تأمّل وحشيش وموسيقى الغيتار بجوار النار... عن سيّاح أُغرِموا بهوامش المغرب

تأمّل وحشيش وموسيقى الغيتار بجوار النار... عن سيّاح أُغرِموا بهوامش المغرب

"دعك من البنايات الاسمنتية وِاجمع حقيبة سفرك نحو الصحاري والجبال". هذا شعار سياح أتوا من بلدان غربية نحو هوامش المغرب ليكتشفوا الحياة ونمط العيش بشكل آخر.

لم تعد تغريهم سياحة المدن الفاخرة والفنادق المخملية، بقدر ما تجذبهم بساطة العيش والأمان وأصالة المكان وصفاؤه الروحي، بعيداً عن وجهات معتادة كمراكش وأغادير وفاس والصويرة، هناك من السياح من يفضل الجنوب الشرقي دون غيره من المناطق، فما الذي يغريهم في هذه المنطقة؟

جرعات من الصفاء

جبال شامخة، صلدة، بنية، تقترب فيما بينها لتشكل مضيقاً جبلياً يعبره نهر لا ينضب ماؤه إلا في أيام الجفاف، إنها مضايق تودغى، تقع على بعد 14 كيلومتراً من مدينة تنغير (جنوب شرق المغرب).

بالنسبة لمرتادي هذا المكان من السياح الأجانب فهم يزورونه بغية الحصول على جرعات من الصفاء الذهني وممارسة اليوغا. نعم هناك من يفضل تسلق الجبال، لكن النظر في الجبال لساعات مديدة وملء الذاكرة السمعية بخرير النهر لـ"هو شيء متفرد" على حد تعبير "فريديرك".


يقول زاد فريديرك (سائح بلجيكي) لرصيف22 : "العمل، الضغوط، الحياة المكررة، الحضارة المدنية التي أخذت إنسانيتنا جعلت منا مجرد ربوتات... في هذا المكان أحسست لأول مرة بأني إنسان، كائن طبيعي يحيا ويتنفس كما كان أجدادنا الأولون يفعلون".

تشكل جبال تودغا التي يصل علوها لحوالي 300 متر لـ"فريديرك" فرصة لا تعوض للاستمتاع بجلسات اليوغا والتأمل.

أقوال جاهزة

شارك غرد"نحن نعيش في عالم قذر ومأسوي، في هذا المكان أنسى كل تلك الترهات التي نعيشها يومياً، هنا أكتشف ذاتي واحتياجاتي وحقيقتي الوجودية"

شارك غرد"لم أشعر يوماً بأن أحداً يتحرش بي مثلما فعل السماسرة في مراكش، ويتعاملون معك دون احترام"

"نحن نعيش في عالم قذر ومأسوي، في هذا المكان أنسى كل تلك الترهات التي نعيشها يومياً، هنا أكتشف ذاتي واحتياجاتي وحقيقتي الوجودية".

بالنسبة لـ "إدوارد" (سائح فلندي) يرى أن الصفاء الذهني يكمن في تدخين الحشيش والاستماع بموسيقى الغيتار بجوار النار وسط كثبان "عرق الشكاكات" في صحراء لمحاميد الغزلان ( 90 كيلومتراً جنوب مدينة زاكورة).

يقول "إدوارد" لرصيف22: "تجربة الحشيش مع موسيقى الغيتار وهدوء الليل وسكونه في الصحراء هي بحد ذاتها حالة من الصفاء الذهني تجعلني أسافر بعيداً وأنسى قليلاً عالمنا الذي قيدنا وجعلنا أسرى الأنماط، في هذا المكان أمارس طقوسي في التأمل والنسيان والوصول لحالة من الانتشاء بشكل أو بآخر".

يختلف الصفاء الذهني والروحي لدى "رضوان"(سائح فرنسي اعتنق الاسلام) عن إدوارد" إذ يرى أن المنطقة تشكل له بحبوحة واسعة للتصوف والتأمل في الطبيعة وهدوئها. يقول: "عشت تجربة الادمان على الحشيش والكحول، وممارسة الجنس لأبعد الحدود، وذقت طعم الانطلاق اللامحدود، لكن رغم ذلك أحسست بالضياع والتيه وبأني متشظٍ".

وأضاف:" بعد دخولي للإسلام، اكتشفت عالماً آخر وطاقة تملأ روحي بشكل غير مسبوق، امتنعت عن عاداتي السابقة، وبدأت أرتاد منطقة لمحاميد بحثاً عن صفاء ذهني وروحي، أجلس وحدي ليلاً، أتأمل النجوم والسماء، أرتل أذكاراً دينية ثم أدخل في حالة استثنائية من الاستماع الداخلي".



الأمن والأمان قبل كل شيء

"الأمن والأمان هما اللذان يدفعانني للمجيء مراراً وتكراراً لهذه المنطقة" تقول سوزان. وتضيف :"لم يسبق أن تعرضت لتحرش بأي شكل من الأشكال، الناس هنا لطفاء ويبدون استعدادهم اللامحدود في ضيافتك بشكل عفوي".

وتتابع: "بخلاف الوجهات السياحية الكبرى واجهت مشاكل معينة وخيبت آمالي، ففي الدار البيضاء مثلاً تعرضت للنصب والسرقة والأمر نفسه في مراكش، والأسوأ تعرضت لمضايقات وتحرشات، وهذا حتماً يجعلني أختار منطقة الجنوب الشرقي على تلك الوجهات المعروفة".

ليست سوزان الوحيدة من خيبت آمالها وجهات سياحية معروفة بالمغرب، فوفق استطلاع "بيزنيس اينسادر" في عام 2014 فإن الدارالبيضاء تعد من بين المدن المخيبة لآمال زوارها حول العالم.

على السائح أن ينزع نظارته الشمسية السوداء ليرى الحياة هنا بواقعيتها

وكان الموقع قد اعتمد في استطلاعه على انطباعات بعض السياح، الذين أكدوا أنهم كانوا ضحية للنصب السياحي، سواء من قبل مرشدين سياحيين مزورين، أو من قبل سائقي سيارات الأجرة، وبائعي المنتوجات التقليدية المغربية.

وقال أحد المعلقين للموقع :"كان يلزمني على الأقل ساعة لأنتقل من مكان إلى مكان في مدينة الدار البيضاء، قضيت عطلتي بين وسائل المواصلات عوض الاستمتاع بالعطلة".

وأبدى سياح آخرون انطباعات سيئة بخصوص مدينة مراكش التي صنفها الموقع ضمن الرتبة 14 كأكثر المدن مخيبة لآمال السياح في العالم، حيث اشتكت عينة من المعلقين من "النصب الذي يقولون إنهم تعرضوا له"، وقال أحد المعلقين عن زيارته لمدينة مراكش: "لم أشعر يوماً بأن أحداً يتحرش بي مثلما فعل السماسرة في مراكش، ويتعاملون معك دون احترام"، قبل أن يردف "لقد أقسمت ألا أعود إلى تلك المدينة".

بحثاً عن الإنسان في انسانيته

يعرف السياح ورزازات على أنها مدينة القصبات وهي في الوقت نفسه هوليوود أفريقيا بحكم وجود أضخم الاستوديوهات السينمائية التي صُوِرَ فيها أشهر وأقوى الأفلام العالمية، صورة مخملية وجميلة عن المدينة تتكرر في أذهانهم، لكن قبل الولوج للمدينة هناك طريق شاق ومنعرجات لا تنتهي ومعاناة تجعل من السفر لهذه المدينة وكمثيلاتها من مدن المنطقة مشواراً من العذاب.



ورزازات كغيرها من المدن والبلدات والقرى التي تنتمي لمنطقة الجنوب الشرقي بالمغرب، تعيش على وقع صعوبات ومشاكل في تنمية المنطقة في البنى التحتية والخدمات والأهم من كل ذلك الانسان الذي ما زال يعاني.

بشكل ما تغيب عن السائح تفاصيل إنسانية صعبة ووضع صعب ترزح تحت ظله هذه المنطقة، فالصورة التي تحضر في ذهنه عادة هي كثبان رملية ذهبية في "مرزوكة" وأخرى في "لمحاميد الغزلان" و"قصبات آيت بن حدو" بمحاذاة الوادي و"تاوريرت" في وسط "ورزازات" وقصور هنا وهناك ونخيل وواحات وديكورات طبيعية للتصوير... هذه نظرة فوقية وسطحية، فماذا عن نظرته العميقة؟ كيف يرى السائح الأماكن بدون نظارته الشمسية السوداء؟

كثيرا ما يُعْجَبُ السياح بمنطقة الجنوب الشرقي رغم معرفة بعضٍ منهم بالمشاكل التي تسجلها من تهميش وفقر وهشاشة اجتماعية وقسوة طبيعة يعتريها جفاف ومناخ جاف صحراوي.

بعضهم يرى أن ما تعيشه بعض التجمعات القروية المعزولة (دواوير) خارج وعاء الزمن هو مغرٍ، فتلك الأماكن تحافظ على أصالتها وتشكل مادة دسمة لفهم نظام العلاقات الإنسانية والأبعاد المتحكمة فيها.

يقول دانيال (سائح فرنسي وباحث في الانثربولوجيا) لرصيف22 إنه يداوم هو وزملاؤه الأوروبيون والمغاربة على زيارة أماكن تعيش قسوة الحياة من عطش وغياب أبسط حاجيات العيش.

وأضاف دانيال : "أزور دواويرا أحياناً بصفتي سائحاً وأحياناً أخرى كباحث في تخصصي العلمي، أرى أناساً محرومين من العيش الرغيد، لكن دوماً يغريني أن أتأمل في نمط حياتهم ونظام علاقاتهم وتماسكهم الاجتماعي وتفاصيل إنسانية تغيب عندنا نحن كأوروبيين".

ورغم ما أبداه دانيال من اعجاب إلا أنه يسجل في الوقت ذاته أسفه واستنكاره لما يراه من صور ومشاهد قد لا يراها السائح الأجنبي بنظرته الفوقية.

يقول دانيال في هذا الصدد: "يؤسفني ما أراه من تهميش ما زال يرزح تحت وطأته هؤلاء السكان، والأسوأ من ذلك يحزنني كثيراً أن أرى نساء يتعرضن للقهر بشكل قاسٍ والأطفال كذلك، وحتى أكون منصفاً الرجل هو كذلك تضيق به الحياة هنا. للأسف السياح تغيب عنهم هذه التفاصيل الانسانية".

وعلى الرغم من واقعية هذه الصورة، يعود دانيال ليسجل ما سماه "صمود ومقاومة السكان لصعوبات العيش والاستمرار من أجل البقاء".

يشاطر "فيليب" (سائح فرنسي وباحث في علم الاجتماع) رأي "دانيال" في أنَّ على السائح أن ينزع نظارته الشمسية السوداء ليرى الحياة هنا بواقعيتها.

"الحياة هنا قاسية، عشت تجربة انسانية لمدة 4 شهور مع أسرة مغربية في منطقة زاكورة، رأيت تفاصيل ممتعة في حميميتها، في الأعراس كما في الجنازات والمناسبات العائلية، الناس هنا ما زالوا متضامنين فيما بينهم بحكم منظومة الجماعة والقبيلة التي تحكمهم"، يقول فيليب لرصيف22.



يرى "فيليب" أن السائح لن يحس بطعم الحياة الحقيقي إلا بمشاركة السكان المحليين نفس التجربة مهما كان مذاقها.

"سيحس السائح الغربي القادم من ثقافة مختلفة جذرياً عن هذه المنطقة بتفاصيل إنسان هذه الأمكنة، لكن بشكل لحظي، أي نعم سيعيش وسيتألم وسيفرح وسيتقاسم مع الساكنة المحليين تفاصيلهم لكن في الأخير لن يصمد طويلاً في التأقلم، لذلك يبقى السائح سائحاً إلا إذا كان مستعدا للتنازل عن هويته وقيمه وقناعاته الشخصية ويذوب في تقاليد ونمط وأنساق هذا المجتمع" يقول فيليب.

في هذه النقطة أبدى رضوان (سائح فرنسي مسلم) استعداده للعيش بشكل دائم في المغرب وخصوصاً في مدينة زاكورة، فهو لم يعد ينظر للأشياء بنظرة السائح بقدر ما يرى نفسه متأقلما بشكل سلس وطبيعي مع نمط حياة المنطقة.

ويقول رضوان في حديثه مع رصيف 22 : "أفكر جدياً في الاستقرار في المغرب، لم أعد أجد لنفسي ولروحي مكاناً في فرنسا، الحياة هناك يعتريها برود وجفاء وموت للمشاعر الإنسانية، ومهما كانت حدة الصعوبات الموجودة هنا إلا أنني وجدت نفسي ووجداني في هذا المكان".

صحفي و كاتب مقالات في الصحف والمواقع العربية كصحيفة رأي اليوم الإلكترونية وألترا صوت والسفير العربي، حاصل على باكالوريوس (ليسانس) صحافة.

كلمات مفتاحية
السفر سياحة

التعليقات

المقال التالي