المنتصر ذكرٌ والمهزوم أنثى... الأهلي والزمالك يتنافسان رياضيًا والمرأة تُهان جنسيًا

المنتصر ذكرٌ والمهزوم أنثى... الأهلي والزمالك يتنافسان رياضيًا والمرأة تُهان جنسيًا

كثيرًا ما تحمل مباريات القمة، التي تجمع قطبي كرة القدم في مصر، الأهلي والزمالك، العديد من المشاحنات، داخل الملعب وخارجه، وتتعدد محاولات التهدئة، ونبذ التعصب؛ تلك الحساسيات وما يليها، يعُدها البعض من مُتَع اللعبة الأكثر شعبية في العالم، لكن أن تصل المشاحنات إلى الأعضاء التناسلية، واعتبار الفريق المهزوم هو الأضعف جنسيًا، أو بالأحرى الطرف الأنثوي في العلاقة الحميمة، هذا ما استُجد في السنوات الأخيرة، بل انتشر، وأصبح مادة للسخرية عقب كل مباراة.

وبالرغم من كون المباراة الأخيرة التي جمعتهما لم تكن ذات أهمية لكليهما، بعدما حسم الأهلي البطولة لمصلحته قبلها بأكثر من أسبوع، فطالها هي الأخرى ما طال غيرها من مشاحنات وتلميحات جنسية، وانتقلت بدورها من الشارع ومواقع التواصل الاجتماعي إلى الصحيفتين الناطقتين باسم الناديين، وهو ما أثار جدلًا في الوسط الصحفي حول أخلاقية مانشيت الفريق الأحمر: «أهلًا بالزمالك مساء الخميس»، وما تصدر صحيفة القلعة البيضاء صباح انتصاره: «الزمالك عريس في قمة الخميس».

الإعلام الرياضي أصبح كله «قلة أدب»

«ما حدث هو قلة أدب، فبالرغم من اعتذار الكاتب الصحفي إبراهيم المنيسي، رئيس تحرير جريدة الأهلي، وتأكيده أن المانشيت لم يُقصد به أية إساءة، لكنه كان بحاجة إلى الحرص أكثر من ذلك، لأن النوايا وحدها لا تكفي».

أقوال جاهزة

شارك غردالكوميكسات الجنسية التي تنتشر عقب كل مباراة، نجدها جميعًا تجعل من الطرف الأقوى (المنتصر) ذكرًا، والأضعف (المهزوم) أنثى، وهذا من نتاج ثقافة شعبية أصيلة في المجتمع المصري

شارك غردمفهوم الشرف في مصر يتمحور حول نساء العائلة، فلو أردت إهانة شخص، يكفي أن تطعن في شرف أمه أو أخته أو زوجته، والملاعب المصرية تحفل بذلك

بهذه الكلمات استهل الناقد الرياضي عبد المنعم فهمي حديثه لرصيف22، مشيرًا إلى أن الصراع بين الأهلي والزمالك انتقل من المستطيل الأخضر إلى المحللين والصحافة، إذ لا يوجد رادع سواء من نقابة الصحفيين، أو رابطة النقاد الرياضيين.

كل ذلك لم يكن موجودًا في السابق، مضيفًا: «والسبب في ذلك هو مسايرة البعض للرائج في الشارع وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، دون الارتكان إلى الوازع الأخلاقي، أو ميثاق العمل الصحفي، ومن لا يستطيع كبح جماح انحرافاته الداخلية، والسعي خلف الأكثر مبيعًا، فالأكرم له الجلوس في بيته».

وتابع: «الوسط الرياضي منذ أن دخله من لا يرفعون قيمة اللعبة، وأهميتها في إمتاع المتلقي، أصبح يحرض أكثر على العنف، كأن يُقال الفريق المنتصر ضرب المهزوم على قفاه، كل ذلك كان تمهيدًا للإيحاءات الجنسية المنتشرة حاليًا».

ويقول الدكتور ياسر عبد العزيز، الخبير الإعلامي، إن مصادر هذا السلوك متعددة، أبرزها: الحالة الكروية المتردية التي وصلت لها مصر في السنوات الأخيرة، وبما أنها لعبة شعبوية بالأساس، سنجد من يعملون بها من لاعبين أو محللين، أو معلقين، لا يتورعون عن النيل من سُمعة خصومهم على الهواء مباشرة في برامجهم التي تبث ليلًا طوال ثلاث ساعات، بالإضافة إلى البذاءة العمومية، على حد وصفه، إذ استباح الشارع المصري السباب في العلن، وهذا السلوك انتقل للملاعب والمهتمين بالشأن الرياضي.

وقال عبد العزيز لرصيف22: «هذان العاملان دفعا أصحاب النزعة الانتهازية في الإعلام التجاري، الساعي دائمًا للربح، إلى استثمار المشاحنات واللعب على أوتارها وجني الملايين من ورائها».

المرأة «مرمى» الإهانة

بالنظر إلى الكوميكسات الجنسية التي تنتشر عقب كل مباراة، نجدها جميعًا تجعل من الطرف الأقوى (المنتصر) ذكرًا، والأضعف (المهزوم) أنثى، وهذا من نتاج ثقافة شعبية أصيلة في المجتمع المصري، فأي تهديد من شخص لآخر يكون بممارسة الجنس معه وجعله في مكانة المرأة المفعول بها، وكذلك السباب، من النادر جدًا أن يسب شخص أبا الآخر، بل أمه، وعضوها التناسلي هو محور الإهانة.

في هذا الإطار، تقول نيفين عبيد، الباحثة في قضايا النوع الاجتماعي، إن مجتمعنا يعاني من السلطة الأبوية، المرسِّخة للفكر الذكوري، وتقييم العلاقات في مصر يقوم على أساس بدائي، فالذكر المكتمل الرجولة هو القادر على إقامة العلاقة الجنسية بعنترية وفحولة، والمرأة الجميلة هي الجاذبة جنسيًا.

وتابعت نيفين لرصيف22: «مفهوم الشرف في مصر يتمحور حول نساء العائلة، فلو أردت إهانة شخص، يكفي أن تطعن في شرف أمه أو أخته أو زوجته، والملاعب المصرية تحفل بذلك، فأي شِجار كروي يحدث بين اثنين من اللاعبين، على الفور تبرز الأعضاء التناسلية الخاصة بسيدات العائلة في سبابهما، وهو ما تنقله الميكروفونات، أو الكاميرات من خلال حركة الشفاه».

وأشارت إلى أن المجال الرياضي في مجمله يهمش المرأة، فلا تُمثل بصورة مناسبة في انتخابات الأندية، ولا تُكرم إنجازاتها كما يفعلون مع غيرها، وتقول: "لدينا في مصر العديد من الفتيات الحاصلات على ميداليات ذهبية وفضية وبرونزية في منافسات دولية بألعاب مختلفة، لكنهن يُقابلن بإقصاء متعمد. وفي المقابل تتصدر كرة القدم الرجالي المشهد، رغم ما يعتريها من تراجع رياضي وأخلاقي".

من السبي في الحروب للاحترام الشكلي

ويرى الدكتور سعيد صادق، الباحث في علم الاجتماع، أن ظاهرة اعتبار المرأة الطرف الأضعف في المجالات التنافسية ليس جديدًا على المجتمعات العربية، والمصرية بشكل خاص، التي تقوم في أساسها على السلطة الذكورية، والتملك، والاستعلاء الجنسي.

ويقول لرصيف22 إن استضعاف المرأة في المجال التنافسي، ترسخه بصورة أكبر المعارك الحربية منذ القدم، إذ أول اهتمامات المحاربين هو سبي النساء، وإهانتهن جنسيًا، وهذا ما استمر حتى قيام ثورة يوليو، عندما قام بعض الضباط الأحرار بابتزاز الأميرات التابعات للعصر الملكي جنسيًا في مقابل خروجهن من مصر سالمات.

واستطرد: «استمرت ظاهرة سبي النساء بشكلها الأكثر حداثة في عهد المخابرات الستينياتي، من خلال توظيف الفنانات وغيرهن في الإيقاع بالجواسيس، والمعارضين للحكم، انتقالًا للسبعينيات، التي توغل فيها الفكر الانفتاحي الذي انتهجه السادات، والذي كان سببًا في انتشار كل ما هو شكلي: الدين، وممارسة العمل السياسي، والرياضة، ومن ثم احترام المرأة، واعتبارها شريكًا رئيسًا في المجتمع».

كلمات مفتاحية
السبي كرة القدم

التعليقات

المقال التالي