زلة اللسان تفضح المشاعر والرغبات المكبوتة في العقل الباطني، يقول فرويد

زلة اللسان تفضح المشاعر والرغبات المكبوتة في العقل الباطني، يقول فرويد

أثناء تبادل الهمس والقبلات، تحدث فجأة زلّة لسان لم تكن في الحسبان: ينادي الرجل صديقته باسم حبيبته السابقة. وتقع المشكلة.

هناك مثل عربي يقول "زلّة القدم أسلم من زلّة اللسان". وبالفعل كم مرة سقطنا في الهفوات اللفظية وتسبب كلامنا بضررٍ للطرف الآخر وبالإحراج لأنفسنا؟ لا نبالغ إذا قلنا إن بعض الهفوات اللفظية قد تسبب بأزمات ديبلوماسية ودمر علاقات واتفاقات، ولكن ما سبب الوقوع في الهفوات الكلامية؟

هل هي فعلاً تفضح نيات وأمنيات مدفونة في "اللاوعي"؟

زلة جنسية

زلة اللسان هي كلمة أو عبارة تصدر من غير قصد وبطريقة غير متوقعة، خاصة في لحظات الانفعال، فتؤدي إلى عواقب وخيمة.

via GIPHY

في مقال على موقع "سيكولوجي توداي"، بيٰنت الكاتبة جينا بينكوت أنه من أصل ألف كلمة نقولها، هناك خطأ لفظي أو خطأان على أقل تقدير.

ولكن ما السبب الكامن وراء زلات اللسان؟

في البداية، يوضح موقع "أوريكا" أن الهفوات الكلامية قد تكون شفهية أو مكتوبة أو حتى إيمائية، وهي في الغالب مرتبطة بمواقف أكثر إرهاقاَ من المعتاد، فزلة اللسان قد تحدث مثلاَ أثناء إلقاء خطبة أو كتابتها بشكل سريع، ومن دون وجود الوقت الكافي للتفكير، كما أنها تحدث عندما يكون الشخص تحت تأثير الضغط النفسي أو جراء اختباره مشاعر معينة مثل الغضب، والحزن، والحب.

أقوال جاهزة

شارك غرديؤكد "فرويد" أن الهفوات الكلامية ليست "بريئة"، بل تعكس رغبات حقيقية وأمنيات مدفونة في العقل الباطني، مشبّهاَ زلة اللسان بمرآة النفس التي تعكس الأفكار والدوافع الموجودة في اللاوعي.

شارك غردشبّه عالم اللغة رودولف ميرينغر الهفوات اللفظية "مجرد قشور موز في مسار الجملة"، معتبرا أنها تحولات عرضية في الوحدات اللغوية، وهي نظرية تبناها العلماء المعاصرون.

من هنا كشفت دراسة أجريت على مجموعة من الرجال متبايني الجنس، منهم تم وصل أصابعهم بأقطاب كهربائية، وآخرون كانوا بالقرب من باحثة جذابة ترتدي تنورة قصيرة جداً وقميصاً شفافاً، كشفت الدراسة أن الأشخاص الذين جعلوهم يظنون أنهم سيتلقون صدمات كهربائية كانوا أكثر عرضةَ للوقوع في فخ الهفوات اللفظية، بينما الآخرون كانوا أكثر احتمالاً للتفوه بعبارات جنسية عن طريق الخطأ بجانب الباحثة المثيرة.

Tongue GIF - Find & Share on GIPHY

وعليه، اعتبر الباحثون أن العوامل النفسية قد تؤثر على الألفاظ التي نستخدمها، إضافة إلى أن "كبت" بعض الأمور قد يتسبب بالبوح بها من دون قصد، على حد قول عالم النفس " دانيال ويغنر"، الذي اعتبر أنه كلما حاولنا عدم التفكير في شيء ما، قفز إلى ذهننا، وكلما فكرنا في شيء،زاد احتمال التعبير عنه بشكل لفظي".

هفوات من العيار الثقيل

هفوات أهل السياسة والمشاهير قد تكون مكلفة وتشعل الإعلام عدة أيام.

أثناء حفل عشاء في واشنطن، قالت وزيرة الخارجية الأميركية سابقاً "كوندوليزا رايس":" كما كنت أخبر زوجي..."، فاستدركت خطأها وصححت العبارة بالقول:"كما كنت أخبر الرئيس بوش"، إلا أن هذه الهفوة لم تمر مرور الكرام، إذ رجّح البعض أن تكون هناك مشاعر خفية تكنها رايس للرئيس الأميركي.

كذلك وقعت "ميشيل أوباما" ضحية زلة لسان أثناء مقابلة تلفزيونية حين وصفت نفسها بأنها " أم عزباء مشغولة"، قبل أن تصحح خطأها بسرعة وتضحك من زلتها بالقول:" أقصد أماً مشغولة... عندما يكون لديك زوج في منصب رئيس، يمكن أن تشعري بأنك وحيدة بعض الشيء، إلا أنه هنا".

وفي العالم العربي، تعتبر زلات لسان السياسيين كثيرة، فقد خاطب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مثلاً الرئيس التونسي بـ"فخامة الرخيص".

أما الزعيم اللبناني وليد جنبلاط، أثناء احتفال شعبي في بريح، استبدل عن طريق الخطأ اسم الرئيس الجمهورية السابق ميشال سليمان باسم الرئيس ميشال عون، غير أنه سرعان ما اعتذر بطريقة ساخرة:"عفواً غلطة، هيدي غلطة كبيري.. هيدي غلطة عكثرة ما عم نحلم فيه بالليل.. مش تيجي..."، الأمر الذي تسبب ببلبلة وبموجة ضحك بين الحضور.

كما أوضح موقع "أوريكا" أن الهفوات اللفظية قد تقود إلى أفكار ومشاعر لا يرغب الشخص في الكشف عنها، على سبيل المثال: الأفكار الجنسية، العدوان، الغضب، مشاعر الحب، انعدام الأمن، القلق والتوتر.

وبالتالي، فإن السؤال الذي يطرح نفسه: هل يجب اعتبار زلات اللسان دليلاً قاطعاً على حقيقة نيات صاحبها أم أنها مجرد خطأ لفظي عابر؟

الانزلاق الفرويدي

في معرض الحديث عن السلوك الإنساني والحياة النفسية، يؤكد أشهر علماء النفس أن لا شيء يحدث مصادفة، من دون أسباب دفينة لذلك.

ففي العام 1901، أصدر سيغموند فرويد كتابه Psychologie de la vie quotidienne: (سايكولوجية الحياة اليومية)، متحدثاً فيه عن زلات اللسان التي عرفت في وقت لاحق باِسم" الانزلاق الفرويدي" Freudian slip.

يؤكد "فرويد" في نظريته أن الهفوات الكلامية ليست "بريئة"، ولا تحدث بشكل عرضي كما يعتقد البعض، بل تعكس رغبات حقيقية وأمنيات مدفونة في العقل الباطني، مشبّهاَ زلة اللسان بمرآة النفس التي تعكس الأفكار والدوافع الموجودة في اللاوعي.

via GIPHY

وبهدف التأكيد أن كل الهفوات اللفظية وليدة تراكم وتسلسل أفكار عدة موجودة في منطقة اللاوعي، عمد "فرويد" في كتابه إلى تحليل مجموعة من الظواهر السلوكية التي يفترض بأنها تصدر من دائرة العمق اللاشعوري، متوقفاَ عند أحداث يومية غالباً ما تؤخذ على أنها مجرد مصادفة.

لذلك يعتبر "فرويد" أن هذه الأخطاء اللفظية تفضح المشاعر والرغبات المكبوتة في العقل الباطني، كحال المرأة التي التقت بالصديقة السابقة لزوجها، فابتسمت وقالت لها: "كم يسعدني ضربك"، عوضاً عن قول "كم يسعدني لقاؤك"، مما يعكس شعوراً دفيناً في عقلها الباطني تجاه العشيقة السابقة لزوجها.

خلل لغوي

كان لنظرية "فرويد" تأثير كبير على الناس، إذ شعر العديد منهم بنوع من التهديد بأن يتم فضح شغفهم وأسرارهم ورغباتهم المخفية من خلال الهفوات اللفظية، غير أن علماء النفس لم يتبنوا كلهم نظرية "فرويد" حول طبيعة زلات اللسان.

معروف أن للعالم في مجال اللغة "رودولف ميرينغر"، تفسيراً أقل إثارة لزلات اللسان، بعيداً عن التحليل النفسي، إذ شبّه الهفوات اللفظية "مجرد قشور موز في مسار الجملة"، معتبراًَ أنها مجرد تحولات عرضية في الوحدات اللغوية، وهي نظرية تبناها العلماء المعاصرون.

واعتبر "غاري ديل"، أستاذ علم النفس في جامعة "إيلينوي"، أن زلات اللسان تكشف عن قدرات الشخص على استخدام اللغة ومكوناتها.

وبيٰن موقع "سيكولوجي توداي" أن المفاهيم والكلمات والأصوات تتداخل في 3 شبكات عصبية موجودة في الدماغ: شبكة المضمون الدلالي وشبكة اللغة وشبكة الترجمة الصوتية. والكلام هو وليد تفاعل هذه الشبكات الثلاث، إلا أنه في بعض الأحيان يحدث خللٌ ما في عملها، مما يؤدي إلى تخبطها فتحدث إذ ذاك "زلة اللسان".

التعليقات

المقال التالي