فراس الشاطر... "لا أحب أن يقول أحد عنيّ فراس السوري أو فراس اللاجئ"

فراس الشاطر... "لا أحب أن يقول أحد عنيّ فراس السوري أو فراس اللاجئ"

بين مدن في سوريا وتركيا وألمانيا وبين لندن، هاجر بين اللغات والثقافات، وتغذت أخيلته على الاغتراب، هو الذي اعتُقل في السجون السورية قرابة تسعة أشهر على فترات متقطعة إثر مراسلته وكالات أنباء عالمية لنقل صورة ما يحدث داخل سوريا. إنه فراس الشاطر، الشاب السوري الذي كان من المشاركين الأوائل في الثورة السورية.

فراس الشاطر يشارك في التظاهرات ضد النظام السوري

بداية قصته مع النجومية كانت مع اقتراح المنتج الألماني يان هايليغ عليه أن يعملا معاً على إنتاج فيلم "Syria Inside"، وهو مشروع توثيقي يقص للعالم ما يحدث في سوريا من أحداث، ويحكي عن مخيمات اللاجئين المشيّدة على الحدود السورية، حيث كانت تتكدس آلاف العائلات هرباً من صخب الحرب.

قبل أكثر من خمس سنوات، رحل ابن مدينة حمص عن بلاده، تاركاً خلفه نيران المعارك التي لم تنطفئ بعد، لتطأ قدماه ألمانيا.

ظل الشاب البالغ من العمر حالياً 27 عاماً قابعاً في ألمانيا منذ مايو 2013، بعدما وافق المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين على منحه حق اللجوء.

كوميديا نسبية

 

يحب فراس أن يصنع الضحكة ويرسمها على وجوه الناس. رغم ذلك، لا يستسيغ وصفه بالـ"كوميديان". يرى أن الكوميديا نسبية، فقد تُضحك شخصاً وتُغضب آخر. ويقول لرصيف22 إن "الكوميديا ليست دائماً واحدة عند كل الناس".

في ألمانيا، تغيّر مظهر فراس الخارجي. تراه يعلّق قرطاً في شحمة أذنه، ولحيته الطويلة تغطي عنقه، ويهذّبها دائماً عبر مشط حديدي متدلٍّ من سلسلة، لتأخذ الشكل المستدير المهندم.

التحق بجامعة Filmuniversität Babelsberg""، لدراسة الإخراج وصقل مواهبه، هو الذي يمتلك مجموعة من المواهب، مثل التمثيل والإلقاء وتقديم البرامج والمونتاج والإخراج، تمكّنه من إنتاج الأفلام الوثائقية والقصيرة.

امتعض فراس عقب طرح فيلم "Syria Inside"، ربما لأنه لم يحقق الأهداف التي كان يرجوها منه. لذلك قرر أن ينتقل إلى الكوميديا ويبتعد رويداً رويداً عن السياسية.

الشُهْرَة بين الحقد والحب

"شاهدت الكثير من الحقد والكراهية في حياتي. ولكنّي قررت إعطاء الجميع سكر". هذا ما يقوله فراس الشاطر، في إشارة إلى حلقات برنامجه الذي حمل اسم "سكر".

"انصدمت من الشهرة كثيراً كثيراً"، يعلّق عند سؤاله عن شهرته التي جعلته محط حديث وسائل الإعلام حول العالم.

فراس الشاطر يطفئ شمعة عيد ميلاده السابع والعشرين في برلين

لم يكن فراس يتوقع حجم الشهرة التي حققها. يروي أن "التلفاز الصيني حكى عني، اليابان، دول كثيرة، يومياً كنت أسجل قرابة 15 لقاءً صحافياً مع الإعلاميين".

"ارحلوا أيها الأجانب"

فتحت ألمانيا أبوابها لآلاف اللاجئين. كان تفهم الألمان لمآسي هؤلاء ملفتاً جداً، إلا أن أحداثاً عديدة قلبت ثقافة الترحيب لدى بعض الفئات فأطلت برأسها مطالب بترحيلهم.

فراس الشاطر يعرب عن سعادته البالغة عقب الحصول على الإقامة الدائمة

تعالت صيحات المتظاهرين المنتمين إلى حركة بيغيدا وحملوا في إحدى تظاهراتهم لافتات كتبوا عليها: "ارحلوا أيها الأجانب". وقتئذ، تساءل فراس الشاطر: هل كل الألمان هكذا؟

اتبع في برنامجه "سكر" أسلوباً جديداً ليصل بطريقة يسيرة إلى ما يزيد عن 80 ألف مواطن ألماني، ليقدّم لهم صورة مغايرة للسائدة، في قالب كوميدي ساخر.

"استخدمت الكوميديا حينما لاحظت أن المجتمع الألماني لا يميل إلى حس الفكاهة والتشويق"، يقول.

اندماج اللاجئين

ترجّل فراس إلى ساحة ألكسندر في برلين، حاملاً معه كاميرته ولافتة تقول: "أنا لاجئ سوري، أنا أثق بك، هل تثق بي؟ عانقني".

وقف معصوب العينين، منتظراً معانقة الناس له. وقت طويل قطعه واقفاً دون أن يحتضنه أحد من المارة، ولكن بعد أن بدأ البعض بفعل ذلك، راح الكثيرون يقبلون على احتضانه.

"حقاً، كانت ردة فعل قوية ومفاجئة"، يقول فراس. بلغة ألمانية شبه سليمة، بث هذا فيديو على قناة "سكر" في يوتيوب، في يناير 2016.

فراس الشاطر مع صديقه في فريق العمل عقب الانتهاء من عملية الإديتنغ للحلقة السادسة من برنامج سكر

خاطب عبر قناة "سكر" الناطقة باللغة الألمانية، الشعب الألماني حول قضية اندماج اللاجئين في المجتمع المنقسم بشأنهم، بذكاء وخفة ظل، كما تطرّق إلى بعض عادات الألمان.

يوضح فراس أن "الألمان يحتاجون بعض الوقت للاقتناع بشيء جديد، ولكن إذا بدأوا لا يمكن لأحد إيقافهم". لذلك يعتقد أن عملية الاندماج ربما تحتاج إلى وقت طويل.

أقوال جاهزة

شارك غردقال البعض إنه لا يمثل العرب ولا يمثل المسلمين لوضعه قرطاً في أذنه، وكانت المواضيع التي يتناولها في فديوهاته سبباً آخر لكره بعض العرب له... ماذا يقول فراس الشاطر لرصيف22؟

شارك غرد"أنا لا أحب أن أمثل أحداً. لا أحب أن يقول أحد عنيّ فراس السوري، أو فراس العربي، أو فراس اللاجئ، فقط عليه أن يقول فراس الشاطر، فكل شخص يمثل نفسه ويحمل كيانه، وأنا أمثل إنسانية فراس"

تخطت مشاهدات الفيديو أكثر من مليونين ونصف المليون مشاهدة خلال خمسة أيام، فتحوّل فراس من لاجئ سوري عادي يعيش في ألمانيا إلى واحد من ضمن 10 قادة يمثلون الجيل القادم، حسبما صنفته مجلة تايم الأمريكية.

فراس بين الناس

لا يرجع فراس الشاطر سبب نجاحه إلى التطرق إلى قضايا اللاجئين أو إلى تعريفه بعادات الألمان، ولكن السر، برأيه، يكمن في الطريقة الفريدة من نوعها التي اتبعها، وهي الحس الفكاهي، فالألمان كانوا يحتاجون إلى ذلك، في وقت كانت وسائل الإعلام تنقل أخبار اللاجئين في إطار إخباري تقليدي.

فراس يلتقط صورة عقب إلقاء محاضرة حول كتابه "أنا أتقرب إلى ألمانيا"منذ عدة أشهر، تعاقد فراس الشاطر مع قناة "DW" لإنتاج سلسلة فيديوهات ناطقة باللغة العربية، تحت مسمى "فراس بين الناس"، تعرض فيديوهات بطريقة تشويقية للتعريف بعادات وتقاليد الألمان.

يعتبر البعض أن ألمانيا واحدة من أغرب الدول الأوروبية في عاداتها وتقاليدها. حتى توقيت كتابة هذه السطور، أنتج فراس ست فيديوهات، حققت أكثر من 90 ألف مشاهدة.

يستهدف "فراس بين الناس" فئات العرب جميعاً، داخل ألمانيا وخارجها.

"لا أمثل اللاجئين"

عبر برنامج "عل الماشي"، ناقش فراس طرق انخراط اللاجئين في المجتمع وكيفية تعلم اللغة الألمانية وقدّم نصائح لهم.

لم يكتفِ ببرنامج واحد لمخاطبة الجميع من خلاله. أصرّ على التنويع وعلى أن يكون لكل برنامج مسمى خاص للوصول إلى أكبر عدد ممكن من المشاهدين.

يدوّن فراس الشاطر "سكريبت" حلقات برامجه بنفسه. فقط يستعين بمصور ومونتير لتسهيل المهمة عليه حتى يخرج عمله بالشكل المطلوب.

وعن فكرة متداولة تقول إنه عزف عن مناقشة قضايا اللاجئين في ألمانيا، يوضح فراس أنه لم يدّعِ البتَّة في برامجه أنه يمثل اللاجئين في ألمانيا أو أنه يتحدث باسمهم، ويقول إنه يمثّل نفسه فقط في الفيديوهات.

ربما يكون هذا الرد غريباً، ولكنه يبرر ذلك بقوله إنه لم يبحث قضايا لاجئين وإنما حكى عن رأيه الشخصي في بعض الموضوعات.

رسائل عدائية

عن نظرة اللاجئين السوريين إليه في ألمانيا، يقول فراس إنها مسألة نسبية تختلف من شخص إلى آخر. هناك مَن يحبه وترتسم الضحكة على شفتيه أثناء مشاهدته، وهناك مَن يتهكم عليه بالقول السيئ، مشيراً إلى أنه يتلقى رسائل عدائية تنتقد شكله "الغريب"، إلا أنه يؤكد أنه اكتسب محبين أكثر من الذين فقدهم.

قال بعض العرب إن فراس لا يمثل العرب ولا يمثل المسلمين لوضعه قرطاً في أذنه. وكانت المواضيع التي يتناولها في فديوهاته سبباً آخر لكره بعض العرب له.

ولكن فراس لا يعير انتباهاً لذلك ويستمر في تصوير حلقات برامج "فراس بين الناس" و"سكر" و"عل الماشي".

"لا أحب أن أمثّل أحداً"

يقول فراس: "أنا لا أحب أن أمثل أحداً. لا أحب أن يقول أحد عنيّ فراس السوري، أو فراس العربي، أو فراس اللاجئ، فقط عليه أن يقول فراس الشاطر، فكل شخص يمثل نفسه ويحمل كيانه، وأنا أمثل إنسانية فراس".

حينما حصل على الإقامة الدائمة في ألمانيا، في 22 مارس 2017، كان صوت في أعماقه يصرّ على أن هذا من حسن حظه، خاصة بعدما نجح في استقبال عائلته في برلين.

حالياً، لدى فراس حجوزات لتصوير برنامج "ستاند آب كوميدي" مع قنوات عدة حتى نهاية العام.

وبعدما نشر كتابه "أنا أتقرب إلى ألمانيا"، الصادر عن دار نشر "روفولت" في برلين، في 9 أكتوبر 2016، تفاجأ بطباعة أكثر من 50 ألف نسخة منه، فضلاً عن تنظيم محاضرات عنه.

فكر فراس ملياً في أن يقص ما يحدث في سوريا وينشر الصور التي التقطها بعدسته هناك لنشرها في كتاب مستقل يتحدث عن بلاده، ولكنه تراجع عن الفكرة خوفاً من الفشل أو ربما بسبب كثرة مناقشة الوضع في سوريا عبر الإعلام.

"حققت أكثر مما توقعت"

عند سؤاله عن تحقيق أحلامه الآن عقب الشهرة التي نالها، يقول فراس: "إذا حققت الغرض من الحياة فلا بد أن أتوقف. لم أحقق ذلك، ولكنّي حققت أكثر مما كنت أتوقعه".

ويشير إلى أننا لا بد أن نتقصى عن الشيء المغاير في المجتمع حتى ينجح الهدف، قائلاً: "كل العالم كان يتحدث عن اللاجئين، ولكن لم يحكِ أحد عن حالة بمفردها. هنا مكمن الفرس في النجاحات".

"ما يحدث في سوريا عار على العالم"

يصف فراس المشهد السياسي في سوريا الآن بأنه عار على العالم لتقاعسهم عن فعل شيء يخدم السوريين.

لن يعود فراس إلى سوريا إلا في حالة واحدة، فقط إذا توافرت الحرية والكرامة التي يتمتع بها في ألمانيا. لا يريد أن يعيش "مثل القطيع"، على حد قوله.

95% من أصدقاء فراس في سوريا إما هاجروا أو قُتلوا أو هم معتقلون في السجون. لم يتبقَّ منهم هناك إلا شخصين لا يزال يتواصل معهما حتى وقتنا هذا.

يطمح فراس للسفر إلى أفغانستان وباكستان وإيران، دول لا يُعرف الكثير عن ثقافاتها. الصورة المرسومة في أذهان البعض عنها هي أنها تدعم الإرهاب ونشر بذور التطرف في العالم، ولذلك يرغب في السفر إليها لينتج أفلاماً تبيّن "الوجه الآخر لها".

يتشوق فراس إلى لحظة انتهاء مراحل دراسته في ألمانيا، ليتفرغ لإنتاج أفلام وثائقية.

عن حياته العادية، يقول إنه يذهب إلى الجامعة لدراسة الإخراج مع بعض زملائه الألمان، ثم يتجول في شوارع برلين ويلتقط بعدسته المشاهد الخلابة التي تجذب عينيه. وفي نهاية اليوم يعود إلى منزله البسيط ليدوّن أفكاره قبل أن يخلد إلى النوم.


إبراهيم عيد

صحافي مصري حاصل على درجة البكالوريوس في الإعلام من جامعة القاهرة وعمل في مواقع مصرية مختلفة.

كلمات مفتاحية
اللاجئون السوريون

التعليقات

المقال التالي