أزمة إنتاج أم خوف من المقارنة بنيللي وشريهان: لماذا غابت الفوازير عن الشاشة؟

أزمة إنتاج أم خوف من المقارنة بنيللي وشريهان: لماذا غابت الفوازير عن الشاشة؟

على مدار سنوات طويلة، كانت الفوازير إحدى أهم العلامات الفنية في رمضان. تجمع شمل الأسرة فبالة شاشة صغيرة تختصر الكثير مما يرغبون في البوح به. كانت منبراً للتثقيف والإمتاع والدهشة. كان موعد عرضها أشبه بلقاء سحري يتم لأول مرة بين حبيبين اعترفا بحبهما للتو. كانت هي رمضان بألوانه وطقوسه ومفرداته المبهجة.

والآن، اختفى كل ذلك ولم يعد له أي أثر.

في عام 1956، عرفت مصر الفوازير لأول مرة عبر الإذاعة، وتحديداً من إذاعة البرنامج العام، إذ كانت الإذاعية الكبيرة آمال فهمي تستضيف أحد الفنانين ليتحدث عن أشياء كثيرة خارج حدود وظيفته كفنان، ويبقى على المستمع أن يعرف من هو الفنان.

كانت الجوائز وقتذاك 5 جنيهات للفائز بالمركز الأول، و4 لصاحب المركز الثاني، و3 للفائز الثالث.

أما أول فوازير على الشاشة فانطلقت في 1961 باسم "على رأي المثل"، كتبها بيرم التونسي، وكانت الفزورة تدور حول مشهد تمثيلي لا يتجاوز عشر دقائق ويطلب من المشاهدين معرفة المثل الشعبي الذي يلخصه المشهد.

وبعد سنوات، بدأت الفوازير تتبلور بصورة أكثر تقنية ومهارة، فدخلتها ممثلة سرعان ما أصبحت نجمة الفوازير الأولى. إنها نيللي، التي بدأت عام 1975 بفوازير "صورة وفزورة"، غقدمت منها 4 أجزاء على مدار أربعة أعوام، وكانت البداية بـ"صورة وفزورة"، أما العام التالي فأطلت في "صورة وفزورتين"، وفي 1977 قدمت "صورة و3 فوازير"، حتى وصلت إلى عام 1978 لتقدم "صورة و30 فزورة".

وقامت فكرة الفزورة على تنكر نيللي في واحدة من الشخصيات المشهورة ليبقى على الجمهور معرفة اسم الشخصية.

استمرت نيللي على هذا المنوال حتى 1981 عندما تعاونت مع صلاح جاهين في فوازير "عروستي"، التي كان المطلوب منها معرفة الشيء المهم الذي تتحدث عنه الفزورة مثل الرغيف واللمبة وغيرهما.

في العام التالي، قدمت نيللي فوازير "الخاطبة"، وكانت تدور حول مهن مختلفة في المجتمع.

أقوال جاهزة

شارك غردأي تجربة فوازير سيتم مقارنتها بتجربة نيللي وشريهان لأنها موروث شعبي. نفتقد وجود فنانة تتمتع بخفة ظلهما.

شارك غردالمنتج يبحث عن الربح، ولن يغامر بتقديم مُنتج فني محتجب منذ فترة طويلة. من هنا يجد الحل في إنتاج المسلسلات أو البرامج لأن الربح فيها مضمون.

بعد ذلك، توقفت نيللي. هنا لمع اسم نجمة جديدة، هي شريهان، التي قدمت في عام 1986 فوازير "أمثلة شعبية"، تبعتها في عام 1987 بفوازير "حول العالم"، التي كانت تصف في كل حلقة بلدًا مختلفاً، وقيل وقتذاك إن الفوازير أسهمت في تثقيف الشعب المصري وعرفته على بلدان لم يكن يعرف عنها الكثير.

وفي عام 1990، عادت نيللي إلى الساحة بفوازير "عالم ورق"، وفي عام 1991 قدمت "عجايب صندوق الدنيا" وتم الإعلان عن جوائز كبرى تمثلت في تليفزيون ملون، وديب فريزر، وجنيهات ذهبية، ورحلات عمرة.

لاحقاً، قدمت نيللي فوازير "أم العريف" التي دارت حول المهن، وفي عام 1995 قدمت فوازير "الدنيا لعبة" حول الألعاب الرياضية. واختتمت مسيرتها في عام 1996 بفوازير "زي النهار ده" حول أحداث تاريخية مهمة.

بخلاف نيللي وشريهان، كانت هناك محاولات لتقديم فوازير بشكل مختلف، حملت توقيع نجوم آخرين، غير أنهم لم يفلحوا في ترك الأثر نفسه الذي تركته النجمتان.

ففي عام 1982 ابتكر فهمي عبد الحميد شخصية "فطوطة" وقدم من خلالها على مدار عامين فوازير لعب بطولتها سمير غانم، بينما قدم عبد الحميد في عام 1988 فوازير "المناسبات" من بطولة يحيى الفخراني وهالة فؤاد وصابرين، ورغم أن الثلاثي معروف بأعماله الكلاسيكية فإنه فاجأ الجمهور بإطلالة كوميدية مختلفة تماماً عما تعوّده من هؤلاء الممثلين.

كما قدم مدحت صالح في عام 1989 فوازير الفنون، التي تناولت الرسم والنحت والغناء وغيرها. وفي عام 1994 قدم محمد الحلو فوازير "قيس وليلى في المدن العربية"، بينما قدمت جيهان نصر فوازير "الحلو ما يكملش" في عام 1997، وقدمت نادين فوازير "منستغناش" في العام التالي، كما قدم وائل نور في عام 1999 فوازير "جيران الهنا"، وجميعها لم تحقق النجاح المطلوب، لذا لم تعش طويلاً في الذاكرة المصرية.

هناك أيضاً فوازير "أبيض وأسود" التي قدمها محمد هنيدي وعلاء ولي الدين وأشرف عبد الباقي في أواخر التسعينيات، وحققت نجاحاً ملحوظاً بسبب خفة ظل الثلاثي واعتماد الفوازير على إعادة تقديم أفلام مصرية بارزة بشكل كوميدي ساخر.

كذلك قدمت نيللي كريم فوازير "حلم ولا علم" في خمس عشرة حلقة، وقدم مدحت صالح فوازير "فرح.. فرح" في عام 2003 مع غادة عبد الرازق.

وأخيراً، جاءت محاولة ميريام فارس لتقديم الفوازير في عام 2010 باسم "فوازير ميريام"، وهي التجربة التي أثارت الجدل وجعلت الجميع يقارن بين ميريام ونيللي وشريهان، مؤكدين أن الساحة لن تأتي بمن يضاهي قدرة الأخيرتين على تقديم هذا اللون الصعب. وقد جاءت فوازير "مسلسليكو" في عام 2013 لمحمد هنيدي لتثبت الطرح نفسه وتؤكد أن الفوازير بلا نيللي أو شريهان بدون معنى.

من هذا المنطلق، كان السؤال: هل توقفت الفوازير وغابت عن الشاشة بسبب خوف النجمات من عقد المقارنة بينهن وبين نيللي وشريهان أم لأسباب إنتاجية كما يدعي البعض؟ وهل يمكن القول انها اختفت كلياً؟ ولماذا لم تتولَّ الدولة تقديمها إذا كانت كما يقال دوماً وسيلة للتثقيف ولمّ شمل العائلة؟

قال الشاعر طارق عمار لرصيف22: أوج تألق الفوازير كان مع بدايات التليفزيون المصري، وطبيعة العصر ووجود كتاب كبار عندهم القدرة على كتابة الفوازير أمثال عبد السلام أمين وجاهين وغيرهما.

وأضاف: التطور التقني وزيادة تعرض المتلقي للتكنولوجيا الحديثة مثل أعمال الأنيميشن والـ3D جعلت الفوازير التي كانت تنتج بحيل بسيطة مثل "الكروما"، تبدو عتيقة، ومع زيادة سرعة إيقاع العصر وتنوع المنتج الترفيهي مع ضعف الكتاب، كان من الطبيعي أن تنقرض الفوازير.

وواصل: ما من فن ينتهي إلى غير رجعة، لكن هناك مقومات لاستعادة "الفوازير"، أولها الكاتب الجيد والكادر الموسيقي الذي يمكنه أن يصيغ هذا القالب، ولا ننسى الفن الاستعراضي الشامل القادر على أن يقدم ممثلاً يجيد التمثيل والغناء والأداء الراقص، إلى جانب مخرج يمكنه صياغة صورة مبهرة تنافس الإنتاج العالمي الذي يجذب المتفرج. وقبل كل ذلك نحن بحاجة إلى منتج لديه الجرأة على أن ينتج هذا النوع من الفن الذي يحتاج إلى ميزانيات ضخمة.

واختتم: لا يمكن الحديث عن توقف الفوازير بسبب الخوف من المقارنة مع نيللي وشريهان، لأننا رأينا فوازير لثلاثي أضواء المسرح و"فطوطة" وسمير صبري وغيرهم، وإذا قارنا في ما بينهم فستجدون أن لكل منهم طعماً مختلفاً.

وقال مصمم الاستعراضات خالد النموري: أي تجربة فوازير سيتم مقارنتها بتجربة نيللي وشريهان لأنها موروث شعبي.

وتابع: نفتقد وجود فنانة تتمتع بخفة ظل نيللي وشريهان. لذا أطالب بإنشاء مسابقة يتم من خلالها الكشف عن نجوم جدد يمكنهم التصدي لهذا النوع من الفن، مع التركيز على الأطفال لأنهم المستقبل.

وقال المخرج السينمائي محمود غالي: يجب الالتفات إلى أن الكليبات جعلت الجمهور يجد فيها بديلاً للفوازير، فهي تضم استعراضات وأغاني بالاعتماد على التقنيات الحديثة. لا يمكن أن نتحدث عن انتهاء الفوازير إلى غير رجعة، فنحن مازلنا متعلقون بها والجمهور يسأل عنها كل عام. للمناسبة تقديم الفوازير الآن أمر يسير خصوصاً في ظل توافر التقنيات المستخدمة في الإخراج والجرافيك والتصوير والإضاءة والمونتاج.

وقال الناقد الفني رامي عبدالرازق: المنتج يبحث عن الربح، ولن يغامر بتقديم مُنتج فني محتجب منذ فترة طويلة. من هنا يجد الحل في إنتاج المسلسلات أو البرامج لأن الربح فيها مضمون.

التعليقات

المقال التالي