الرابط الغريب بين العقل والقدمين: لماذا يساعدنا المشي على التفكير بشكلٍ أفضل؟

الرابط الغريب بين العقل والقدمين: لماذا يساعدنا المشي على التفكير بشكلٍ أفضل؟

منذ أيام الفلاسفة اليونانيين، حاول العديد من الكتّاب والأدباء اكتشاف سرّ العلاقة الغريبة بين المشي والتفكير والإبداع، فقد تحدث "أدام غوبنيك" في "نيو يوركر" عن أهمية المشي قائلاً:" ما الجدوى من أن تجلس للكتابة، وأنت لم تقف للعيش"، وبدوره كتب "هنري ديفيد ثورو" في مذكراته ما يلي:" في اللحظة التي تبدأ فيها ساقاي في التحرك، يبدأ تفكيري في التدفق"، أما "توماس دو كانكي" فقد أشار إلى أن "ويليام وودزوورث" سار حوالي 180 ألف ميل في حياته، أي 66 ميلاً في المتوسط في اليوم الواحد منذ أن كان في سن الخامسة من عمره.

فمن داروين ونيتشيه وصولاً إلى ويليام ووردزوورث وأرسطو، تطول قائمة النوابغ الذين كانوا مهووسين بالمشي عند التفكير.

ولكن لماذا يعتبر المشي مفيداً للتفكير وملهماً لأصحاب الفكر والأدب؟

الرابط الغريب

"نظراً لكوننا لا نضطر إلى تكريس الكثير من الجهد للمشي، فإن انتباهنا يصبح حراً في التجول لتطويق العالم أمامنا من خلال استعراض صور من مسرح العقل"، هذا ما توصلت إليه الدراسات الحديثة التي حاولت بطريقةٍ مباشرة قياس الوسيلة التي يغيّر بها المشي العملية الإبداعية.

via GIPHY

تحدث موقع "نيويوركر" عن العلاقة بين العقل النشيط والجسم النشيط، مشيراً إلى أنه عندما نذهب في نزهة، تتسارع دقات القلب بشكل أسرع ويتدفق بالتالي المزيد من الدم والأوكسيجين ليس فقط في العضلات بل في جميع أعضاء الجسم، بما في ذلك الدماغ، مما يحدث تغييرات إيجابية داخل رؤوسنا.

وبالفعل، أظهرت غالبية الدراسات والتجارب العلمية أنه أثناء وبعد ممارسة التمارين الرياضية، حتى لو كانت هذه امصحوبة بمجهودٍ خفيف، فإن أداء الأشخاص يصبح أفضل في الاختبارات المتعلقة بالذاكرة والتركيز، خاصة أن المشي بشكل منتظم، يخلق روابط جديدة بين خلايا الدماغ، مما يزيد من حجم منطقة "هيبوكامبيس" المسؤولة عن الذاكرة.

أقوال جاهزة

شارك غردعندما نذهب في نزهة، تتسارع دقات القلب ويتدفق بالتالي المزيد من الدم والأوكسيجين في جميع أعضاء الجسم، بما في ذلك الدماغ، مما يحدث تغييرات إيجابية داخل رؤوسنا

شارك غردالمشي هو مدخل للإبداع والأفكار المتحررة، إذ تبيّن أنه يسهل من عملية التدفق الحر للأفكار، ويقيم توازناً بين إيقاع الجسم والحالة العقلية.

فبعد قيامهما بالعديد من الدراسات، من بينها إخضاع 196 طالباً جامعياً إلى اختبارات مختلفة تتعلق بالتفكير الإبداعي أثناء الجلوس، والمشي على "ترادميل" أو التنزه في حرم جامعة ستانفورد، تبيّن لكل من "ماريلي أوبيزو" و"دانيال شوارتز" من جامعة ستنافورد، أن المشتركين الذين ذهبوا في نزهةٍ مدتها بين 5 و16 دقيقة، سجلوا درجة أعلى في اختبارات الإبداع من أولئك الذين ظلوا جالسين في مكانهم.

ومن بين هذه الاختبارات، طلب من المشتركين تحديد الاستخدامات غير النمطية للأشياء التي نستخدمها بشكل يومي كالأزرار أو الإطارات، واتّضح أن الطلاب فكروا في 4 أو 6 استخدامات جديدة للأشياء حين تمشّوا.

واللافت أن الآثار الإبداعية بقيت ترافق المشتركين الذين تخلوا عن مقاعدهم وذهبوا في نزهة حتى بعد جلوسهم من جديد.

في سياق متصل، أكدت الأبحاث أن المشي يمكن أن يؤثر بدوره على مهارات حل المشاكل، خاصةً المسائل الحسابية المرتبطة بالأرقام والرياضيات، إذ يوضح موقع "مانتال فلوس" أننا نجمع الأرقام بشكل أفضل حين نتحرك صعوداً على الدرج، ونكون أفضل في طرح الأرقام حين نسير إلى الأسفل.

التناغم بين إيقاع الجسد والحالة العقلية

بالرغم من أن المشي لن يحولكم إلى عباقرة، فقد يكون مدخلاً لإطلاق العنان لإبداعاتكم وأفكاركم المتحررة، إذ تبيّن أن المشي يسهل من عملية التدفق الحر للأفكار، ويقيم توازناً بين إيقاع الجسم والحالة العقلية...

بمعزل عن التغييرات الفيزيولوجية التي تحدث للجسم، فإن المشي له وقع خاص على طريقة تفكير الشخص، فكما يمكن لإيقاع الموسيقى أن يشكل مزاجنا، فإن أقدامنا يمكنها بدورها أن تحفز وتشكل إبداعنا.

وعليه يمكن القول إن الطريقة التي تتحرك بها أجسادنا تغيّر من طبيعة أفكارنا، والعكس صحيح.

via GIPHY

أوضح موقع "نيويوركر" أن الاستماع إلى الأغاني التي تحمل إيقاعاً عالياً، يحفز المرء على العمل بشكل أسرع، كذلك عندما يستمع السائقون إلى الموسيقى العالية والسريعة، فإنهم بغير وعي يدوسون بشكل أقوى على دواسة الوقود، غير أن المشي الخاص بنا يخلق صلة وصل وحالةٍ من التوازن ما بين إيقاع أجسامنا وحالتنا العقلية، وهي مسألة لا يمكن اختبارها في صالات الجيم، أو عند قيادة السيارة أو اثناء اعتماد أي وسيلة نقل أخرى، على حدّ قول الموقع:

"عندما نتنزه، تتسارع وتيرة أقدامنا بشكل طبيعي وفق مزاجنا، وفي الوقت نفسه بامكاننا تغيير مسار التفكير سواء عن طريق المشي بوتيرةٍ أسرع أو عن طريق التباطؤ".

ولكن لماذا يكون السير في معظم الأحيان ذهاباً وإياباً، مراراً وتكراراً خاصة أثناء المكالمات الهاتفية؟

يجيب موقع "مانتال فلوس" عن هذا السؤال بالقول إن السير بهذا الشكل قد يكون طريقة لا شعورية للتعامل مع القلق، إذ تشير الأبحاث إلى أن السلوك التكراري يمكن أن يساعد في إدارة مستويات التوتر عند الشعور بالخسارة أو بأن الأمور خرجت عن نطاق السيطرة.

ففي الأفلام كما في الحياة العادية، نلاحظ أنه عندما يجد الشخص نفسه في مأزق أول ما يقوم به هو النهوض من مكانه والمشي بخطوات متسارعة يميناً ويساراً بهدف إيجاد حل لمعضلته.

من جهته يوضح موقع "إينك" أنه مع مرور الوقت، وعند التحدث وجهاً لوجه مع الأشخاص، فإن الدماغ يربط عدة عناصر بعضها ببعض، مثل نغمة الصوت، واختيار الكلمات، العاطفة، الإيماءات... إلا أنه أثناء التحدث عبر الهاتف، فإن ردة الفعل على الحديث لن تكون ملموسة، ومع ذلك فإن الروابط التي قام الإنسان بتشكيلها تعني أن أجزاء الدماغ المرتبطة بالحركة لا تزال تعمل:" يحاول الدماغ بشكل رئيسي ملء ما يعتبره مفقوداً، فتترجم الاستجابات العاطفية إلى حركاتٍ جسدية".

Yoga walking

بخلاف ما يعتقد البعض، فإن ممارسة اليوغا لا تكون بالضرورة عبر اتخاذ وضعية الجلوس والتمدد على الأرض، بل قد تكون أيضاً عبر المشي.

فالYoga walking هي عبارة عن أسلوب "يوغا" قديم في الهند يعتمد على فكرة المشي لتحسين المزايا العقلية والبدنية.

يشير موقع "primewomen" إلى أن تقنية Yoga walking تعني ممارسة "الانتباه العقلاني" أي إعادة الاتصال بأجسامنا أثناء المشي والتركيز على إيقاع خطواتنا مما يساعد العقل على التحلي بالهدوء، كما أن الإيقاع المتكرر لربط مسألة التنفس بالخطوات يؤدي إلى حالة من الهدوء وتلاشي الأفكار السلبية والمخاوف، عن طريق جعل العقل يركز على اللحظة الحالية.

بدوره يرى موقع "lexiyoga" أن هذا النوع من اليوغا يحمل فوائد شاملة للجسم، إذ يغير إيقاع الجسم، جنباً إلى جنب مع إيقاع القلب ويحسن من التركيز البصري، وتوازن العضلات، وتنشيط الدماغ وتحسين الحالة المزاجية.

وبالتالي أكد الموقع أن الyoga walking تعزز الطاقة والوعي، وتعطي المرء وضوحاً عقلياً وقدرة بديهية أكبر، إضافة إلى التشديد على مسألة التعلم والإبداع.  وتقوم ممارسة اليوغا من خلال المشي بتغذية الروابط بين النفس والطبيعة والإنسانية.

التعليقات

المقال التالي