عن عمّال النرجيلة الصغار... من دخان الحرب إلى دخان المقاهي

عن عمّال النرجيلة الصغار... من دخان الحرب إلى دخان المقاهي

بيد واحدة يقود موفق (13 عاماً) الدراجة النارية لينقل النراجيل إلى المنازل، وبيده الأخرى يحمل منقلاً مليئاً بالفحم المشتعل.

"ما صحتلي الفرصة، بدي ساعد أهلي". بهذه الكلمات يختصر عجزه عن الالتحاق بالمدرسة، بعد أن اضطرته الحرب السورية إلى اللجوء إلى لبنان.

موفق الذي يعمل منذ كان عمره تسع سنوات في مقاهي النراجيل في منطقة الشياح (ضاحية بيروت الجنوبية)، استقر في مقهى صغير يعمل فيه 14 ساعةً يومياً، ويحظى بيومَيْ عطلة في الشهر.

يتقاضى 50 دولاراً أسبوعياً، يقسمها على الشكل التالي: 46 دولاراً لعائلته، و4 له. "اشتري بالأربعة ما احتاجه، وألعب في مقاهي الإنترنت"، يقول.

يعبّر موفق عن خوفه من قيادة الدراجة النارية أو من توقيف قوى الأمن له. لكنه يقول: "لا أتحمل المسؤولية، بل صاحب المقهى هو الذي يتحملها".

يسرع ليلبي طلبات الزبائن. ويجيب باقتضاب على أسئلتنا.

يخبرنا أنّ رائحة الفحم تزعجه، فهي كانت السبب الرئيسي في حادث تعرّض له أخيراً وهو على الدراجة النارية. "ارتبكت بسبب رائحة الفحم واصطدمت بدراجة نارية تسير عكس السير"، يقول، مشيراً إلى أنّه يعاني من ضيق في التنفس.

يزعجه أيضاً صراخ الزبائن إذا لم تعجبهم القهوة، أو إذا لم يكن فحم النرجيلة جيداً، وكذلك عندما يخصم صاحب المقهى من مرتبه بحال كسر نرجيلة عن طريق الخطأ.

هو يحلم بأن يلتحق بالمدرسة، ليصبح طياراً.

غياب الأرقام وتبادل الاتهامات بالتقصير

خلال جولة في منطقة الشياح – الغبيري – الطيونة، في ضاحية بيروت الجنوبية، تمكنا من إحصاء 32 مقهى نرجيلة، 20 منها تُشغل أطفالاً سوريين دون الـ15 عاماً. هذه الظاهرة تنتشر على طول لبنان ويمكن رصدها في معظم المدن وضواحيها وفي معظم القرى.

أكدت وزارة العمل وبلدية الغبيري لرصيف22 عدم توفر بيانات حول أعداد المقاهي التي تشغل أطفالاً، ولكن رئيسة وحدة مكافحة عمل الأطفال في الوزارة، نزهة شاليطا، تحدثت عن "أعداد كبيرة" في بيروت، واصفةً ذلك بـ"الظاهرة، خاصةً منذ بدء النزوح السوري".

يبرر أحد أصحاب المقاهي تشغليه للأطفال السوريين بالقول إنّ "الطفل السوري يتحمل التعب والعمل فترة طويلة، عكس الطفل اللبناني". أما عن تشغيل مَن هم فوق الـ18 عاماً في عمل مماثل، فهو أمر غير ممكن بحسب صاحب المقهى الذي فضل عدم ذكر اسمه، لأنه "من الصعب أن نطلب منهم ما نطلبه من الأطفال".

وعند سؤاله عن سماحه للطفل العامل عنده بقيادة الدراجة النارية، أجاب: "ذلك يحدث تلبيةً لطلبات المسافات القصيرة فقط، وإذا تعرّض لحادث نتكفّل بمعالجته".

تحمّل شاليطا وزارة الداخلية مسؤولية السماح للأطفال تحت 18 عاماً بقيادة الدراجات النارية لإيصال النرجيلة، أمّا رئيس بلدية الغبيري معن الخليل فيشير إلى أنّ "البلدية ستتعاون مع فصيلة السير لضبط الأمر"، مشيراً لرصيف22 إلى أنّ "كثرة المشاكل الاجتماعية وقلّة الإمكانات تجعلا البلدية عاجزة عن ضبط هذه المسألة".

ويلقي الخليل بالمسؤولية على وزارة العمل، ويقول: "الوزارة مقصرة في معالجة زيادة عمالة الأطفال، فالرقابة غير فاعلة، ونحن بحاجة إلى سياسة أكثر تشدداً لإنقاذ هؤلاء الأطفال".

أقوال جاهزة

شارك غردعند سؤال صاحب مقهى للنراجيل لماذا لا يشغل مَن هم فوق الـ18 عاماً، أجاب: "لأنه من الصعب أن نطلب منهم ما نطلبه من الأطفال"

شارك غردفي الوقت الذي تعتبر فيه وزارة العمل أن عمل الأطفال في مقاهي النرجيلة من "أسوأ أشكال عمل الأطفال"، يؤكد أصحاب المقاهي التي زرناها أن لا الوزارة ولا البلدية سألت يوماً عن هؤلاء الأطفال أو حتى عن ظروف عملهم

شهادات الجيران

خلال جولتنا، أخبرنا بعض أصحاب مقاهي النراجيل بأنهم لا يشغلون أطفالاً تحت سنّ الـ15، إلا أن جيرانهم في الحي أكّدوا عكس ذلك.

محمد (11 عاماً) من أصغر العمال الذين قابلناهم. يقول إنّه وصل إلى الصف الثالث أساسي في سوريا، ولكن مجيئه إلى لبنان هرباً من الحرب، اضطره إلى وقف تعليمه.

يتقاضى 33 دولاراً أسبوعياً ويعمل 13 ساعة يومياً بدون عطلة، حتى يوم "عيد العمال". ويذهب راتبه كاملاً إلى عائلته.

كان محمد يوصل النراجيل على الدراجة النارية، لكنّه توقف عن ذلك بعد تعرضه لحادث سير، فصار يوصلها سيراً على الأقدام. يحب الغناء كثيراً، وقد أصر على إظهار موهبته أمام الكاميرا.

صاحب المقهى الذي يعمل فيه محمد، سبق أن شغّل ثلاثة أطفال قبله. يعتبر أنّ مبلغ 50 ألف ليرة الذي يتقاضاه الطفل "ليس قليلاً، خاصةً أنّه يصرفه على عائلته وليس على نفسه".

مَن ينقذ هؤلاء الأطفال من "أسوأ الأعمال"؟

اعتمدت الحكومة اللبنانية عام 2012 المرسوم رقم 8987، المتعلق بتحديد أسوأ أشكال عمل الأطفال، كما أعدت اللجنة الوطنية لمكافحة عمل الأطفال بالتعاون مع منظمة العمل الدولية، خطة العمل الوطنية للقضاء على أسوأ أشكال عمل الأطفال، ومن بينها "نقل أو بيع الدخان والتبغ وإيصال النرجيلة إلى البيوت"، بالإضافة إلى "الأعمال التي تتطلب دواماً ليلياً (7 مساءً – 7 صباحاً)، ودواماً طويلاً (أكثر من 6 ساعات)".

تؤكد شاليطا أنّ هذا النوع من العمل يصنَّف من الأعمال الخطرة صحياً ونفسياً، وتقول: "يستغلّ أصحاب المقاهي صغر سن الأطفال وعدم معرفتهم بحقوقهم لزيادة ساعات العمل وإلغاء العطلة وإعطائهم مرتبات منخفضة".

محمد، 11 عاماً، يعمل في مقهى للنرجيلة 13 ساعة يومياً بدون عطلة. يتقاضى 33 دولاراً أسبوعياً تذهب كلها إلى عائلته

وفي الوقت الذي تعتبر فيه الوزارة هذا العمل من "أسوأ أشكال عمل الأطفال"، يؤكد أصحاب المقاهي التي زرناها أن لا الوزارة ولا البلدية سألتهم يوماً عن الأطفال الذين يعملون لديهم أو حتى عن ظروف عملهم.

أما شاليطا، فتقول: "أقامت وزارة العمل نظام إشراف ورقابة ستطبقه قريباً بالتعاون مع وزارة الداخلية ووزارتي التربية والشؤون الاجتماعية والبلديات، لرصد عمل الأطفال ومساعدة عائلاتهم".

"أي قانون؟"

عمّار (14 عاماً) وعبد الهادي (15 عاماً)، طفلان سوريان يعملان في مقاهي النراجيل في منطقة الطيونة منذ نحو عامين. توقفا عن الحلم منذ أن غادرا سوريا - عكس موفق ومحمد - إذ لا يتمنيان أيّ شيء سوى أن يعملا ويتقاضيا الراتب الزهيد لمساعدة أسرتيهما.

عمّار يعمل ست ساعات يومياً بحسب قوله، لكن جيران المقهى قالوا إنّه يعمل منذ الصباح حتى منتصف الليل. أما عبد الهادي، فلا يسمح له صاحب المقهى بأيّ يوم عطلة.

عند سؤال أصحاب المقاهي عن مخالفتهم للقانون، يجيبون: "أيّ قانون؟ لا أحد يطبق القانون، كل شي رواق". ويقول أحد أصحاب المقاهي: "قبل الحديث عن القانون، ليُدخلوا هؤلاء الأطفال إلى المدرسة وليساعدوا أسرهم".

تعلّق شاليطا بالإشارة إلى أنّ "هؤلاء الأطفال تشملهم البرامج التعليمية الخاصة باللاجئين السوريين" ولكنهم لا يُرسلون إلى المدارس، بل إلى سوق العمل. علماً أن الأرقام تشير إلى أن أكثر من 250 ألف طفل سوري بلا تعليم في لبنان، بحسب أرقام منظمة هيومن رايتس واتش.


التعليقات

المقال التالي