هل يستحقّ كبت رغباتنا على الأرض مكاناً في الجنة؟

هل يستحقّ كبت رغباتنا على الأرض مكاناً في الجنة؟

"أنا لسه ما عشتش حياتي.. مش عايزة أموت دلوقتي.. عايزة أموت وأنا راضية عن نفسي ". كلمات باحت لي بها امرأة في متوسط العمر على ارتفاع يتخطى الثلاثين ألف قدم وهي تجلس إلى جانبي على متن طائرة تقلّنا من القاهرة إلى بيروت.

في يدها مصحف وعلى وجهها علامات القلق. تردّد دعاء السفر ومعه آيات قرآنية لعلّها تخفف من خوفها. في مستهل الصلاة نظرت إليّ وأنا أحاول النوم وقالت: "إنت ازاي قادرة تنامي؟ إنت مش خايفة؟"

قلت لها بنبرة ممازحة " هخاف من إيه؟"

فردّت بعينين يملؤهما الخوف " من الموت! "

كلماتها تلك سرقت النوم مني خصوصاً أنني في الفترة الأخيرة بدأت أسمع الكثيرين يعبّرون أنهم غير راضين عن أنفسهم أو عن شكل الحياة التي يعيشون. ورحت أفكر إن كانت للحياة فترة صلاحية محددة وإن كان الموت أمراً محتّماً إلى متى ننتظر حتى نعيش ونكون سعداء راضين عن أنفسنا؟

ما هي مقاييس الرضا عن النفس ومن يحددها في الأساس؟

بيننا وبين الرضا عن النفس جدار: الذنب

تشعر تلك المرأة بالخوف من أن تفارق الحياة قبل أن تعيشها. وتشعر أيضاً بالذنب لأنها غير راضية عن نفسها وكأنها لم تتعامل مع الوقت والأيام بالشكل الذي تعتبره صحيحاً ويولّد السعادة. ليس الخوف من الموت مجرد خوف طبيعي إنساني. فهو يزداد حين يكون الشخص غير راضٍ عن نفسه لاعتباره أنه أخفق في التعامل الصحيح مع تلك النعمة.

via GIPHY

ويتفاقم ذلك الشعور حين يكون الشخص فاقداً للسيطرة أو في موضع غير آمن، أثناء حادث مرضي أو سفر أو ما شابه من ظروف يمكن أن تعرّضه لخطر الموت. فيرجع الشخص إلى الله ليستمد القوة من جهة بفعل الإيمان أنه قادر على كل شيء، ومن جهة أخرى طالباً الغفران معتبراً أنه إن بقي حيّاً وانتصر على الشدائد فسيسعى كل حياته للتقرب من الله أكثر.

أقوال جاهزة

شارك غردأفكارنا هي وحدها مصدر شعورنا بالذنب وعدم الرضا وليست الظروف المحيطة بنا.

شارك غردالرضا عن النفس لا يتحقق إذا استمر الشخص في بناء حكمه الذاتي على معتقدات أخرى سواء كانت دينية، أو اجتماعية أو حتى عائلية.

التقرب من الله بنظر معظم الناس يعني ممارسة الشعائر الدينية كالصلاة والصوم والحج، الابتعاد عن عالم اللذّات، إسكات صوت اللاوعي وتغليب لغة الطاعة. ليرضى الشخص عن نفسه بالمفهوم الديني عليه إذاً جعل نفسه في خدمة الله فينال رضاه ومعه الجنة.

"استقيمي أيتها النفس عسى أن يكون الرحيل قريباً." في ذلك القول دعوتان. الأولى هي "الاستقامة" أي العيش بحسب المبادئ والأفعال المحددة سلفاً في الدين. والثانية دعوة إلى ملاقاة الخالق لكن ليس قبل أن يصبح الشخص في حال من الجهوزية النفسية أي الرضا عن النفس.

via GIPHY

نمط تفكير يغزو المجتمعات الدينية ظاهره حماية الشخص من الوقوع في الذنوب والمعاصي لكن لواقعه نتيجة مغايرة هي إغراقه في الشعور بالذنب أكثر فأكثر. تعتبر المستشارة النفسية البريطانية جاكي أريانز أن أفكارنا هي وحدها مصدر شعورنا بالذنب وعدم الرضا وليست الظروف المحيطة بنا.

فهي مهما حاولت التأثير فينا وفرض شكل حياتنا باجتياح تقكيرنا وتغييره، يبقى لنا الخيار في قبول تلك الأفكار والمشاعر الناتجة عنها كما في رفضها وخلق أفكار تناسب شخصيتنا ونمط حياتنا بعيداً عن كل ما هو مفروض. يعتبر الباحثون في علم النفس أن الفكرة تولّد الشعور. فإن كانت الفكرة إيجابية كان الشعور بالرضا والاكتفاء. وإن كانت الفكرة سلبية أتى الشعور سلبياً فيه شيئ من الغضب والذنب.

via GIPHY

لنأخذ المرأة مثالاً. هي تعتبر أن الحياة التي تعيشها لا تنعم عليها بالرضا عن النفس. وجودها في موقع خطر – الطائرة – جعلها تشعر بالخوف والذنب فلجأت إلى الصلاة لعلّها تشعر ببعض من الأمان الذي تفتقده. أفكارها إذاً جعلت من حكمها على سلوكها سلبياً وبالتالي يأتي الشعور بالذنب، شعوراً أشبه بالعقاب الذاتي على خيارات شخصية.

شعور الذنب المدمّر يغرق صاحبه في دوامة لا يخرج منها إلا إلى المزيد من الذنب والمزيد من عدم الرضا عن النفس. وبسبب النظرة السلبية عن ذاته بأنه فاشل في اتخاذ القرارات المناسبة يصبح الشخص فاقداً للأمل في التغيير إلى ما يراه أفضل ويرضيه أكثر. عجز يجعله مكبّلاً مستسلماً لمنطق القدرية والعقاب. الصراع إذاً بين المبادئ والأفكار المنزلة الجامدة وبين أفكار الشخص المميزة والمختلفة التي لا تشبه أحداً ولا تشملها قواعد الثواب والعقاب.

ماذا يفعل الشخص إذاً؟ هل يسكت لذّاته ورغباته لتفادي الذنب فيعيش حياة الحرمان والكبت في عالم ملآن بالمغريات والخيارات أم يتقبّل صفة الإنسان فيه، ذلك الكائن المجبل بالرغبات المتّسم بصفة الحرية على اختيار الطريق الذي يراه مناسباً له دون خوف أو ذنب؟

ماذا لو كانت ذاتنا مرجعنا؟

الرضا عن النفس لا يتحقق إذا استمر الشخص في بناء حكمه الذاتي على معتقدات أخرى سواء كانت دينية، أو اجتماعية أو حتى عائلية. لأنه كلما تخطى تلك المعتقدات شعر بالذنب وتدمّرت صورته الذاتية ليصبح ضحية تصرفات وأفكار لم يخترها. إن شعر الشخص بالرضا عن نفسه حقق توازناً نفسياً أكبر وأصبح قائداً قادراً على التبصر في سلوكه وخياراته بهدف الاستمتاع بحياته والعيش بسلام وتصالح أكبر مع الذات.

via GIPHY

لكن كيف السبيل لتحقيق ذلك إن كان إرضاء النفس البشرية ليست هدفاً بحد ذاته؟

تقول الباحثة والراوية بريني براون: "عندما نتخلص من تأثير أفكار الآخرين ونصبح نحن أبطال قصتنا، ننال مفاتيح الدخول إلى عمق قيمتنا الذاتية. عندما نعيش حياتنا بإسكات رغباتنا وكل ما يميّزنا، نصبح خارج قصتنا فنعيش كل حياتنا بالتمثيل ومحاولة إثبات جدارتنا وإرضاء الآخرين."

معلوم أننا مهما حاولنا وفعلنا لن نستطيع إرضاء المجتمع ولا حتى الخالق. فنحن لا نعيش في عالم مثالي بل في عالم مليء بالضغوط التي علينا التمايل معها وتخطيها وتحقيق ذاتنا في الوقت نفسه. ماذا لو مسكنا بزمام حياتنا وكنا نحن القادة؟ حينها ربما ستنبع قراراتنا من مسؤولية لا من خوف.

من خيار حرّ لا من أجل نيل مكان في الجنة. فالحاضر هو كل ما نملك وما هو من صلاحياتنا. وإلا فسنعيش في حال من التململ من واقعنا وخوف من أن تنتهي حياتنا قبل أن تبدأ.

ستيفاني غانم

أخصائية في علم النفس العيادي والتحليل النفسي. تقدم فقرة أسبوعية ضمن برنامج “ببيروت” على قناة LBCI الفضائية.

التعليقات

المقال التالي