تطفيش المعلمات: السعودية نموذجاً

تطفيش المعلمات: السعودية نموذجاً

"أمامكم دقيقتين فقط لمقابلة الوزير"، هكذا كان رد مدير مكتب وزير التعليم السعودي على مجموعة من المعلمات اللواتي قدمن من المنطقة الشرقية للعاصمة الرياض (380 كلم)، لمناقشة الوزير الدكتور أحمد العيسى في ضعف حركة النقل الخارجي، والتي أعلنت قبل نحو أسبوعين، ولم تشمل إلا أقل من 20% من المتقدمين لها، هذه كانت الصدمة الأولى.

الصدمة الثانية كانت في رد الوزير السلبي عليهن، فبعد انتظار لأكثر من ساعة وربع الساعة في مكتب الوزير، وهنّ كنّ قادمات من سفر طويل في نهار رمضاني الحار، تقول إحدى المعلمات:"انا اعلم، ولسنا مجبورين على نقلكم واذا ما تريدو الوظيفة اتركوها لغيركم. انتهى الوقت".

هذه ليست المرة الأولى التي يستفز فيها وزير التعليم السعودي العاملين في قطاع التعليم، الوزير الذي تم تعيينه في منصبه بأمر ملكي في الثاني عشر من ديسمبر 2015، اشتهر بتصريحاته التي تنتقد المعلمين، وتحبطهم، وفي قراراته التي تزيد من أعبائهم، ولا تنصفهم، ولم تهدأ عاصفه تصريحات التي أطلقها قبل نحو شهرين، وفيها اعتبر أن إجازة الصيف الطويلة ليست من حقوق المعلم، كما لا يزال صدى وصفه للمعلمين بأنهم شكاؤون بكاؤون الذي أطلقه قبل نحو عام يتردد، وتتزايد التصريحات والقرارات التي يعتبرها المعلمون، والمعلمات حرباً معلنة ضدهم، تسببت في تطفيش الكثير منهم، خاصة في قطاع المعلمات اللاتي يعانين أكثر من التغرب عن بيوتهن. في الأعوام الثلاثة الماضية، تقدم نحو 57 ألف معلمة بطلب التقاعد، وبحسب مصادر لرصيف22 في الوزارة فليس هنالك خطط لإحلال معلمات جديدات بهذا القدر.

تقاعد مبكر

"هي خطة للتطفيش"، هكذا تعتقد المعلمة نورة التي طلبت عدم ذكر اسمها الكامل خوفاً من المساءلة، وتضيف لرصيف22 :"ليست المرة الأولى التي يكون موقف الوزير فيها سلبياً ضد العاملين في قطاع التعليم، وخاصة المعلمات، فمن التصريحات المستفزة، والقرارات الارتجالية، باتت هناك ضغوط كبيرة على المعلمات، لدرجة أن كثيرات، وأنا واحدة منهن أخطط للتقاعد المبكر، متى ما سنحت لي الفرصة، لم يعد لنا حتى قيمة داخل الفصل".

أقوال جاهزة

شارك غرد"لسنوات طويلة، ظل أكثر من 117 ألف معلم ومعلمة يشتكون من تعيينهم لنحو ثماني سنوات على درجة أقل من التي يستحقونها، وبراتب أقل، ولم تحل قضيتهم"

شارك غرد" هي لست المرة الأولى التي يستفز فيها وزير التعليم السعودي معلميه، وهو اشتهر بتصريحاته التي تنتقد المعلمين، وتحبطهم"

ما الذي يدفع معلمة أن تتنازل عن 40٪ من مرتبها الشهري بإرادتها؟ تجيب فوزية محسن :"البحث عن الراحة، العمل في قطاع التعليم بات مرهقاً، فساعات العمل باتت أطول وتمتد لأكثر من سبع ساعات، ونسبة الحصص مرتفعة مقارنة بالدول الأخرى، فالمعلمة تدخل خمس حصص يومياً، عدا حصص النشاط التي تمتد لساعة كاملة يومياً، وحصص الانتظار، دون أن تكون هناك بيئة عمل مناسبة، وباتت المعلمة مطالبة بأمور كثيرة لا علاقة لها بالتعليم، وعليها أن تعمل في منزلها لعدة ساعات للتجهيز للحصص، لأن لا وقت لفعل ذلك في المدرسة، وللأسف فوق هذا كله، هناك نظرة اتهام بالتقصير تطالها من الوزير الذي يرى أن المعلم لا يستحق راتبه ولا حتى إجازة الصيف"، وتضيف متسائلة :"عن أي جو عمل نتحدث؟ بات المعلم والمعلمة الحلقة الأضعف في العملية التربوية، وغالبية القرارات تحاول أن تزيد من معاناته، دون النظر للمشاكل الذي كان يعاني منها، وخاصة حقوق الكثيرين المهدورة وفق بند 105".

لسنوات طويلة، بقي أكثر من 117 ألف معلم ومعلمة يشتكون من تعيينهم لنحو ثماني سنوات على درجة أقل من التي يستحقونها، وبراتب أقل كثيراً عن الذي يستحقونه، ومع أن عدة قرارات صدرت بشأن تصحيح أوضاعهم، آخرها قرار من مجلس الشورى في ديسمبر 2017، إلا أن وزارة التعليم رفضت تنفيذها، ولا تقتصر الحقوق المهدورة على الجوانب المالية، فالسنوات التي عملوا فيها لم تحتسب ضمن سنوات خدمتهن، تقول فوزية :"لم نجد أن الوزارة تعمل على حل هذه المشكلة، ولكنها بدأت في أسلوب تطفيش المعلمات، الوزير أكد أكثر من مرة أن من أهدافه تقليص عدد المعلمين والمعلمات، فهل هذه هي طريقتهم في تحقيق ذلك؟"، وتتابع :"نقص المعلمين أجبرهم على تدريس مواد في غير تخصصهم، خاصة بعد فتح باب التقاعد المبكر هذا العام، وصل الأمر إلى غض الطرف عن مستوى الطلاب والطالبات بسبب هذا العجز".

اغتراب يومي

بعيداً عن الضغوط العملية، وطول ساعات العمل، وعدم التقدير، تواجه أكثر من 62 ألف معلمة أخطاراً حقيقة بشكل يومي، إذ يضطررن للسفر يومياً مسافات قد تصل لنحو 200 كيلومتر، على طرق وعرة، بعضها في قمم الجبال، ومع سائقين غير مهرة، للوصول لمدارسهن.

كما تبيّن دراسة أجرتها شركة متخصصة أن متوسط المسافة التي تقطعها المعلمات المغتربات للوصول لمدارسهم 70 كلم.

تكشف المعلمة ماجدة السعد، أنها تقطع يومياً مسافة 110 كيلومترات، وعلى طرق صحراوية وعرة للوصول لمدرستها في قرية أم الرجوم القريبة من مدينة المجمعة، ومنذ ست سنوات وهي تحاول أن تحصل على نقل لداخل مدينتها، ولكن دون جدوى، تقول لرصيف 22 :"هناك معاناة أكبر من التضييق والتطفيش، هي خطر الطرق الوعرة التي نضطر لقطعها يومياً، ويبدو أن الوزارة لا تعي حقيقة الأمر، ففي كل عام تقل نسبة النقل الخارجي، وكثيرات يفكرن في ترك العمل، لأنهن لم يعدن قادرات على التحمل"، وتضيف بتفصيل أكبر :"لكي أصل لمدرستي عند الساعة السادسة والنصف، علي أن أنهض من النوم في الرابعة والنصف، وربما قبلها، وأقطع قرابة الساعة والنصف في طريق صحراوية وعرة، ولا أعود لبيتي إلا عند الساعة الرابعة، أي أقضي نصف يومي في العمل، ورغم كل ذلك يأتي من يقول إننا شكاؤون بكاؤون لا نعمل".

بقيت مشكلة الاغتراب معضلة كبيرة تواجه التعليم السعودية، البداية كانت خطأ بالتعيين العشوائي، وفي مناطق بعيدة عن سكن المعلم، وكبرت كرة الثلج لدرجة أن علاجها يحتاج لسنوات طويلة.

انتقادات واسعة

على موقع تويتر، تواصلت الانتقادات الحادة تجاه الوزير، مستغربةً تعامله مع المعلمات المغتربات، ومسترجعةً الكثير من التصريحات السابقة، والتي كانت تحبط المعلمين، ودشن ناشطون وسم #العيسي_للمعلمات_اتركن_الوظيفه ظهر في أكثر من 132 ألف تغريدة خلال الساعات الأولى من إطلاقه، وفيه أكد تركي الشبانات على أن الوزير العيسى يحتاج إلى دورة في التعامل إن صح الخبر، وكتب :"أعتقد أن من يحتاج لدورات مكثفة في الصيف هو الوزير، دورة في فنون القيادة، فن التواصل مع الآخر، فن الحوار والمناقشة ، ولا ننسى دورة في الإملاء"، في إشاره منه إلى رسالة تداولها المغردون قبل عامين كتبها الوزير بخط يده، وأحتوت على الكثير من الأغلاط الإملائية.

وكتب محمد الشمري :"بما أن الوزير تضجر من موضوع نقل المعلمات، هذا يدل دلالة واضحة انه ليس لديه حل، لذلك من الأفضل له يقدم استقالته لأنه غير قادر على حل مشاكل الوزارة ويعطي الفرصة لغيره يكون قادر على التغير والتطوير"، وأضاف في تغريده أخرى :"مشكلة الوزراء عندنا انهم يقالون ولا يستقيلون عشان كذا مستحيل العيسى يترك الكرسي إلا إذا تم إقالته  من الوزاره وانا اشوفها صارت قريبه جداً".

وكتبت شما الشمري :"نعم هن مو [غير] مجبورات لكن مو مجبورات يتغربن فوق جبال صبيا وفيفا وبين تراب الربع الخالي والشمال اجبرتهن فقط الظروف لم نولد وبارصدتنا ملايين ولم نولد والبيت او ارض باسمنا لم نولد ومستقبلنا واضح ومضمون علشان كذا انجبرنا على هالغربة".

وكتبت الغند الشلوي :"لقاء العيسى بالمعلمات دقيقتان فقط…فقط…فقط، وتضجر ورد بإسلوب مستفز، بينما الحصة الواحدة 45 دقيقة، ولم تتضجر المعلمة أو المعلم، ومع ذلك أسماهم بالشكاؤون البكاؤون".

وقال الإعلامي خالد مساعد الزهراني :" ... نذكر له أنه كان يطالب بزيادة رواتب المعلمين والمعلمات 100% وهذا يعني دعوته (قبل الوزارة) لاستقطابهم وتحفيزهم فما الذي حدث ليطالبهم (بعد الوزارة) بترك الوظيفة؟".

خالد الشايع

محرر وصحافي سعودي.

كلمات مفتاحية
التعليم السعودية

التعليقات

المقال التالي