نساء الطبقات الراقية في مصر قبل الغزو الوهابي في دراما رمضان

نساء الطبقات الراقية في مصر قبل الغزو الوهابي في دراما رمضان

تضمنت مائدة رمضان الدرامية لهذا العام بعض المسلسلات التي تعرضت لنساء من  منتصف القرن العشرين حتى أواخر السبعينات ومن طبقات اجتماعية أكثر رفاهية.

ليالي أوجيني: نساء يجابهن الحزن ويحتفين بالجمال على طريقتهن

حالة من الحزن الناعم الأنيق تغلف أحداث وشخصيات مسلسل "ليالي أوجيني" الذي اكتسب اسمه من تياترو أوجينى بمدينة بورسعيد حيث يغوص المسلسل في تفاصيل الحياة الاجتماعية لمجموعة من المعارف والأصدقاء الذين يعيشون في بورسعيد في أربعينات وخمسينات القرن العشرين. وهو مُقتبس من عمل إسباني ويرجع أصل الاسم إلى إمبراطورة فرنسا أوجيني دي مونيتو كوتيسه.

تلقي الأحداث بظلالها في البداية على حياة "كريمة" التي تعيش في القاهرة مع زوجها وابنتها الوحيدة ليلى، نعرف منذ المشاهد الأولى أن كريمة تعاني من اغتصاب وعنف زوجي تحاول تلاشيه بالإذعان تارة وبالتهرب تارة، حتى يدعوها زوجها لسهرة على غير العادة بمدينة بورسعيد وتظهر جلية ميول زوجها المريض بالشك حد السادية.

حتى إذا ما همّا بالعودة للقاهرة في اليوم التالي تفاجأ بأن زوجها قرر أن يعاقبها على امتناعها عنه بأن أرسل الطفلة مع عمتها للعيش في فرنسا بعيداً عن أمها أثناء فترة تغيبهم عن المنزل.

هكذا تجتهد كريمة في الخضوع والإذلال والتوسل كي يغفر لها أي شيء في مقابل عودة ابنتها، لكنه يجيبها بالركلات والشتائم والوعيد فلا تجد أمامها غير الدفاع عن نفسها فتقتله دون قصد بالضرب بألة حديدية على رأسه وتتركه عائدةً إلى بورسعيد حيث تبدأ الأحداث.

أقوال جاهزة

شارك غردبرعت أسماء أبو اليزيد في اتقان وتقديم الدور بكل تفصيلاته بدءاً من مخارج ألفاظها وحركات جسدها حتى إيماءات وجهها الأسمر الملهم، فتشعر أنها بالفعل خرجت لتوها من فيلم خمسيناتي بالأبيض والأسود.

شارك غردنجد أن كل امرأة بالمسلسل تحتفي بحزنها على طريقتها الخاصة ولا تغفل عيش يومها والإحساس بجماله دون الإخلال برسالتها الاجتماعية.

تتلقف كريمة من هول التعب أيدي "جليلة" وحبيبها "أمين" حيث تفقد كريمة وعيها، ونتعرف على جليلة المطربة الصاعدة في تياترو أوجيني والتي تركت أهلها لتحقق حلمها في الغناء بعد أن خيروها بين الغناء وبينهم . ومن خلالها يمكن أن نرى الحياة داخل التياترو وتلفت نظرنا جليلة و"لولا" الراقصة بالتياترو نفسه فكرة مغايرة عن الكليشيهيات التي اعتدناها في من يعملون في هذا المجال تلك الفترة.

ويمكن القول إن أسماء أبو اليزيد التي قدمت دور جليلة برعت في اتقان وتقديم الدور بكل تفصيلاته بدءاً من مخارج ألفاظها وحركات جسدها حتى إيماءات وجهها الأسمر الملهم، فتشعر أنها بالفعل خرجت لتوها من فيلم خمسيناتي بالأبيض والأسود.

رغم بطء الأحداث، نشاهد عبر تكوينات الصورة وجمالياتها البالغة العذوبة مدى حرص المخرج على إبراز الجمال الذي يكتنف كل مشهد سواء في الديكور المعبر بجدارة عن هذه الفترة أو الملابس والاكسسوارات التي توحي بمدى اهتمام سيدات هذا المجتمع بجمالهن حتى أنك تشتم رائحة الخشب الذي كسا أرضيات بعض المنازل والتحف والساعات الضخمة.

درجة عالية واستثنائية من حساسية الألفاظ المستخدمة في السيناريو تتلبسها روح هذه الفترة فنجد كلمات انقرضت وبطل استخدامها كانت تضفي المزيد من الرقة والألق والرقي عند استخدامها مثل " بدي أعرف- دياولو – لا مؤاخذة – القصد " وغيرها.

سنجد أن كل امرأة بالمسلسل تحتفي بحزنها على طريقتها الخاصة ولا تغفل عيش يومها والإحساس بجماله دون الإخلال برسالتها الاجتماعية، فنرى صوفيا تلك السيدة الايطالية التي تزوجت وعاشت في مصر إبان الحرب العالمية الثانية وتوفى زوجها حيث كانا يعيشان معاً في الإسكندرية فتعود لبورسعيد وتنتظر عودة ابنها من ايطاليا بشغف بعدما احتجزته قوات الحلفاء وبينما هي تقاوم أحزانها بالطبخ نجد مطعمها الذي يعج حركة وأناقة من كل مريدينه.

وبمجرد مشاهدتك لمطعم صوفيا يمكنك أن تشم رائحة مخبوزاتها الايطالية وتعجب بأناقتها وفساتينها ذات الالوان المبهجة ونشاطها ودأبها الواضحين كما يمكنك التعرف على الموضة في هذه الفترة للرجال والنساء وتشعر بمدى حرص الجميع على البساطة والرقي حتى في طريقة تناول الطعام.

المسلسل من إخراج هاني خليفة وقام بكتابة السيناريو إنجي القاسم وسماء عبد الخالق، ومن بطولة كل من أمينة خليل وظافر العابدين واللبنانية كارمن بصيبص وإنجي المقدم، انتصار، أسماء أبو اليزيد، ليلى عز العزب وخالد كمال.

اختفاء: نموذج لحياة امرأة أرمنية عاشقة للفن والجمال والموسيقى

إلى عوالم تزخر بالإثارة يأخذنا مسلسل "اختفاء" حيث تدور أحداثه حول بورتريه واحد لسيدتين عاشتا في زمنين مختلفين ومتشابهين لدرجة كبيرة.

تكشف لنا الأحداث عن شغف الصحفي "شريف عفيفي" باقتناء اللوحات والتحف الأصلية حتى يقتاده شغفه لبورتريه لسيدة تتطابق ملامحها مع ملامح زوجته "فريدة المنشاوي"، فيقرر أن يشتري البورتريه ويهديه لزوجته ومع البحث يتضح أن لهذه اللوحة قصة غامضة تكشف عن حادثة قتل مر عليها خمسون عاماً.

فيقرر "شريف" الكتابة عن القصة الحقيقية بعد البحث والتحري عنها في شكل رواية تكشف عن الجاني الحقيقي الذي ما يزال حياً يرزق، فيختفى في ظروف غامضة وتعود زوجته الدكتورة الجامعية من بعثتها في موسكو لتبدأ رحلة فك اللغو والبحث عن زوجها.

"نسيمة سوفاليان" هي صاحبة الصورة الأصلية أرمنية تعيش في مصر بمفردها بعد أن توفى والدها وهاجر كل افراد أسرتها إلى كندا. فهي عشرينية جميلة جامحة تعشق الفنون وتقدر المواهب بأنواعها، حتى تلتقي بحب عمرها "نادر الرفاعي" ذلك الرسام الموهوب الذي تقرر الزواج منه ومساندته حتى يعرف العالم موهبته، إلى أن يظهر "رشدي" رجل المخابرات الذي أراد التقرب منها وتوعدها بالانتقام إذا رفضت.

يقرر "رشدي" أن ينتقم منها فيعيّن لها "أحمد موافي" أحد رجاله في المخابرات ليتجسس عليها ويدمر حياتها ويمنحه اسم "سليمان عبدالدايم" رجل الأعمال الذي وقع هو الآخر بحبها. نعرف من خلال الأحداث أنه يدور في فترة الستينات وأوائل السبعينات حيث انتهاء النكسة ومحاولات النظام الناصري إعادة السيطرة على الأمور بطرق أكثر عنفاً ودموية.

نرى "نسيمة" التي من خلالها تعرفنا على ملابس النساء على الشواطئ وفي الحفلات وحتى ملابس المنزل الأنيقة، تلك المرأة التي تقدس الرقص وتقيم حفلات وسهرات بمنزلها للأصدقاء لعرض المواهب الجديدة وممارسة الرقص وتجديد العلاقات وكان هذا متعارفاً عليه في هذه الفترة وما قبلها.

وعبّر طاقم العمل المكون من نيللي كريم، هشام سليم، محمد ممدوح، وعدد من الفنانين، بالإضافة إلى أيمن مدحت مؤلفاً، أحمد مدحت مخرجاً، في المسلسل عن تلك الفترة ومدى وعي الفنانين والمثقفين بالتغيرات السياسية والمجتمعية. وسنلاحظ مدى اهتمام المرأة بالأزياء وقصات الشعر والموضة والحياة الاجتماعية التي قد يفسرها البعض بأنها حياة متسيبة جامحة، لكنها في حقيقة الأمر تعبر عن حياة طبقة محددة من الأجنبيات الثريات في مصر.

كاتبة صحافية وقاصة ومحاضرة في قضايا النوع الاجتماعي. باحثة في الحضارات وحاصلة على عدد من الجوائز والمنح في كتابة القصة القصيرة منها جائزة ساويرس الأدبية، ومنحة الصندوق العربي للثقافة والفنون، ولها عدد من الكتب المطبوعة والمنشورة داخل مصر.

التعليقات

المقال التالي