الشعراوي "راسبوتين" يعيش في عباءة الإمام الشعبوي

الشعراوي "راسبوتين" يعيش في عباءة الإمام الشعبوي

نقابة الصحافيين – مطلع نوفمبر 1997، حيث محاكمة رمزية للداعية المصري محمد متولي الشعراوي، عقب اتهامه بتبني الفكر السلفي وتضخم الثروة والتراخي في نقد الأغنياء وعدم الاعتذار للشعب عن الترويج لشركات توظيف أموال "إسلامية" سرقت جنى عمرهم.

كانت المحاكمة برعاية صحيفة "الدستور" لخمسة من أبرز رموز مصر، بينهم الراحلان الصحافي محمد حسنين هيكل والسياسي كمال الشاذلي والفنان عادل إمام، في وقت كان الشعراوي أشبه بـ"نصف إله"، ونقده كفيلا بدفعك للسجن، لا سيما أن ابنه أحمد كان رئيسًا لمجمع البحوث الإسلامية، الذي يقول معاصرو هذه الحقبة إنه حوّله إلى "آلة للقمع الفكري"، و"مرجعية دينية" لجهاز أمن الدولة آنذاك.

ويبدو أن الإمام ما زال يحتفظ بـ"هالة وقائية" إلى الآن، فقبل بضعة أيام انتفضت جامعة دمنهور (دلتا مصر) ضد أستاذ بكلية التربية، وأوقفته عن العمل، بسبب وصفه الشعراوي بـ"دجال"، في كتاب ألفه ويدرسه طلابه.

يعتبره مؤيدوه "إمام الدعاة" ومُجدد الدين في القرن العشرين عبر حظ أوفر من الشهرة والانتشار عن بقية علماء المسلمين، بينما يراه منتقدوه مجرد "عالم لغة" و"كارثة قومية" دجنتها السلطة، وساهمت في التمهيد لانتشار الفكر المتطرف.

بين ركود ناصر "الديني" وصحوة السادات

"هناك فترة مرت علينا كنا نسميها فترة الركود الديني في الستينيات، وكنا نتهم دائمًا بأننا ضد الدولة... كنا نهرب من المسجد لكيلا نذهب إلى القسم أو نُوقف عن العمل، لكن منذ عهد أنور السادات والأحوال تحسنت، قال إنه حاكم إسلامي لدولة مسلمة... وعندما ظهر الشعراوي وسيطر على قلوب الناس فرحنا جميعًا به لأنه يعبر عن رأي الدين الصحيح بمنطوقه ومفهومه".

هكذا تولى الشيخ الأزهري منصور الرفاعي الدفاع في محاكمة "الدستور" الرمزية للشعراوي نهاية التسعينيات، مُبينًا كيف ساهمت الظروف السياسية والاجتماعية في بلورة شخصية الإمام، ومهدت لتقبل جمهور البسطاء نفسيًا ما يقوله شخص بارع في فنون الخطابة.

في العام 1950 أُعير الرجل إلى السعودية، وهناك عمل مدرسًا بكلية الشريعة بجامعة الملك عبدالعزيز بمكة المكرمة، ومع توتر العلاقات بين القاهرة والرياض عاد إلى مصر 1960. وسريعًا ما ترقى حتى أصبح مديرًا لمكتب شيخ الأزهر 1964.

يمينًا ويسارًا

في بلدة دقادوس بريف محافظة الدقهلية، ولد الشعراوي في 15 أبريل 1911. وحصل على الشهادة العالية من كلية اللغة العربية 1941، والشهادة العالمية مع إجازة التدريس 1943.

وتذهب آراء إلى أن براعته وحسن قوله مكنتاه من مجاراة رجال السياسة والمناورة يمينًا ويسارًا أيما كان من يتصدر واجهة السلطة الحاكمة للبلاد، حيث ساق قصائد المدح لحكام مصر بداية من الملك فاروق ومرورًا بعبد الناصر والسادات وحسني مبارك.

وإبان توليه منصب وزير الأوقاف بين 1976 و 1978، قال الشعراوي في إحدى جلسات مجلس الشعب "والذي نفسي بيده، لو كان لي في الأمر شيء لحكمت للرجل (يقصد السادات) الذي رفعنا تلك الرفعة، وانتشلنا إلى القمة ألا يُسأل عما يفعل وهم يسألون!".

وهو ما أثار استياء الساسة والمفكرين ورجال الدين على السواء، بينما ذكر البعض أنه لجأ لمدح الرئيس الراحل للتهرب من جلسة استماع له بشأن وقائع فساد في وزارته.

وخلال وجوده في الجزائر، قال إنه سجد لله شكرًا بعد اجتياح إسرائيل لسيناء بنكسة العام 1967، وسقوط "المشروع الشيوعي"، بينما رثا عبدالناصر عند وفاته، ووصفه بالـ"الثائر الملهم "، وأن الشعب وحده كان مُلحدًا.

وفي مشهد يتم تناقله من وقت لآخر للتدليل على جرأته، يظهر الشعراوي وهو ينصح ويشد من أزر مبارك بعد نجاته من محاولة الاغتيال في أديس أبابا، في حين ظل لسنوات تحت حكمه من دون أن يوجه له اللوم على صمته تجاه انتهاكاته وظلمه لـ"الشعب المطحون".

كما يأخذ البعض عليه ظهوره في إعلانات تليفزيونية لشركات توظيف الأموال "الإسلامية" تدعو المواطنين لاستثمار أموالهم فيها قبل أن يهربوا بها، وذلك دون أن يعتذر الرجل عن مشاركته في هذه الدعاية.

بين صاحب الدكتوراه وحامل الفأس

قبل دقائق من انطلاق مدفع الإفطار في شهر رمضان، اعتاد المصريون التحلق حول مائدة الطعام، وخلال لحظات انتظارهم يشاهدون برنامج الشعراوي على شاشة التليفزيون المصري.

في حين يحفظ الصغار عن ظهر قلب موسيقى تتر برنامجه، التي تعد إيذانًا بانتهاء ساعات الصيام، مثلما كانت علامة مميزة ليوم الجمعة في بيوت المصريين. إذا كنت مصريًا، خاصة من جيل الثمانينيات، فبالطبع لا تنسى برامجه "نور على نور، الدين والحياة، لقاء الإيمان، قصص الأنبياء".

في محاكمة الشعراوي الرمزية قبل عام من وفاته، قال الشيخ منصور الرفاعي: "عندما نستمع إلى الشعراوي نجده يبسط الأمور، فإذا استمع له حامل الدكتوراه ورجل آخر يحمل الفأس، فإن الاثنين سيفهمانه"، بينما يذهب آخرون إلى أنه كان "محصورًا في إعادة إنتاج القديم وتقديمه بصورة حديثة مقبولة"، بحسب الدكتور أحمد منصور، زعيم القرآنيين، وأحد المشاركين في المحاكمة.

هل كان وسطيًا حقًا؟

في قرارها الخاص بفصل الأكاديمي المتهم بالإساءة للشعراوي، قالت جامعة دمنهور إن "المصريين تعلموا وسطية الإسلام على يده".

وفي معاركه وخلافاته مع المفكرين والساسة، اعتمد الرجل على قاعدته الشعبية والخطاب الشعبوي كما على السياسيين في تأييد مذهبه في يطرحه من أفكار.

عندما كان كتب الأديب توفيق الحكيم مقالاته بعنوان "حديث مع الله"، انتقده الشعراوي في لقائه مع مجلة "اللواء الإسلامي" في 1983، قائلًا: "لقد شاء الله ألا يفارق هذا الكاتب الدنيا إلا بعد أن يكشف للناس ما يخفيه من أفكار وعقائد كان يهمس بها ولا يجرؤ على نشرها. وشاء الله ألا تنتهى حياته إلا بعد أن يضيع كل خير عمله فى الدنيا فيلقى الله بلا رصيد إيماني".

وانضم الأديب والكاتب يوسف إدريس إلى الحكيم، وكتب في صحيفة "الأهرام" الحكومية: "الشيخ يتمتع بكل خصال راسبوتين المسلم. فهو يمتلك قدرة على إقناع البسطاء، ولديه قدرة ممثل نصف موهوب للتمثيل بالذراعين وتعبيرات الوجه. وله قدرة على جيب كبير مفتوح دائمًا للأموال"، ليتعرض إدريس هو الآخر لانتقادات شديدة بدعوى التطاول على الشعراوي.

وقبل أكثر من 20 عامًا، كتب عنه الصحافي إبراهيم عيسى: إن المشكلة الحقيقية تكمن في تحويل الشعراوي "إلى رجل يكفي نقدُه أن يثير الملايين من الناس ضدك... إذا لم يكن هو يملك هذه المساحة الخطرة من التأثير التي جعلت كلامه الأخير عن التطرف والحكم والفتوى كارثة قومية".

وفي كتابه "أفكار مُهددة بالقتل: من الشعراوي إلى سلمان رشدي"، قال عيسى: "لم أر شيخًا يمثل مجموعة من الأفكار الرجعية المناهضة للعلم والتقدم إلا الشعراوي، ولم أصادف حتى الآن على الأقل رجلًا يستخدم كل المنح الربانية التى أنعم الله بها عليه فيما يخدم التخلف بمثل ما رأيت الشعراوي".

وعلى الوتيرة نفسها، اعتاد الإعلامي الدكتور خالد منتصر مهاجمة الشعراوي، ففي إحدى كتاباته على فيسبوك سخر من قول الشعراوي إنه "بدون الختان تكون الشهوة الجنسية لدى المرأة دائمة"، وعلق منتصر: "الشيخ الشعراوي نساني الأناتومي اللي درسته في الكلية!".

وفي أغسطس 2017، شارك الفنان صبري فواز في صفحته الشخصية على فيسبوك، مقطع فيديو للشيخ الشعراوي يتحدث فيه عن المرأة في الإسلام، وكتب فواز "الإسلام الداعشي الوسطي الجميل" ثم حذف كلمة "الداعشي" بعد تعرضه لانتقادات من متابعيه. كان الشعراوي يقول حينها إن تبرج المرأة يعد بمثابة إلحاح منها على عرض نفسها.

وتنوعت فتاويه في أواخر سنوات عمره، عندما حمَل الشباب مسؤولية البطالة دون الحديث عن الحكومة، بقوله "الدولة ليست مسؤولة عن البطالة". كما يأخذ عليه البعض تعليقاته على علاقة المسلمين بالأقباط وتفريقه بين "الرضا والتعايش"، إذ يرون في ذلك طائفية منه.

وقال في كتابه «الشعراوي بين السياسة والدين»، في 1997، إن "خروج المرأة للعمل هو هروب من مهمتها الأصلية، وهي تربية الأبناء، المرأة المصرية تقول إنه يجب أن تخرج لبناء المجتمع، ونسيت أن قولها هذا هو قول مغلوط، لأن العكس هو الصحيح، فالنساء يخرجن لهدم المجتمع لا لبنائه".

وهاجم مجانية التعليم: "من قال إن دولة متخلفة (مصر) في العالم الثالث ما زالت في بدء المحاولات لكي تنهض، تشرع بمهمة توظيف كل أفرادها، وتأخذ على عاتقها تعليم الأغلبية بالجامعة، إننا ننسى أن من يتعلم بالجامعة في الولايات المتحدة يدفع الكثير حتى يمكن له ذلك».

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيداً عن التجاذبات السياسية القائمة.

كلمات مفتاحية
مصر

التعليقات

المقال التالي