مقاهٍ للملحدين ومقاهٍ للمثليين وأخرى للسلفيين... عندما تقدم المقاهي منصة حرّة للجميع

مقاهٍ للملحدين ومقاهٍ للمثليين وأخرى للسلفيين... عندما تقدم المقاهي منصة حرّة للجميع

لم تعد المقاهي في مصر مجرد مكان يجلس فيه الناس لاحتساء كوب من الشاي أو قدح من القهوة أو لتدخين الشيشة، ومن ثم العودة إلى المنزل أو العمل، بل أصبحت مكاناً يؤثر ويتأثر بمن يجلسون فيه، وأشبه بالتجمع لأُناس يربط فيما بينهم جامع مشترك، قد يكون رأياً سياسياً، أو رؤية ثقافية، أو عادة اجتماعية أو موقفاً دينياً، وهذا ما جعل العديد من المقاهي ترتبط بهويات اجتماعية مستمدة من روّادها.

المقاهي السياسية

اشتهرت المقاهي المصرية بارتباطها بعالم السياسة بعدما تحوّل بعضها مركزاً لتجمع أشخاص لهم توجهات سياسية معينة.

بدأت علاقة المقاهي بعالم السياسة منذ نحو قرن، ففي عام 1919 طبعت منشورات الثورة التي دعا إليها سعد زغلول في مقهى ريش بشارع طلعت حرب الذي كانت فيه مطبعة سرية وقتذاك.

ومن هذا الشارع إلى شارع خان الخليلي حيث مقهى الفيشاوي الذي تأسس عام 1771 واشتهر بأنه مقهى الملوك والأمراء، ففيه جلس نابليون بونابرت قائد الحملة الفرنسية على مصر، وروميل القائد الألماني الشهير، والإمبراطورة أوجيني التي زارت مصر أثناء افتتاح قناة السويس، والرئيس الراحل جمال عبد الناصر الذي زاره أكثر من مرة.

وفي شارع سيف، مقهى الإنجلو الذي كان مقهى للسياسيين، وخاصة من أحزاب المعارضة.

لعبت المقاهي دوراً في نقل الثورات المعروفة باسم "الربيع العربي" إلى مصر، فمنها تم التخطيط لثورة 25 يناير. يقول شريف الصيرفي، القيادي البارز السابق بحركة 6 إبريل وأحد المشاركين في ثورة 25 يناير 2011 لرصيف22، إن التخطيط لثورة يناير كان في مقهى زهرة البستان الشهير بوسط القاهرة، والذي كان يتجمع فيه  قادة حركة 6 إبريل، منهم أحمد ماهر وإسراء عبدالفتاح.

أقوال جاهزة

شارك غردالمثليين أو مجتمع الميم ليس لديهم مقاهٍ خاصة بهم بل مقاهٍ يستريحون فيها نظراً لعدم تعامل أصحابها معهم تعاملاً سيئاً

شارك غردفي مقهى كوستا تأسس ائتلاف "سلفيو كوستا"، وقوامه مجموعة من الشباب السلفيين الملتزمين دينياً والذين كانوا دائمي الجلوس في هذا المقهى

ولم يغلق هذا المقهى أثناء الثورة برغم الأمن المشدد، مما جعل النشطاء يذهبون إليه للاستراحة والتخطيط من جديد. كذلك هي الحال مع مقهى التكعيبة الذي كان يختفي فيه النشطاء من عيون الأمن أثناء الثورة.

ويشير الصيرفي إلى أن من المقاهي التي كان لها دور بارز في ثورة يناير، مقهى غزال بمنطقة طلعت حرب الذي كان ولا يزال مأوى للناشطين السياسيين، ومقهى الخن الذي كان مخبأً مناسباً لمن تتم ملاحقتهم.

القيادي السابق بـ 6 إبريل شارك أيضاً في ثورة 30 يونيو عام 2013 ضد الإخوان، وأكد أن في مقهى جولد ستار تم تأسيس حركة تمرد قادت ثورة 30 يونيو، والتجهيز للاستمارات المطالبة بعزل الرئيس الأسبق لمصر محمد مرسي، ومن ثم انطلقت الفكرة لكل المحافظات، وكانت أغلب الاستمارات توقع في المقاهي كونها تشهد تجمعات كبيرة.

المقاهي الثقافية

كذلك هنالك مقاهٍ ثقافية لا يجلس فيها إلا المثقفون، وهذا ما رصده الكاتب المصري كامل رحومة في كتابه "المقاهي الثقافية... القاهرة باريس دمنهور".

حدد رحومة في كتابه مجموعة من المقاهي الثقافية في القاهرة، مثل مقهى ريش في وسط البلد، وفيه الآن مكتبة تضم العديد من الكتب المتاحة قراءتها لرواده، ومقهى الفيشاوي في خان الخليلي، وهو كان المقهى المفضل لنجيب محفوظ قبل أن يتحول إلى مقهى سياحي.

وأشار إلى مجموعة من المقاهي الثقافية خارج القاهرة مثل  "مقهى نيو سوريا" بالسويس لصاحبه ومؤسسه المثقف يحيى محمود عارف الشهير بـ "ابن بطوطة" وهو صديق للعديد من رجال الفكر والثقافة فى مصر، مثل الروائي رضا صالح، والمؤرخ حسين العشي.

وهنالك مقهى السنديون بكفر الشيخ و"مقهى القللي" بالفيوم حيث كتب الشاعر الراحل صلاح جاد ديواناً، ومقهى عبد اللاه قناوي بالمنيا، وهو مطل على النيل وبجواره مكتبة اسمها رباب كان الناس يستعيرون الكتب منها ليقرأوها في المقهى.

وهنالك مقهى عبد المعطى المسيري بدمنهور الذي كتب عنه المفكر الكبير الدكتور عبد الوهاب المسيري واعتبره جزءاً من تكوينه الفكري والثقافي مؤكداً أن هذا المقهى لا يزال أهم المعالم الثقافية بدمنهور.

المقاهي والدين

حتى الدين والدعوة إليه وصلا إلى المقاهي، وقد استغل الأزهر في منتصف عام 2017 وجود أعداد كبيرة من المصريين فيها لإطلاق وعاظه ودعاته كي يفهموا المسلمين دينهم الصحيح وينصحوهم بالبعد عن التشدد، وقد ظهر هذا الأمر في محافظة الإسكندرية حيث انتشر وعاظ الأزهر في المقاهي وخاضوا مناقشات طويلة مع روادها لإفهامهم أمور دينهم.

لم يكن الأزهر أول من نشر الدين الإسلامي في المقاهي بل سبقه حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، الذي نشر في مذكراته المعروفة باسم "مذكرات الدعوة والداعية" تفاصيل تأسيسه جماعة الإخوان من خلال بدئه هو ومجموعة من أصدقائه الذهاب إلى المقاهي عام 1928 للحديث مع الناس في شؤون دينهم وكيفية الحفاظ عليه.

وحكى البنا في مذكراته أول خطوة حقيقية لتأسيس جماعته وكانت في أحد مقاهي الإسماعيلية عندما أوقع بعض قطع النار التي توضع على الشيشة فخاف الحاضرون، فسألهم كيف تخافون من بعض نار الدنيا ولا تخشون نار الآخرة، فتجمع الناس حوله ولحق به بعضهم إلى أحد المساجد بالإسماعيلية ووافقوا على تأسيس جماعة الإخوان، وبدأوا بالحديث مع الناس في المقاهي عنها، وتجمع حول حسن البنا نحو نصف مليون من مختلف محافظات الجمهورية.

ومن أوجه ارتباط الدين بالمقاهي، ظهر أول مقهى إسلامي في مصر في مايو 2013، باسم " دماغ كابتشينو"، وفيه يمنع الاختلاط بين الرجال والنساء، كما لا تتوافر فيه الشيشة والدخان. قال أحمد عبد الله الشهير بـ أبو إسلام الداعية السلفي الشهير في برنامجه على قناة الأمة إن هذا المقهى يتبع جماعة الإخوان قبل أن ينفي أصحابه أي علاقة تجمعهم بالجماعة، وكان هذا المقهى ملتقى للعديد من الملتزمين دينياً والذين قاطعوا المقاهي بسبب الشيشة والاختلاط.

وشهدت المقاهي تأسيس ائتلافات دينية ارتبطت باسم المقهى الذي تشكلت فيه، وعلى رأس تلك المقاهي، مقهى كوستا الشهير الموجود أكثر من فرع له بالقاهرة، والذي فيه تأسس ائتلاف "سلفيو كوستا"، وقوامه مجموعة من الشباب السلفيين الملتزمين دينياً والذين كانوا دائمي الجلوس في هذا المقهى، فقرروا في مارس 2011 تأسيس ائتلاف يعبر عنهم ويميزهم عن غيرهم من السلفيين، وفي المقهى نفسه،  وفي العام نفسه، تأسس ائتلاف ديني آخر يعبر عن الشيعة، وأطلقوا على أنفسهم "شيعة كوستا".

رصيف22 تحدث مع ائتلاف "سلفيو كوستا" عبر صفحته الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، عن المقاهي وتأثيرها فيه، قال: "كان المؤسس محمد طلبة معتاداً قبل 2011 ارتياد كوستا كافيه، وبعد 11 فبراير حصل اجتماع عمل مع بعض الزملاء بمجال تكنولوجيا المعلومات. وفي الاستراحة اقترح عليهم الذهاب إلى كوستا كافيه.

في هذا الوقت، كانت قيادات التيارات السلفية تظهر ضدهم الكثير من الانتقادات بسبب مواقف وتصريحات مختلفة فتكونت صورة نمطية سيئة عنه. فخطرت لطلبة فكرة تأسس الائتلاف كي يقول لكل الناس إن بيننا روابط ومساحات مشتركة يمكن أن تجمعنا من دون يضطر كل طرف لأن يهاجم الآخر".

وأضاف الائتلاف: "المقاهي في مصر أقرب للنظام الاجتماعي منها لمكان لتقديم المشروبات فقط. فالمقهى يجمع مختلف الطبقات الاجتماعية، وأخيراً أصبح مقصداً للفتيات والسيدات أيضاً، وتدور فيه المناقشات السياسية والدينية والثقافية والكروية، ونظن أن لهذا الاختلاط تأثيراً مهماً في تبادل الخبرات ووجهات التظر.

مقاهي الملحدين

هنالك أيضاً مقاهٍ لمن يعتبرون "ملحدين"، يستطيعون فيها المناقشة بكل حرية وإبداء آرائهم التي قد لا يستطيعون إبداءها في منازلهم أو في مقار أعمالهم.

عبد الله ص. ملحد من الإسكندرية عمره 20 عاماً، قال لرصيف22 إنه وأصدقاءه الملحدين لا يستطيعون مناقشة أفكارهم المتعلقة بالأديان في بيوتهم أو جامعاتهم أو حتى في المقاهي الشعبية التي يعرفونها، خوفاً من أن يتدخل أحد في النقاش ويتحول إلى معركة، ولهذا يذهب هو أصدقاؤه لمقاهٍ معينة في منطقة المنشية وسموحة بالإسكندرية.

لم يحدد عبد الله اسم هذا المقهى، الذي اشتهر وسط أصدقائه بمقهى الملحدين لدرجة أن ملحدين من القاهرة يأتون إليه أيضاً لمناقشة أفكارهم، خاصة في ظل ازدحام مقاهي العاصمة.

ويؤكد أن الملحدين في القاهرة أحجموا عن المناقشات الدينية في المقاهي، مكتفين بمواقع التواصل الاجتماعي، وخاصةً بعد إغلاق مقهى شهير كان يسمح لهم بتلك المناقشات في 15 ديسمبر عام 2014، وكان معروفاً باسم مقهى باسيلي الكائن بشارع الفلكي بوسط البلد، وقد أغلق بحجة أنه يؤوي ملحدين.

مقاهي المثليين

للمثليين أيضاً مقاهيهم، أشهرها "خبيني" في شارع رمسيس. وهناك بعض المقاهي في المولات الكبرى حيث يجلسون بحرية من دون أن ينظر لهم أحد نظرة دونية أو يسخر منهم كما يحدث لدى جلوسهم في أحد المقاهي الشعبية.

يقول إسلام ش. مثلي الجنس، 24 سنة، لرصيف22 إن المثليين أو مجتمع الميم كما يحب أن يطلق عليهم، ليس لديهم مقاهٍ خاصة بهم بل مقاهٍ يستريحون فيها نظراً لعدم تعامل أصحابها معهم تعاملاً سيئاً.

وأوضح أن ما يميز المقاهي الـ 5 ستارز – كما أطلق عليها- هو أن لا أحد يتدخل في شؤونهم، ولا أحد ينظر لهم نظرة سخرية.

صحافي مصري مهتم بملف الإسلام السياسي والتنظيمات الإرهابية المسلحة.

التعليقات

المقال التالي