لماذا نُدمِن المسلسلات التلفزيونية ونقع في حب أبطالها؟

لماذا نُدمِن المسلسلات التلفزيونية ونقع في حب أبطالها؟

انطلق شهر رمضان ومعه انطلق "ماراثون" المسلسلات التلفزيونية التي تتأرجح بين الدراما والكوميديا وبين الإثارة والرعب.

"مش حتقدر تغمض عينيك" هذا الشعار الأساسي التي ترفعه القنوات هذا الشهر، إذ تتنافس على بث أضخم البرامج لكسب أكبر نسبةٍ من المشاهدين وجعلهم يتسمرون أمام شاشاتها طوال ساعات من دون أخذ قسط من الراحة بين مسلسلٍ وآخر.

الهيبة، هارون الرشيد، لعنة كارما، طريق، لدينا أقوال أخرى... عيّنة من مسلسلات كثيرة ستجذب المشاهدين وتتحول إلى "حديث الصالونات" خلال شهر رمضان، فما هو سرّ هوس الناس بالمسلسلات التلفزيونية؟

إدمان الشاشة

ما هي علاقة الدماغ بالإفراط في متابعة المسلسلات؟

via GIPHY

تشرح الأخصائية في علم النفس السريري "ريني كار" أن الشعور بالرضا بعد مشاهدة المسلسلات يعود بشكل رئيسي إلى المواد الكيميائية التي يطلقها الدماغ:

"عندما تنخرطون في نشاطٍ ممتعٍ، مثل مشاهدة التلفاز "بشراهة"، يفرز دماغكم الدوبامين، وهي المادة الكيميائية التي تعطي جسمكم متعة داخلية مما يعزز المشاركة المستمرة في هذا النشاط، خاصة أن الشعور بالراحة يجعل دماغكم يقول لكم: "استمروا في هذا العمل...".

أقوال جاهزة

شارك غرد"عندما تنخرطون في مشاهدة التلفاز "بشراهة"، يفرز دماغكم الدوبامين، وهي المادة الكيميائية التي تعطي جسمكم متعة داخلية مما يعزز المشاركة المستمرة في هذا النشاط.

شارك غردعندما ترتبطون عاطفياً بشخصية ما، وبالرغم من احتمال ألا تكون هذه الشخصية نفسها في العالم الحقيقي، يحسّ دماغكم بالعواطف البشرية التي تصورها هذه الشخصية فيخلق الشعور بالارتباط بها.

في الواقع، تشبه "كار" العملية التي نتعرض لها أثناء الإفراط في مشاهدة البرامج التلفزيونية بما يحصل فعلياً عند تعاطي المخدرات، وتقول:"المسارات العصبية التي تسبب إدمان تعاطي الهيروين أو الإدمان الجنسي، هي نفسها التي تؤدي إلى الإدمان على المشاهدة"، مشيرةً إلى أن الجسم لا يقاوم اللذة وبالتالي يكون الإدمان على أي نشاطٍ أو مادةٍ تعزز من إطلاق الدومابين.

via GIPHY

التعلق بالشخصيات

بالرغم من أننا نعي جميعاً أن ما نشاهده هو محض خيال ولا يمت إلى الواقع بصلة، فإن التعلق بالشخصيات التلفزيونية مسألة لا مفرّ منها، لدرجة تجعلنا نخلط بين الواقع والخيال، ونصبح عاجزين عن فصل نفسنا عمّا هو زائف.

تشير الأخصائية في علم النفس "دانييل فورشي" إلى أنه ليس الخيال الكامن وراء البرنامج التلفزيوني هو الذي يوجهكم، بل المشاعر الحقيقية التي ينقلها لكم فريق التمثيل.

من هنا تؤكد "فورشي" أنه من الطبيعي جداً أن يتعلق المرء بشخصية "خيالية" على شاشة التلفاز نتيجة ملامسة دماغه للعواطف البشرية، وتقول:"عندما ترتبطون عاطفياً بشخصية ما، وبالرغم من احتمال ألا تكون هذه الشخصية نفسها في العالم الحقيقي، يحسّ دماغكم بالعواطف البشرية التي تصورها هذه الشخصية فيخلق الشعور بالارتباط بها...".

وتشرح "جنيفير بارنز"، أستاذة علم النفس في جامعة أوكلاهوما، أن مسألة الإدمان على المسلسلات تعود بشكل أساسي إلى عدم قدرة الدماغ على التفريق بين العلاقات الحقيقية والعلاقات الخيالية، فتختلط العواطف التي يمكن أن يجنيها المرء جرّاء مشاهدة برنامج تلفزيوني بانتظام كتعزيز احترام الذات، والشعور بالوحدة، والشعور بالانتماء...

via GIPHY

وبالرغم من أن العلاقة التي يعقدها الإنسان بينه وبين المسلسلات قد تبدو حقيقية، فإن علم النفس يعرفها بParasocial relationships أي "علاقات طفيلية" تحصل من جانب واحدٍ بحيث أن الطرف الأول يظهر عاطفته واهتمامه بالطرف الثاني، في حين أن هذا الأخير يكون في الغالب غير مدركٍ حتى لوجوده:

عندما تشاهدون بانتظام مسلسلاً ما وتتعلقون بإحدى الشخصيات، فمن المحتمل أن تعرفوا كل شيء عنها، وعن أصدقائها، وهواياتها، وأمكنتها المفضلة... ولكن في المقابل فإن شخصيتكم المفضلة لا تعرف أي شيء عنكم.

إطلاق العنان للمشاعر

تلفت "بارنز" إلى أنه من المنطقي أن نشعر بالحزن حيال وفاة شخصية معيّنة، أو أن نتعاطف معها عندما تأخذ قصتها منحىً سلبياً، لأننا نكون قد أنفقنا الكثير من الوقت والجهد لمتابعة مجريات الأحداث، وتصبح الأمور معقدة أكثر خاصة حين نشعر بأننا نمر في ظروف مماثلة لما تعيشه الشخصية في المسلسل.

وترى أن الشخصيات التلفزيونية سرعان ما تتحول إلى أصدقاء لنا، وبالتالي من الطبيعي التعلق بها، وذرف الدموع على معاناتها: "صحيح أن الحزن عاطفة سلبية لا نستمتع بها، والبرامج المأسوية تجعلنا حزينين، ومع ذلك يبدو أننا نستمتع بمشاهدتها".

وتعطي "جنيفير بارنز" الضوء الأخضر في مسألة إطلاق العنان لمشاعرنا أثناء مشاهدة مسلسلات تلفزيونية: "ما دام ذلك لا يسبب لنا ضيقاً شخصياً، أو يؤثر سلباً على قدرتنا على عيش حياتنا اليومية"، مؤكدةً أن الشعور بالحزن على أبطال المسلسلات قد يكون مفيداً إذ "يجعلنا نشعر أننا على قيد الحياة".

ولكن أين تصبح متابعة البرامج والمسلسلات مشكلة حقيقية؟

يصبح التّعلق بالمسلسل خطيراً عندما يعطي المرء أولوية لما يشاهده على الشاشة على حساب الأشخاص الحقيقيين والأحداث التي تحصل في العالم الحقيقي، بحسب ما تشير إليه "دانييل فورشي": "عندما نكون شهوداً على تجربة إحدى الشخصيات مع المعاناة، والألم، والسعادة، والخسارة، فإن دماغنا يتعامل مع الشعور بالألم كما لو كان حقيقياً".

وقد أوضحت "فورشي" أنه عندما يصبح المسلسل من أولوياتنا على حساب حياتنا الواقعية، تغدو متابعة المسلسلات مسألة غير صحية على الإطلاق.

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيداً عن التجاذبات السياسية القائمة.

التعليقات

المقال التالي