البوفيه: قهوة صغيرة لتدخين نرجيلة رخيصة بصمت ولقاء الديلر بعيداً عن مخبري الحكومة

البوفيه: قهوة صغيرة لتدخين نرجيلة رخيصة بصمت ولقاء الديلر بعيداً عن مخبري الحكومة

يميل صاحب المزاج دائماً إلى البراح، حيث المكان يتسع لأنشطتك ويداعب خيالاتك، لكن هؤلاء مزاجهم المختلف بعض الشيء، يبحثون عنه في بوفيه صغير لا تتجاوز مساحته الـ3 أمتار، يقيده في صنوف المشروبات ويفرض عليه طقوساً معينة.

لنتعرف معاً على عالم البوفيهات الصغيرة في قلب القاهرة، ونظيرتها من الغرز الشعبية التي يمرح فيها أهل الكيف.

بوفيه السعادة

يافطة زرقاء باهتة معلقة على باب خشبي عتيق تحمل اسم "بوفيه السعادة"، هي البوصلة اليومية لموظفين وحرفيين كثر ممن يقطنون ويعملون بمنطقتي عابدين وباب اللوق، الواقعتين على أطراف ميدان التحرير.

هنا يحصلون على الاصطباحة قبل الذهاب إلى عملهم قرب الثامنة، ويختلسون فيها استراحة الظهيرة على أصوات كركرة النرجيلة، وفيها أيضاً يلقون الوداع على نهار قاس اقتطع جزءاً جديداً من مخزون صحتهم.

يقع البوفيه على نواصي اتجاهات مختلفة، بعضها يقودك إلى ميدان التحرير وأخرى إلى قصر عابدين، لكن المميز أنه يطل على أحد أبواب وزارة الأوقاف.

يعود تاريخ البوفيه إلى منتصف أربعينيات القرن الماضي، كما يبلغنا مالكه سيد الطوخي، ذو الـ60 عاماً، وقد ورثه عن أجداده وتعاقب على إدارته أبناء وأحفاد كثر إلى أن وصلت إليه.

"المكان من أيام الملكية، وزبائنه ثابتون من 30 سنة" يقول الطوخي عبارته هذه التي تؤكدها جدران مقهاه المزين بصور الملك فاروق، آخر حكام الأسرة العلوية.

أقوال جاهزة

شارك غردالبوفيه يعني القهوة الصغيرة في مكان راق كهذا، الكوفي شوب مكان واسع يقدم جميع المشروبات ونرجيلة متنوعة ويسمح بالألعاب، أما الغرزة فتنتشر في الأقاليم والأماكن الشعبية

شارك غردتشعر داخل البوفيه أن رواده يعرفون بعضهم بعضاً. لكن هذا لا ينعكس على جلسات الثرثرة، إذ تستطيع أن تمضي نصف ساعة دون أن تفتح حديثاً مع أحد، فكل واحد مشغول مع نفسه.

البوفيه يحوي نحو 15 كرسياً وطاولات خشبية وتلفازاً قديماً لا يكترث أحد لما يبثه، وعلى مدار الفترات الثلاث لليوم لن تلمح إلا وجوهاً تكسوها التجاعيد ولا تخلو الأفواه من مباسم النرجيلة.

يشرح الطوخي الفرق بين البوفيه والمقهى والغرزة الشعبية: "البوفيه يعني القهوة الصغيرة في مكان راق كهذا، الكوفي شوب مكان واسع يقدم جميع المشروبات ونرجيلة متنوعة ويسمح بالألعاب، أما الغرزة فتنتشر في الأقاليم والأماكن الشعبية".

ينتقل الطوخي بخفة لا تناسب سنّه بين نصبة الشاي وأحجار المعسل، وفي هذه الأثناء يحرص على تحية زبائنه في كل مرة يجلسون فيها: "البوفيه محجوز للموظفين الدائمين ولقليل من الحرفيين بحكم تأسيسه بين أروقة الدواوين في عابدين وباب اللوق".

في ركن منزوٍ، يجلس أحمد توفيق، أحد موظفي وزارة الأوقاق، الذي اعتاد شرب النرجيلة "القص" 3 مرات يومياً في بوفيه السعادة.

يقول "أحتاج إلى الخروج من الحين للآخر للحصول على حجر، هذا ما أجده في مكان ضيق كهذا، لا يتحدث فيه أحد كثيراً أو تتعرض لأي مؤثرات مثل الكوفي شوب"، وهو ما يفسره الطوخي بفرضه قواعد صارمة للحفاظ على هدوء المكان، منها عدم سماحه بلعب الدومينو والطاولة التي تشتهر بها المقاهي الصاخبة في مصر.

داخل بوفيهات القاهرة لا تحصل على مشروبات مثلجة، فلا مكان للثلاجات هنا، لذا تتميز بالشيشة النظيفة المتقنة، كما أن مشروباته الساخنة كالشاي والقهوة واليانسون والحلبة والكركديه رخيصة مفارنةً بأسعار المقاهي.

يوضح الطوخي أن أغلى مشروباته لا يتجاوز 4 جنيهات كالقرقة والجنزبيل، فيما يقدم القهوة بجنيهين ونصف الجنيه وحجر النرجيلة الواحد بجنيه ونصف الجنيه.

تشعر داخل البوفيه أن رواده يعرفون بعضهم بعضاً. لكن هذا لا ينعكس على جلسات الثرثرة، إذ تستطيع أن تمضي نصف ساعة دون أن تفتح حديثاً مع أحد، فكل واحد مشغول مع نفسه.

لا يسمح الرجل الستيني بتكرار وجود الزبائن الجدد في أمكنتهم، كذلك يمنع الاختلاط بين الجنسين، فلا تجد سيدة تحتسي الشاي أو تطلب الشيشة، بدعوى أن الجلسات المفتوحة بين الجنسين تسيء إلى سمعة المكان.

هنا ضريح سعد.. الحكومة على الرصيف

ممر صغير لا يتجاوز عرضه المتر هو كل رأس مال محمد حسن في الحياة، يوظفه في تقديم مشروبات الساخنة والنرجيلة لموظفي القطاع الحكومي الذين تكتظ بهم منطقة جاردن سيتي.

في شارع ضريح سعد، القريب من مقار الوزارات ومجلس النواب، لا تخطئ عيناك عشرات الكراسي المتراصة على الرصيف مع كل صباح. هنا يبدأ الموظفون يومهم على أبواب 3 بوفيهات تفصل بعضهم عن بعض بضعة أمتار.

تتبارى هذه البوفيهات في تقديم نرجيلة تتحكم في إيقاع يومهم الذي يبدأ في الثامنة وينتهي عند الثانية بعد الظهر، وهو ما يتباهى حسن به: "نقدم أحسن شيشة في المنطقة، لذا يفضل الموظف البوفيه على القهوة العادية".

تأسس بوفيه محمد حسن منذ سبعينيات القرن الماضي، ومنذ تاريخه وهو يخدم قطاع الموظفين الموجودين بوزارات التعليم والإسكان والصحة، هؤلاء هم جمهورها الأساسي، إضافة إلى بعض سكانها الأصليين.

يقول محمد شكري، أحد موظفي مجلس النواب، إن البوفيه يمنحه حالة خاصة لا تتوافر في المقهى العادي الذي يرتاده في محيط سكنه بالمعادي، فهو يشعر هناك بالاختلاء بنفسه بين فترات العمل.

بوفيه بطعم الغرزة

لا يوجد حصر معين بعدد بوفيهات القاهرة التي تقع جميعها في منطقة وسط البلد، فخارج دائرة الشهرة لا يصير اسمه بوفيهاً بل غرزة، ذلك المكان الذي يعد المشروبات الساخنة، بعضها يسمح بالجلوس فيه وأخرى لا تقدم فيها النرجيلة، إذ يقتصر دورها على توزيع المشروبات على المحال.

إلا أن هناك أماكن في وسط المدينة تتقاسم فيها صفات البوفيه والغرزة والمقهى كونها تقع خلف خرابة مهجورة بشارع محمد محمود.

يتسع المكان لتحضير المشروبات وموقد النرجيلة، على غرار المقاهي، ولا يوجد موضع لقدم بداخله، لذا ترص الكراسي أمام السور المهجور.

المكان يغطي احتياجات شريحة صنايعية غيارات السيارات التي تعمل بمنطقة التحرير، لكن الصحافي الثلاثيني إبراهيم عطية يقصده كثيراً كلما احتاج إلى الاختلاء بذاته.

يقضي عطية معظم أوقاته بين منطقتي البحوث والمهندسين، وتبقى "غرزة الخرابة" وجهته الأولى في منطقة وسط البلد. "تشعر براحتك وخصوصيتك داخل الغرزة، كل واحد مع نفسه عكس التركيز مع الآخرين في المقاهي الكبيرة".

يلفت عطية إلى أن ما يميز عمال الغرز، وتحديداً غرزة وسط البلد، تعاملهم على سجيتهم بدون تكلف أو تتطفل على شؤونك، مشيراً إلى أنها تعتبر أحد مصادر إلهامه، سواء في التفكير أو الكتابة.

يشير عطية إلى أن هذا المكان يسمح لك باحتساء مشروبات كحولية "متخفياً" كونه مكاناً منزوياً إلى حد ما، لا يقصده كثيرون، كما لا يتعرض لمضايقات البلدية المحلية.

كوبري خشب.. ملتقى "الضريبة"

شارع واحد يفصل بين البحوث وبولاق الدكرور، لكن عبور كوبري خشب القائم منذ زمن طويل كأنك عبرت نهراً عابراً للقارات، فتصطدم بمنحينات الشوارع والبنايات غير المنتظمة، وكذلك المقاهي التي تقابلك في عمق الأسواق الشعبية.

مع أول منعطف في منطقة بولاق الدكرور، تبدأ رحلتنا داخل هذه الغرزة، لا تتوقع أن تحمل الغرزة اسماً، يقصدها العابرون والكثير من أهالي المنطقة.

تتناثر كراسيها وأرائكها الخشبية بشكل عشوائي، فتجد مصطبة عريضة في الشارع يحتلها كبار السن، وفي خلفها مجلس آخر يلتف حول شجرة غير واضحة الامتدادات.

تتنوع الفئات التي تقصد الغرزة بين الصنايعية وتجار الفاكهة وقليل من الموظفين، وأهل الكيف الذين يفضلون هذا النوع، كمركز إستراتيجي لقضاء الحاجة بين زحام المارة ونداءات الباعة.

يقول محمد حسام، اسم مستعار، إنه يقصد الغرز الشعبية بكوبري خشب لمقابلة الديلر من أجل الحصول على تموين الأسبوع من الحشيش، في مكان بعيد عن أنظار مخبري الحكومة.

سيد علاء صحافي صعيدي يجد في هذه الغرزة ما يستعيض به عن شكل الغرز القديمة في مسقط رأسه بمحافظة سوهاج، فهو مكان يختلط فيه الخلق بمختلف تفاصيلهم ومستوياتهم بدون أسباب.

يقول علاء، الذي تقع مقر جريدته على بعد كيلومترين، إن الغرزة أسعارها رخيصة وتتميز بنرجيلة عالية الجودة عن نظيرتها في الكوفي شوب، كما أنه لا يركز كثيراً مع زحام السوق وسلوكيات رواده.

وفي شارع الترعة بالمنطقة ذاتها، لا تتعجب إن وجدت مجموعة من الشباب متلفّين حول "نصبة شاي" ويدخنون الحشيش ويتعاطون أقراص الأستروكس.

سوهاج غرزة الغول

في سوهاج أيضاً، كون المحامي سيد عبد الرحمن أفكاره عن الغرز بفضل تجربته الطويلة مع غرزة الغول، القريبة من مقر جامعة سوهاج، فهناك قضى معظم أوقات الدارسة.

مدخل حارة لا يتسع عرضها مترين مناسبة لدكتين، وتقتصر المشروبات على الشاي والحلبة والقهوة والمعسل القص.

"مكان ضيق دافئ في الشتاء ورخيص في آن واحد، قدح شاي ببريزة وحجر معسل ربع جنيه" يسترجع عبدالرحمن ذكريات الغول.

ويشير عبدالرحمن إن الغول كانت مكاناً مناسباً للأصحاب والتجمعات الشبابية في جميع الأوقات، رغم أن المقاهي كانت موجودة لكن هذا كان ملاذه في هذا التوقيت.

الآن، الغول تحولت إلى كوفي شوب كبير بعد إزالة المباني المجاورة، إلا أنها ما زالت تحمل معها تفاصيل لافتة في رأس المحامي سيد عبدالرحمن.

التعليقات

المقال التالي