتبط بوردان بعلاقة عاطفية مع الممثلة والمخرجة الإيطالية آسيا أرجينتو، التي قال عنها إنه "أخيراً وجد توأم روحه"، وكانت تعمل معه في برنامجه الأخير. ومع أرجنتو، تحوّل إلى أبرز المدافعين عن حركة "مي تو" النسائية بعدما اتهمت الممثلة الإيطالية المنتج الهوليودي السابق هارفي واينستين باغتصابها.

من غزة إلى إيران ولبنان… أكثر من حرب

"كان لبوردان تأثير خاص في الشرق الأوسط - لقد أنجز تقارير لا تُنسى عن إيران ولبنان وفلسطين. وقد نعاه كثر في الشرق الأوسط لافتين إلى قدرته على رواية القصص التي تذهب بعيداً عن الصورة السطحيّة التي كرستها التقارير الإخبارية". كان هذا ما كتبته "سي أن أن" عن صاحب البرنامج الشهير لديها، مشيرة إلى عودة بوردان مراراً إلى الشرق الأوسط، بينما تركت بيروت الأثر الأكبر في نفسه حتى أنه فكّر أن يسمي ابنته باسمها.

إيران التي تراها من الداخل، بمجرد أن تسير في شوارع طهران، بمجرد أن تقابل الإيرانيين، هي مكان مختلف جداً عن إيران التي نعرفها من الأخبار
 

لقد وقع بوردان في حب بيروت حين كان يصوّر هناك برنامجه السابق "من دون حجز" في عام 2006. بعد أقل من 24 ساعة على وصول فريقه إلى هناك، بدأت إسرائيل الحرب على لبنان، وقد تمّ إجلاء الفريق إلى قبرص.

في برنامجه التالي، عاد بوردان إلى بيروت عام 2015، وفي ملاحظاته استذكر رحلته الأولى قائلاً "في يوم كنت أتحدث عن الطعام والشراب، وفي اليوم التالي كنت أشاهد من شباك غرفتي المطار الذي وصلت منه يُقصف… لقد خرجت من تجربتي البيروتية المربكة والمرهقة بقناعة أن عليّ تغيير طريقة عملي في التلفزيون… لقد رأيت الحقائق مختلفة عما تبدو عليه في طبقي، وتجاهلها بدا لي وحشياً".

 

أحبّ بوردان بيروت رغم كل ذلك، وقال إنها من الأماكن التي عندما تحط فيها تدرك أنك سوف تحبها، أما زميله حينها فتحدث عن احتضان الناس هناك له لأنه "صادق وعفوي وصريح… وقادر على تصوير الأماكن بطريقة تجعلك مرتبطاً بها".

وعن إيران التي زارها في عام 2014 ، قال إنه عاد مع صورة مربكة للبلاد ، حيث أن ما اختبره هناك كان على خلاف مع ما فهمه عن البلاد من الرؤية التي تصورها الحكومة الأمريكية.

كتب: "ما رأيناه، ما رجعنا به من هناك، هو قصة مربكة للغاية. لأن إيران التي تراها من الداخل، بمجرد أن تسير في شوارع طهران، بمجرد أن تقابل الإيرانيين، هي مكان مختلف جداً عن إيران التي نعرفها من الأخبار، لم أجد في أي مكان آخر انفصالاً شديداً بين ما يراه المرء ويشعر به من الناس وما يراه المرء ويسمعه من الحكومة كما وجدت في إيران".

وأضاف "في طهران ، على الرغم من حقيقة أنك تقف أمام جدارية ضخمة كُتب عليها (الموت لأمريكا!)، وجدنا أنه عادة ما يتم التعامل معك بشكل أفضل -بمعنى الابتسامات، عروض المساعدة ، المحاولات الجاهدة للتكلم باللغة الإنجليزية، التحيات والتعبير عن الإرادة الحسنة- من أي مكان في أوروبا".

أما فلسطين فقد حظيت بالحصة الأكبر من جهود بوردان لكسر الصورة النمطية عن شعب تعرّض لعقود طويلة من الاضطهاد والشيطنة.

كانت رحلة بوردان إلى فلسطين الأكثر إثارة للجدل، وكان يعرف ذلك إذ بدأ حلقته عنها بالقول "سيقولون في نهاية تلك الحلقة إنني متعاطف مع الإرهابيين، يهودي كاره لنفسه، مستشرق، فاشي…".

حين تسلمه لجائزة مجلس الشؤون العامة الإسلامي في عام 2014 عن تغطيته هناك، قال بوردان إن العالم شهد الكثير على ما تعرّض له الشعب الفلسطيني، وأسوأ الأمور كان حرمانه من إنسانيته. في حلقته عن فلسطين، أظهر بوردان الشعب الفلسطيني كبشر عاديين يستمتعون بالطبخ والطعام واللعب وليس مجرّد أدوات في الصراع.

الرحيل... بسيارة جميلة 

كانت هذه القضايا جزءاً يسيراً من القضايا التي استخدم فيها بوردان الطعام كأداة للإضاءة على قضايا أساسية، كالهجرة حين ذكّر بأن عالم المطابخ قائم على تلك الهجرة، قائلاً إن ترامب الذي يهدّد أنه ينوي ترحيل 11 مليون لاجئ يهدّد كذلك جميع مطابخ أمريكا بالإقفال. كما تحدث عن الاستفزاز الذي يسببه له هدر الطعام الذي يصل إلى نسبة 30 في المئة في أمريكا وحدها.

قال بوردان مرة إنه "كان يمكن أن يموت في العشرينات من عمره، ووصل إلى النجاح في الأربعينات، وأصبح أباً في الخمسينات"، ووصف ذلك كمن سرق سيارة - سيارة جميلة جداً - وهو يقودها بقي ينظر طيلة الوقت في المرآة منتظراً أن تظهر أضواء سيارات الشرطة التي تلاحقه.

هكذا كانت حياته، سيارة جميلة يقودها وكل من يراها يتمنى أن يكون بداخلها. قادها بوردان بمتعة وجنون أدهشا كل من حوله، حتى قرّر الاستسلام دون أن يفهم أحد لماذا. ربما قرّر، فحسب، الذهاب إلى مغامرة جديدة في "أماكن غير معروفة" حقاً.

هيفاء زعيتر

صحافية لبنانية. عملت في صحيفة السفير، ثم مراسلة لقناة الجديد اللبنانية، وقناة فرانس24 الناطقة باللغة العربية.

التعليقات

المقال التالي