استكشاف نظرية مثلّث الحب وأنواع العلاقات الـ7

استكشاف نظرية مثلّث الحب وأنواع العلاقات الـ7

بعد كل تجربة عاطفية أمر بها وتنتهي، يمتلىء رأسي بالأسئلة التي لا إجابة عنها. عند أول تجربة سألت أمي وكانت إجابتها مقنعة تماماً. بعدها خرجت من بيتنا ورأيت العالم من نظرة تختلف عن نظرة أمي، كنت أتساءل ما هو الحب؟ لماذا أحب فلاناً بطريقة مختلفة؟ هل هذة العلاقة تسير بشكل جيد؟

أسئلة تشغل رأسي ولم أعرف أين أجد الأجوبة.

في نوفمبر 2017 كان من حسن حظي أنني كنت من المقبولين في الورشة الإقليمية التي أعدها منتدى الجنسانية في مصر، هناك تعلمت أشياء لم أكن أعرفها ولم تتِح لي الفرصة داخل كلية الطب بدراستها أو التطرق لها، كانت المرة الأولى التي أسمع فيها اسم روبرت ستيرنبرغ ونظريته مثلث الحب.

في خمسينيات القرن الماضي ولد روبرت ستيرنبرغ في الولايات المتحدة الأمريكية ودرس علم النفس وكتب العديد من المقالات المتعلقة بأساليب التفكير والابداع، وله نظريتان، واحدة عن الذكاء البشري والثانية عن الحب، أطلق عليها مثلث الحب.

يأخذنا سترنبرغ في نظريته مع ثلاثة مكونات رئيسية يمكن أن ترتكز عليها أي علاقة، وبدونها قد يتعذر الأمر على الشريكين في فهم أحدهما الآخر، يستند هو إلى الحميمية، والعشق، والالتزام.

الحميمية

في صباح يوم مشمس، تقرر السفر لمكان ما وتأخذ القطار، يدور بينك وبين الراكب المجاور لمقعدك حديث صغير، ربما تشاركه في طبيعة عملك أو في الموسيقى التي تفضلها أو في السبب التي تسافر من أجله، إذا كانت مدة رحلتك طويلة فهذا يعني أن ما تشاركه ربما يصبح حميمياً أكثر، قد يدعو أحدكم الآخر الذهاب للكافتيريا لتناول الشاي معاً.

في صباح يوم آخر، ترفع سماعة هاتفك وتتصل بحبيبتك وتخبرها كم كانت القهوة التي أعدتها لك رائعة. وفي نهاية اليوم تطلب من أخيك ألا يزعجك لأنك تريد أن تنال قسط من الراحة. فالحميمية ليست صفة مقتصرة على الأحباء فقط، ولكنها تختلف بين الأحباء والأخوات والأهل.

كل هذه التفاصيل تحمل حميمية بين ثنياتها، يرى سترنبرغ أن الحميمية هي مكون متطور في العلاقة يبدأ بالمشاركة في التفاصيل الصغيرة جداً حتى نصل إلى مخاوفنا، فعندما يتشارك الطرفان في مخاوفهما يكونان قد وصلا إلى أعلى درجات الحميمية وإدراج الذات داخل الآخر.

ويرى سترنبرغ أن الحميمية هي المكون الدافئ في العلاقة وهو ما يزيد مع مرور الوقت وأيضاً عندما يسمح كلا الطرفين أن يذوب أحدهما في الآخر ويصنعا ذاكرة مشتركة من خلال تفاصيل العلاقة.

ويؤكد رأي سترنبرج ما يحدث للشريكين بعد قضاء وقت طويل معاً يكون كل منهما شاهداً على حياة الآخر، فعندما يرحل أحدهم يشعر الآخر أنه فقد عمره، في مجتمعاتنا الشرقية عندما ترحل الزوجة، وخاصة بعد عمر طويل من الزواج، يبهت البيت، يموت المنزل بعد رحيل المرأة ويموت الرجل من الحزن وراءها.

أقوال جاهزة

شارك غردلأن العشق هو أسرع المكونات تطوراً فهو أول المكونات التي تنتهي سريعاً، وتحتاج من الطرفين إلى بذل مجهود كثير لكي يستمر ذلك المكون الناري.

شارك غردبعكس العشق، الالتزام هو مكون بارد في العلاقة، لا يمكن التحكم به، إذا حدث فتور يمكن للطرفين قضاء ليلة رومانسية لتجديد العشق على أضواء الشموع، لكن لا شيء يمكن فعله إذا قرر أحد الطرفين ألا يرغب في الالتزام.

وبالبحث أكثر في تعريف الحميمية عند العالمين ماسترز وجونسن نجد أنها تتركب من سبعة عناصر:

*الاهتمام والمشاركة

أي أن يهتم كل شخص بالآخر، ومن شروط الحميمية أن يكون الاهتمام متبادلاً فيكشف كل طرف عن نفسه أكثر ويترك مساحة للطرف الآخر أن يهتم ويعرف. بينما المشاركة تعني أن يتشارك كلا الطرفين أخبارهما، مشاعرهما، همومهما... بشرط ضمان لكل فرد مساحته الشخصية التي تسمح له بالتنفس بحرية تامة، وهنا يجب على الطرفين معرفة نفسيهما جيداً حتى يسهل عليهما تحديد مساحتهما الشخصية فلا يتدخل فيها أحد.

المشاركة أيضاً كالحميمية تبدأ صغيرة ثم تكبر، نتشارك آراءنا السياسية، ثم ألواننا المفضلة التي نريد اختيارها في المنزل، ثم المصاريف.

*الثقة والصراحة

الصراحة والثقة وجهان لعملة واحدة، عندما نثق نكشف عن خبايانا التي نريد الإفصاح عنها، وليس فرضاً أن يكشف كل من الطرفين جميع أسراره للطرف الآخر بشرط ألا يخل هذا بالعلاقة، عندما يخبئ أحد الطرفين الأسرار المرتبطة بالعلاقة يسبب ذلك فجوة بها.

والمقصود هنا بالثقة هو أن يثق كلا الطرفين بصلابة الآخر في الأوقات العصيبة، أن يحكي كل شخص عن أخطائه وهو على ثقة كاملة أن الشريك لن يَصِمَهُ أبداً، ليس المعنى هنا هو عدم الخيانة.

وتغيب الثقة عندما يعنّف أحد الطرفين الآخر سواء كان هذا العنف مادياً أو معنوياً، ويعتبر فقدان الثقة واحداً من معوقات الحميمية.

تقاس العلاقات بمستوى الصراحة بين الطرفين، فمثلاً إذا اضطُرِرت إلى الذهاب إلى العمل مبكرا دون أن تغلق حاسوبك، هل يعبث الشريك بملفاتك السرية أم أن مستوى الثقة بينكما تجعله يغلق الحاسوب.

*الالتزام والتعاطف

حجر الأساس في العلاقات هو أنه ليس هناك شيء مفهوم ضمنياً، يختلف معنى الالتزام في كل علاقة وبالضرورة يجب أن يكون الالتزامات في العلاقة واضحة وصريحة، يتم التحدث عنها والنقاش والاختلاف للوصول للوفاق.

المقصود هنا بالتعاطف بأن يضع الطرف نفسه في جعبة الطرف الآخر حتى يمكنه التواصل والتفاعل والعطاء، عكس التعاطف هو التمحور بالذات فقد تشتكي يوماً من صداع مفاجئ ويرد الطرف الآخر بأنه اللعنة على الصداع فهو يعاني من صداع مزمن لمدة شهرين، بدلاً من أن يحاول تخفيف الألم بكلمة بسيطة أو تصرف بسيط، والتمحور بالذات يعتبر مستوى أقل من الأنانية، فالشخص الأناني لا يستمع من الأساس لشكوى الآخر ولا يهتم مطلقاً.

*الملاطفة

تشمل الملاطفة كل مظاهر التعبير عن الحب، القبل، العناق، وغيرها، بشرط أن يكررها الشخص دائماً كتأكيد منه على استمرار الفعل، كانت تحكي صديقتي عن ابنتها التي تتساءل بصفة دورية عن حقيقة حبها لها وتكرر على مسمعها لماذا لا تخبريني بذلك دائماً؟

وللحميمية معوقات كثيرة، وبالبحث فإن الرجال هم الأكثر خوفاً من الحميمية لأنها تحمل في داخلها الكشف عن الخبايا ونطاق الضعف والمخاوف وهو ما يصعب عليهم فعله.

العشق

الضلع الثانية في النظرية هي العشق، أسرع المكونات تطوراً في العلاقة، في المرة الأولى التي تلتقي فيها بشخص ثم يعجبك، في المرة الثانية تتشوق لرؤياه وتزداد ضربات قلبك عندما تجده أمام عينيك وتفتن به، هذا هو العشق الذي يأتي سريعاً، هو المكون الناري والساخن المسؤول أيضاً عن الانجذاب الجسدي والشعور باللهفة للمحبوب.

ولأن العشق هو أسرع المكونات تطوراً فهو أول المكونات التي تنتهي سريعاً، وتحتاج من الطرفين إلى بذل مجهود كثير لكي يستمر ذلك المكون الناري.

يعتبر العشق المسؤول عن الانجذاب الجنسي، إلا أن هناك عدة مشاعر ربما تكون متداخلة في هذا المكون مثل تقدير الذات والحاجة للانتماء.

وبالمقارنة بين العلاقات العاطفية، يبدأ العشق ثم تتكون الحميمية، بعكس العلاقات التي تبدأ على أساس صداقة، يقرر الطرفان الدخول في علاقة عاطفية بعد مشاركة تفاصيل حميمية بينهما، أحياناً تكون هي السبب في توليد مكون العشق.

الالتزام

المكون الثالث والأخير في النظرية، وهو الأثقل في العلاقة، ويعتبر المكون الفكري والعقلاني مقارنة بالحميمية والعشق، على المدى القصير، فالمقصود أن يبقى كلا الطرفين معاً، أما المدى الطويل فيقصد به الالتزام بالقوانين جميعها التي يضعها كل منهما .

ويخلق الالتزام شعوراً بالمسؤولية عند الطرفين فيبذل كل منهما جهده من أجل الحفاظ على هذه العلاقة.

بعكس العشق، الالتزام هو مكون بارد في العلاقة، لا يمكن التحكم به، إذا حدث فتور يمكن للطرفين قضاء ليلة رومانسية لتجديد العشق على أضواء الشموع، لكن لا شيء يمكن فعله إذا قرر أحد الطرفين ألا يرغب في الالتزام.

هو أيضاً المسؤول عن الدعم والأمان في العلاقة، لكن قد ينقلب هذا الدعم إلى ضغط كبير عندما يفقد الطرفان الثقة في العشق والحميمية. وهو السبب الرئيسي في استمرار العلاقات، وبالقياس فإن العلاقات ذات المدى الطويل تخلق قدرة للطرفين على العفو عندما يتعرض أحدهما للخطأ لأن كلاً منهم يريد استمرار تلك العلاقة.

انتهاء العلاقة أيضاً هو جزء من الالتزام، أن يلتزم كلا الطرفين بالتصريح عن ذلك إذا انطفأت مشاعره يوم ما.

أشكال العلاقات الناتجة عن مركبات المثلث الثلاثة

via GIPHY

نتيجة للتفاعل بين مركبات المثلث الثلاتة تتكون سبعة أنواع من العلاقات:

*الملاطفة

يغيب العشق والالتزام هنا وتبقى الحميمية فقط، تقع هذه العلاقة في قمة المثلث، عادة هذا هو الموجود في علاقة الأصدقاء والأهل. أو قد يحدث بين طرفين لفترة ما، فهنا تفتقر العلاقة إلى العاطفة الحادة التي يكونها العشق، والعقلانية التي يولدها الالتزام.

*حب الهيام

ويقصد به هنا الحب من أول نظرة، ذلك المكون الساخن الذي يجعلنا كالمراهقين فيحمر وجوهنا خجلاً وتضطرب أعضاء أجسادنا من الحب وتزداد نبضات القلب والإفرازات الهرمونية، وانتصاب الأعضاء التناسلية (القضيب أو البظر).

الانجذاب الجنسي هو في الغالب ما يحرك هذه العلاقة، يغيب الالتزام فلا تثبت العلاقة، ولا تدوم بسبب غياب الحميمية. وتقع هذه العلاقة في الرأس الأيسر لقاعدة المثلث. يشكل حب الهيام الكثير من العلاقات في بدايتها، تأتي سريعاً وتذهب سريعاً، يمكن لهذه العلاقة أن تصبح بذرة ناجحة إذا كرس كل من الطرفين طاقته في مصلحة العلاقة.

*الحب الفارغ

يقع هذا الحب في الرأس الأيمن لقاعدة المثلث، تمثل هذه العلاقة الكثير من الزيجات في المجتمعات الشرقية، يقرر الأشخاص الالتزام بدون عشق ولا حميمية، أحياناً بسبب اعتبارات مجتمعية. تفتقر هذه العلاقة أيضاً إلى الوعي، فقرار الالتزام ينبغي أن يكون ناتجاً عن إدراك بالشريك وهذا لا يحدث في هذا النوع من الزيجات.

قد تصل العلاقة الطويلة المدى إلى هذة المرحلة بعد مرور الوقت، فيختفي العشق وتغيب الحميمية ويقرر الأشخاص الاستمرار في تلك العلاقة بسبب اتفاقهم فقط على ذلك مسبقاً.

يعكس الحب الفارغ أيضاً أغلب علاقة الآباء والأمهات، أحياناً يكون الالتزام سببه الأطفال وللحفاظ على العائلة فيضحي الأطراف مع غياب رغبتهم الحقيقية في الاستمرار.

*الحب الرومانسي

يقع هذا الحب بين العشق والحميمية، وهو سمة من المراحل المبكرة في العلاقات الأكثر حباً، كلا المركبين يقود العلاقة دون لجام، يمثل هذا النوع أول فكرة تخطر على بالنا عندما نفكر في الوقوع في الحب، نفكر في العشق والحميمية ولا يمكننا حسم أمر الالتزام لأنه معتمد على عقلانية أكبر.

يشبه هذا الحب ما نشاهده في الأفلام الرومانسية وقصص الأدب الكلاسيكية، قد تتطور العلاقة فيتواجد الالتزام، أو تنتهي ويبحث كل منها عن الالتزام في علاقة أخرى.

*الحب الرفاقي

موقع هذا الحب بين الالتزام والحميمية، قد تبدأ هذة العلاقة بمكونات الحب الثلاثة، ولكن يختفي المكون الساخن بعد مرور الوقت، فترتكز هذه العلاقة على قدر الحميمية الموجودة وعلى الالتزام بالبقاء بين الطرفين.

تعتبر هذه العلاقة مثل صداقة طويلة المدى، وتظهر خاصة بين كبار السن من الأزواج، تهدأ نار العشق وتختفي وتظل الذاكرة الحميمية المشتركة دليلاً على حياتهم معاً.

*الحب الأحمق

يقع هذا الحب بين الالتزام والعشق، أن تقابل شخصاً اليوم فتقرر الزواج به بعد شهرين وتبدأ في بناء أسرة بيت، علاقة خاوية، تفتقر هي الأخرى إلى الوعي والإدراك، فقرار الالتزام هنا ناتج عن اعتبارات مجتمعية لا عن معرفة جيدة بالشريك وتكوين ذاكرة حميمية بين الطرفين.

*الحب الكامل

علاقة متساوية الأضلاع، كل المكونات فيها حاضرة، هي بالطبع علاقة ناجحة، يدخلها الأشخاص بعد تجارب عديدة واكتساب خبرات مختلفة، نبحث جميعاً عن الحب الكامل ويشير سترنبرج إلى أنه ليس من السهل الحفاظ عليه، فهذا يتطلب مجهوداً كبيراً من الشريكين لكي يظفرا باستمراراه.

ربما ننجح في الحصول على الحب الكامل بعد وقت طويل، لكن أحياناً لا نعرف ما الأخطار التي ربما تواجه أي علاقة، الاكتئاب، الادمان، التوقعات غير الواقعية، العنف، الخجل، الأنانية، التمحور بالذات وأخيراً الخوف من الحميمية، فلو رجعنا بالذاكرة لعلاقات سابقة سنكتشف أنها على الأغلب فشلت بسبب واحد من المعوقات السابقة، تعد هذة المعوقات مصابيح حمراء يجب الانتباه لها.

التعليقات

المقال التالي