وصفة الكلور لتفتيح الجسم: من أجل جمال مصري خالص!

وصفة الكلور لتفتيح الجسم: من أجل جمال مصري خالص!

"لازم تكون بيضا، طويلة، شعرها ناعم، جسمها متناسق، معندهاش ترهلات أو خطوط بيضا"، هكذا لخصت صديقتي مواصفات الجمال ومعاييره التي يعترف بها المجتمع في مصر.

هذا الأمر تحول مع الوقت لعبء على المصريات، إذ بات المطلوب منهن الالتزام بتلك المعايير حتى ينلن ختم الجمال، فرغم أن مصر بلد إفريقي، لا يتميز بالإجمال شعبه ذكوراً وإناثاً ببياض البشرة، بل بالسمرة، فإن البياض تحول عاملاً رئيسياً في وصف أي فتاة جميلة، عند فئة من الشعب، وما دونه يعتبر عادياً في أفضل ظروف، إن لم يكن قبحاً.

تعج المواقع الصحفية وصفحات الجمال بوصفات تفتيح البشرة بمنتجات طبيعية أو بكريمات تفتيح، حتى وصل الأمر لإطلاق وصفة تحمل الكثير من المخاطر الصحية.

في 2012، أصدرت منظمة الصحة العالمية تقريراً أكدت فيه أن لاستخدام كريمات وصابون تفتيح البشرة، مخاطر عدة، لأن غالبية تلك المنتجات تحتوي على مادة الزئبق التي تتسبب بتدمير الكلى والعديد من الأمراض الجلدية.

ورغم تلك التحذيرات، فإن النساء يواجهن معايير قاسية في الحكم على مسألة الجمال، حتى وصل الأمر للسخرية من السمراوات في عدد من الأعمال التلفزيونية والسينمائية، ووصفهن بعبارات عنصرية كـ"شوال فحم" أو "الليل الطويل"...

السينما عنصرية كذلك

فيلم "عيال حبيبة"

الفيلم من بطولة المطرب حمادة هلال وعدد من النجوم الشباب. في أحد مشاهده يسخر رامز جلال، صديق البطل، من صورة الفنان سليمان عيد المعلقة على أحد الجدران، قائلاً "هي الشقة دي اتحرقت قبل كدة ؟".

أقوال جاهزة

شارك غردلا بد أن تكون المرأة بيضاء ذات شعر ناعم وجسم متناسق، ثم السخرية من كل مختلف عن تلك المعايير

شارك غرد"كلما حكت قريبة لي عني لشخص مقبل على الزواج، ثم يأتي للتعارف، ويجدني سمراء، يذهب ولا يعود. سئمت تلك المواقف، لذلك أنا على استعداد لتجربة أي شيء يجعلني بيضاء، حتى أتزوج"

فيلم اللي بالي بالك

يحتضن البطل محمد سعد فتاة سمراء، ظناً منه أنها ابنته، فتقول زوجته له إنها ليست ابنتك، فيرد "مانا قلت كده، أنتي بيضة وأنا ابيض، إزاي هنخلف صباع العجوة دة".

فيلم أفريكانو

أثناء دخول البطلين أحمد السقا وأحمد عيد لأحد البارات في جنوب افريقيا، تخرج مجموعة من الفتيات السمراوات، فيعلّق عيد "هي الكهرباء قاطعة جوه ولا إيه؟".

الكلور من أجل جسد أبيض

أخيراً انتشرت وصفة تعتمد على استخدام الكلور في تفتيح لون الجسم، إذ يوضع مقدار فنجان صغير على كمية كبيرة من الماء، ويُستعمل المزيج كريماً. وهذا لا يخلو من مخاطر عدة ويعرض المعتمدة على الوصفة لأمراض جلدية صعبة.

الغريب أن الوصفة انتشرت كالنار في الهشيم بين الجروبات الخاصة بالعناية بالبشرة والجسم، مما طرح تساؤلات عدة حول استعداد النساء للمخاطرة من أجل الوصول لجسد يتوافق مع المعايير المجتمعية والأنماط المحددة مسبقاً، بعدما تضافرت الحالة الاقتصادية مع تلك المعايير لتنتج تلك الوصفات الخطرة.

تحكي ماهينور مكرم، 32 عاماً "كلما حكت قريبة لي عني لشخص مقبل على الزواج، ثم يأتي للتعارف، ويجدني سمراء، يذهب ولا يعود. سئمت تلك المواقف، لذلك أنا على استعداد لتجربة أي شيء يجعلني بيضاء، حتى أتزوج".

أما مي عبدالفتاح، 29 عاماً، فتقول "جربت وصفة الكلور، وكنت أعلم أنها قد تسبب مرضاً جلدياً، ولكني لم أستطع مقاومة رغبتي في تفتيح لون جسمي، وبالفعل، بعد التجربة بيوم واحد، ظهرت بقع حمراء على جسمي، فاضطررت للذهاب للطبيب الذي أخبرني أن السبب هو الكلور".

التنميط طريق للعنصرية

ترد الناشطة النسوية انتصار السعيد على التساؤلات المتصلة بتنميط معايير الجمال، قائلةً، "طبعاً، النساء متأثرات بالبروباغندا الإعلانية والسينما، وبمفهوم أن البيضاء هي الجميلة، الأمر الذي يتحول لعنصرية حيال ذوات اللون الأسمر.

البديهي أن معايير الجمال نسبية ولا بد أن يتقبل كل إنسان شكله كما هو. في الواقع، تتأثر النساء بالدعاية التي تطلقها الشركات الرأسمالية لترويج منتجاتها وعمل غسيل مخ طوال الوقت لخدمة هذا الهدف، وفي نفس الوقت، تتضافر العوامل الاجتماعية مع تلك الدعاية لتنتج ثقافة ترفض الآخر وتضع انماطاً جسدية للنساء، وعليه، لا بد أن تكون المرأة بيضاء ذات شعر ناعم وجسم متناسق، ثم السخرية من كل مختلف عن تلك المعايير، ومع الوقت انتقلت تلك الأفكار والتصرفات لأبنائنا دون دراية منا".


وتتابع السعيد لرصيف22 "ذات يوم قالت لي أختي إنها ذهبت إلى مدرسة بنتها، فوجدت الأطفال يلعبون وحدهم وتتزعمهم فتاة تحرضهم على عدم اللعب مع فتاة أخرى، ظنت أختي أنهم يتجنبون الفتاة لأنها غير ملتزمة أو غير هادئة أو ارتكبت خطأً ما، ثم فوجئت بأن والدة الفتاة المنبوذة تقول لها "لا يلعبون معها لأنها سمراء اللون، لأننا نوبيون، فنفس التصرفات تلك كانت تحدث معي عندما كنت صغيرة"، وأتذكر جيداً زميلة لنا سمراء كانت تردد "أصحابي كانوا يأخذوني وانا طفلة لأغسل يدي حتى يختفي اللون الأسمر، فكانوا يتخيلون أن اللون وسخ أو طين".

الحالة الاقتصادية تلعب دوراً

وتضيف الناشطة "استخدام مواد خطرة للوصول لجسد أكثر بياضاً، هو مثل استخدام الكلور في حالتنا هذه، أتت بعد تضافر الحالة الاقتصادية مع المفاهيم الرجعية عن الجمال، فمع تراجع الحالة الاقتصادية وارتفاع نسبة الفقر، تأتي الخلطات والوصفات الشعبية المؤذية التي لا تخضع لأي منطق علمي، فهناك فئات كبيرة غير قادرة على شراء كريمات التفتيح، أو على الخضوع لجلسات في المراكز التجميلية، فتلجأ لوصفات قد تنتج عنها أمراض صعبة".

وبما أن وصفات التفتيح موجهة للنساء، ولم تلقَ رواجاً بين الرجال، فقد فرضت بعض التساؤلات نفسها، بقوة، فهل تنميط معايير الجمال أمر يواجه النساء فقط؟ هل يقبل المجتمع الرجال بكافة هيئاتهم دون وضع معايير للشكل الخارجي، كرخصة للقبول المجتمعي والاعتراف بالجمال؟

الرجال يواجهون تنميطاً أيضاً

تقول الكاتبة النسوية والناشطة في مجال حقوق المرأة، هالة مصطفى، إن الرجال يواجهون تنميطاً شكلياً كذلك، من نوع آخر، فالتنميط ليس قاصراً على النساء فقط، وإن اختلفت أشكاله، فالرجال أيضاً يواجهون معايير قاسية منها: لا بد من أن يكون الجسم رياضياً، واتباع موضة إطلاق اللحية.

وتضيف مصطفى أن تنميط معايير الجمال يعد أحد أشكال العنف والاعتداء على النساء، وهو ليس مقتصراً على التنميط الشكلي فقط، وانما هناك أيضاً تنميط ديني كالحرص على الزواج من فتاة محجبة، أو سمينة أو رفيعة، ورغم أن نساء العالم كلهن يواجهن تنميطاً شكلياً، فإن التنميط في المجتمع المصري مضاعف.

وتختم: "أنا أيضاً واجهت تنميطاً شكلياً. أثناء زواجي، قال لي زوجي، وهو أستاذ جامعي، "تزوجتك، لأنك بيضاء وعيناك ملونتان، لأحسن النسل بالعائلة"، إذاً فالأمر ليس مقتصراً على طبقات اجتماعية محددة، ولا على فترة زمنية محددة، خاصة مع انتشار الفضائيات والتسليع العالمي لمعايير الجمال".

التعليقات

المقال التالي