تجنيد واعتداءات جنسية وإبعاد عن العائلة: تقرير جديد يوثق للفظائع المرتكبة بحق الأطفال السوريين المختفين قسرياً

تجنيد واعتداءات جنسية وإبعاد عن العائلة: تقرير جديد يوثق للفظائع المرتكبة بحق الأطفال السوريين المختفين قسرياً

كانت الشرارة الأولى للاحتجاجات في سوريا، في مدينة درعا، مرتبطة باحتجاز وإساءة معاملة الأطفال، واستمر الإخفاء القسري والاعتقال التعسفي والتعذيب النفسي والجسدي للأطفال كسلاح لا تتردد شتى أطراف الصراع في استخدامه حتى اليوم.

وقد وثق مركز أورنمو (Urnammu) للعدالة وحقوق الإنسان (مقره في كيبيك، كندا)، ممارسة الإخفاء القسري بحق 2443 طفلاً، 106 منهم دون سن الخامسة، و193 بين 6 سنوات و12 سنة، وبحسب تقريره، الصادر في 52 صفحة الخميس الماضي بعنوان "أطفال خارج الذاكرة"، لقي 153 منهم حتفهم أثناء فترة احتجازهم، إليكم أبرز ما جاء في هذا التقرير والشهادات التي بني عليها.

يذكر أن مركز أونمو للعدالة وحقوق الإنسان، هو منظمة غير حكومية تأسست عام 2014 على يد من مجموعة من الناشطين السوريين، أبرزهم مزنة دريد والمحامي إبراهيم القاسم، في كيبيك في كندا، وسبق له تقديم تقارير عن أوضاع العنف ضد النساء في سوريا، وسجن صيدنايا، واستخدام احتجاز النساء كسلاح في الحرب، كما يقدم إحصائيات لأعداد المحتجزين في سوريا وفقاً للجنس والعمر وسنة الاعتقال، إليكم أبرز ما جاء في هذا التقرير الذي أعده المركز بدعم من المؤسسة الأورومتوسطية لدعم المدافعين عن حقوق الإنسان (EMHRF).

وسيلة للضغط على المطلوبين

وثقت أورنمو اعتقال 245 شخصاً تحت سن 18 بينهم 20 فتاة، وتجاوزهم سن 18 عام في مراكز الاحتجاز، مصطفى (وهو اسم مستعار كمعظم الأسماء في التقرير)، بلغ الثامنة عشر قبل إخلاء سبيله بيومين، وكان ذلك في نهاية اعتقاله الرابع.
شارك مصطفى في المظاهرات السلمية والتصوير وبث الأخبار، "فاعتقله الأمن السياسي للمرة الأولى في اللاذقية عام 2011 وبقي مدة شهر واحد، أجبر فيه على مشاهدة عملية اغتصاب بشعة لسيدة سورية أمام زوجها وأمها وحوالي عشر معتقلين آخرين".

وحكم على رامي، الذي اعتقل سنة 2013 وهو في سن 15 عاماً، بالإعدام في محكمة الميدان العسكرية، ولكونه من فئة الأحداث (من هم دون 18 عاماً)، تم تخفيض عقوبته إلى السجن 12 عاماً مع الأشغال الشاقة، ولم يطلق سراحه حتى اليوم.

كما يتم استخدام الأطفال للضغط على المطلوبين لتسليم أنفسهم، كما حصل في قرية الرازة في تلكلخ في نيسان 2014، حين داهمت اللجان الشعبية القرية واعتقلت عائلات بأكملها بهدف الوصول إلى 12 شاباً من القرية، ومن بين أفراد العائلات المعتقلة "مروة 7 سنوات، وتسنيم 6 سنوات، وصفا 4 سنوات، ولا يزالون حتى اليوم قيد الاختفاء القسري".

أقوال جاهزة

شارك غردتستعين الأجهزة الأمنية بالأطفال صغار السن في التحقيق، لسهولة الضغط عليهم، وعدم إدراكهم أهمية المعلومات التي قد يدلون بها

شارك غرديشترك تنظيم الدولة الإسلامية مع قوات سوريا الديمقراطية في تجنيد الأطفال، هنا الأرقام التي يقدمها تقرير رصد هذه الممارسات الخطيرة

وتستعين الأجهزة الأمنية بالأطفال صغار السن في التحقيق، لسهولة الضغط عليهم، وعدم إدراكهم، في سن صغيرة خصوصاً، أهمية المعلومات التي قد يدلون بها، يقول أحمد - أحد الذين قابلتهم أورنمو - أن شقيقته أنكرت أثناء التحقيق معها، على أحد الحواجز، معرفتها بمكان زوجها أو وجود صلة لها به، فتوجه المحقق إلى ابنها حسين الذي لم يتم 7 سنوات، "وسأله عن والده وإذا كان لديه سلاح يلعب به كما يفعل هو - وكان العنصر يشير لسلاحه الذي يحمله - وبالفعل تحمس الطفل وبدأ يقلد والده وهو يطلق الرصاص والشتائم على جيش الحكومة".

اعتداءات جنسية وإبعاد عن الأمهات

احتجزت الأجهزة الأمنية الأطفال لأسباب عديدة أخرى غير مشاركتهم في المظاهرات والحراك الشعبي، "بعضها يتعلق بالعقاب أو الانتقام الجماعي من سكان منطقة بعينها"، كما احتجزت عائلات بكاملها وتم استغلال الأطفال لحفر الخنادق وبناء السواتر الترابية وجمع المعلومات.

ويروي التقرير وجود معتقلين دون سن 18 عاماً في سجن صيدنايا المشهور، علي (14 عاماً)، الذي قضى فيه شهرين، يروي وجود 36 طفلاً في مهجعه، ووفاة أربعة أطفال في فترة وجوده؛ "تعرض (ب ك) لتعذيب شديد حتى (..) فقد تركيزه ولم يعد يستطيع التحكم بجسده فكان يتبول على نفسه (..) وقد كان كامل جسده مغطىً بالقيح، وبعد أسبوع استيقظنا صباحاً لنجد أنه قد فارق الحياة".

وفي سجن دمشق المركزي (أو سجن عدرا) "يُستغل الأحداث جنسياً من قبل مشرفي الجناح - وهم من البالغين الموقوفين بتهم جنائية - بدعم من بعض المتنفذين في السجن، وحتى في حال التقدم بشكوى، فإن المسؤول عن تسهيل الاعتداء الجنسي على المعتقلين الأطفال، يعاقب في أحسن الأحوال بنقله إلى سجن آخر".

ويروي سامح المعتقل مرتين في 2012 و2013 أن الحراس في رأس السنة 2013، أجبروا معتقلين بينهم أطفال بسن 16 و17 سنة على الجري عراة، والقيام بحركات جنسية، "وطلبوا من الأكبر سناً ممارسة الجنس مع الأصغر سناً".

كما يتم فصل الأطفال من عمر يوم إلى 12 سنة عن أهاليهم أو أقاربهم سواء في أجنحة أو أقسام منفصلة، أو في أحيانٍ قليلة يرسلون إلى قرى الأطفال (SOS)، "مع التكتم الشديد حول ذلك فلا تُخطر الدولة أو حتى إدارة القرى ذويهم بذلك، في معظم الحالات وحدها الأم المعتقلة من تعرف، لذا يبقى مصير الأطفال مجهولاً بالنسبة لهم في حال كانت الأم بحكم المختفية".

مواليد في المعتقلات

يصف التقرير، إضافة إلى معاناة الأطفال المحتجزين، معاناة المولودين في هذه السجون والمعتقلات وأمهاتهم، حيث يلدن في ظل انعدام الرعاية الصحية وانخفاض معايير النظامة لمستويات منخفضة، "وتزداد المعاناة في حال كانت الحامل بكراً أو صغيرة في السن لعدم درايتها وخبرتها بالصحة الإنجابية".

وسُجلت عدة حالات لفقد المواليد بعد ولادتهم بأيام، وحالات إجهاض بسبب سوء الظروف الصحية، وينقل التقرير عن سفانا التي احتجزت في سجن عدرا من أغسطس/آب 2014 وحتى منتصف 2017 وجود أكثر من 50 طفلاً تعتمد أمهاتهم على جمعية رعاية السجناء لتأمين حاجاتهم من الحليب والحفاضات والملابس.

"بقيت ابنة وردة تسعة أشهر عانت فيها كثيرا من الحرمان، كون والدتها لا تتلقى أي زيارات، وقد حددت لها جمعية رعاية السجناء كمخصصات علبة حليب واحدة أسبوعيا ً باعتبارها مرضعة، ولكن بثينة لم يكن بصدرها حليب، فكانت تحتاج كل يومين أو ثلاثة لعلبة حليب."

الأطفال كوحدة مقايضة

وتساهم المعارضة المسلحة والفصائل الإسلامية المتشددة في ممارسة الاختفاء القسري على الأطفال، ووثقت (أورنمو) احتجاز 55 ممن هم دون الثامنة عشر لدى هذه الفصائل، كرد على ممارسات النظام ولغاية استخدامهم في عمليات مبادلة معه لإطلاق سراح معتقلين من المعارضة، "كما حدث مع الأطفال المخطوفين مع أمهاتهم منذ عام 2013 من قرى اللاذقية، حيث تم استبدالهم على دفعتين"، الأولى في 2014 مقابل خروج مجموعة من المسلحين في حمص، و2017 مقابل الإفراج عن 54 من المحتجزين لدى الحكومة السورية. 

ويجبر الأطفال المحتجزين لدى المجموعات المسلحة والمتشددة منها خصوصاً على تعلم المناهج التي تناسب توجهاتها، ويمتد الاختطاف لاشتباكات بين الفصائل نفسها.

يقول سليم الذي احتجزه جيش الإسلام في أبريل/نيسان 2017، إثر الاقتتال مع فيلق الرحمن، أنه رأى "عدداً من الأطفال مع أمهاتهم أُحضروا للمركز، "بالإضافة ليافعين اثنين (15 و14 عاماً) اشتُبه بتأييدهم لفيلق الرحمن".

تمييز طائفي وتجنيد قسري

كما قامت هيئة تحرير الشام (أو جبهة النصرة) باحتجاز أطفال ينتمون لقرى موالية دون إخضاعهم للتحقيق، "وتعرض بعضهم للإساءة اللفظية والتمييز على أساس طائفي وتركوا لمدة طويلة في ظروف قاسية يعانون البرد".

كما احتجزت هيئة تحرير الشام 14 طفلاً من بين 117 مدنياً اختطفتهم من قرية اشتبرق في 2015، وحصلت هناك ولادتان انتهت أحدهما بوفاة الطفل حسب عم والدته، "بسبب انعدام الرعاية الصحية وكونهن لا يتلقين زيارات عائلية بالمطلق، فإن الاعتماد لتأمين احتياجات المواليد يكون بشكل كامل على ما تقدمه الجهة الخاطفة لهم"، وقد وثقت أورنمو احتجاز هيئة تحرير الشام لـ30 طفلاً.

وقام تنظيم الدولة الإسلامية باعتقال الأطفال وخطفهم وقتلهم بذرائع متعددة، ومن أخطر ممارساته تجنيد الأطفال، الأمر الذي يشترك فيه مع قوات سوريا الديمقراطية، التي وثق التقرير لاعتقالها وتجنيدها 200 طفال، 65 منهم من الرقة، و91 من الحسكة، و44 طفل من دير الزور، وقُتل منهم 37 وأصيب 27.

تبرز خطورة الانتهاكات التي تمارسها شتى الأطراف بحق الأطفال، خصوصاً، في مرحلة بعد الإفراج عنهم، "ففي حين لدى الكبار وسائلهم ومفاهيمهم التي تساعدهم على التعامل لحد ما مع التجربة كأن يعتبروا ما مروا به هو ثمن الوصول للقيم السامية في حياتهم، نجد أن الأطفال الذين لم تتكون لديهم هذه المفاهيم بعد ولم يمتلكوها يعانون من ردات فعل نفسية".

وفي ظل عدم وجود مؤسسات صحية قادرة على مساعدة هؤلاء الأطفال على التعافي النفسي من التجارب المريرة التي مروا بها، فإن هذه الانتهاكات، مضافاً إليها الأضرار العميقة التي أصابت مسيرة التعليم لملايين الأطفال السوريين، تؤسس ربما لجيل جديد أكثر تطرفاً وانفعالاً، قادر على إشعال حربٍ جديدة في المستقبل.

صورة المقال: رابط

التعليقات

المقال التالي