سجال دمج التعليمين الأزهري والعام في مصر... على ماذا يعترض رجال الدين؟

سجال دمج التعليمين الأزهري والعام في مصر... على ماذا يعترض رجال الدين؟

في تصريحات أدلى بها وزير التعليم المصري طارق شوقي في 16 أبريل، ألمح إلى مناقشات تجري لدمج نظام التعليم الأزهري مع التعليم العام (الحكومي)، ما أثار ردود فعل واسعة وولّد تساؤلات حول نية الحكومة المصرية دمج نظامي التعليم في نظام واحد.

هذه التصريحات التي تناقلتها وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، سرعان ما نفاها بشدة وكيل الأزهر الشريف عباس شومان في تصريحات صحافية في اليوم التالي. وتبع ذلك نفي من وزير التعليم نفسه في مؤتمر صحافي على هامش الاجتماع الأسبوعي لمجلس الوزراء، إذ قال إن "التعليم الأزهري نظام موازٍ، وسيبقى كما هو، ولا يوجد أي دمج".

وكيل الأزهر الشريف عباس شومان

رغم أن فكرة الدمج ماتت أو لم تولد أصلاً، إلا أن السجال بين أساتذة في الأزهر وخبراء وأعضاء في البرلمان المصري حولها ظل حاضراً في الصحافة والبرامج الحوارية على محطات التلفزة. وجرت أحاديث حول جدوى الدمج بين النظامين وإيجابيات وسلبيات ذلك، وتطرّق البعض إلى خلاف الرؤى بين الأزهر والرئاسة.

في مصر، يوجد نظامان للتعليم في مراحل التعليم المختلفة (ابتدائي، إعدادي، ثانوي وجامعي)، الأول: تعليم عام تُشرف عليه الحكومة ممثلة في وزارة التربية والتعليم ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي، ويضم أكثر من 20 مليون طالب، مقسمين على 52 ألفاً و664 مدرسة، وفقاً للبيانات الرسمية لعام 2017؛ والثاني: تعليم أزهري يتبع مشيخة الأزهر الشريف، أعلى سلطة دينية في البلاد، وهي مؤسسة دينية مستقلة، ويضم نحو 9600 معهد ديني ونحو مليوني طالب أزهري.

غضب أزهري

طرح الفكرة للمرة الأولى على لسان مسؤول رفيع مثل وزير التعليم المقرّب من الرئاسة دفع مجلس جامعة الأزهر إلى إعلان موقف متشدد منها، فأصدر بياناً في 18 أبريل قال فيه إن "التعليم الأزهري ظل على مر تاريخه يرسخ المواطنة وحب الوطن... كما أسهم الوافدون إليه من شتى بقاع الأرض في بناء أوطانهم، بل صاروا رؤساء وزعماء ووزراء".

واعتبر مجلس الجامعة أن فكرة دمج النظامين "دعوة لهدم الأزهر وإزالة تاريخه". وقال إن "مجلس الجامعة والجامعة وكل العاملين فيها يقفون صفاً واحداً خلف شيخ الأزهر... وتاريخ امتد لأكثر من ألف عام يستحيل إزالته".

رغم دفاعه عن التعليم الأزهري، إلا أن أستاذ الشريعة الإسلامية في جامعة الأزهر محمد الشحات الجندي يعتبر أن هناك سلبيات في التعليم الأزهري تحتاج إلى إصلاح. لكنه يرى أن دمجه بالتعليم الحكومي "يعني إلغاءه"، بحسب وصفه، موضحاً لرصيف22 أنه "لا توجد إلزامية في دخول الطلاب للأزهر، وأيضاً للطلاب الدارسين بالأزهر الحرية في التحويل إلى التعليم العام".

وقال الجندي "إن دعوات دمج التعليم الأزهري بالتعليم العام تأتي ضمن حملة ممنهجة على الأزهر بعد انتشار الإسلاموفوبيا وما تبعها من اتهامات للأزهر بعدم القيام بدوره في تجديد الخطاب الديني"، مشيراً إلى أن المناهج الدراسية في التعليم العام لا يوجد فيها الحد الأدنى من المعلومات الدينية وهناك حالة من الأمية الدينية لدى الطلاب.

ورفض وزير التعليم المصري الأسبق، الدكتور محب الرافعي، هو الآخر الفكرة وقال لرصيف22 إن "فلسفة التعليم الأزهري تركز على تعليم الدين بقدر التركيز على المواد الدنيوية مثل الكيمياء والفيزياء، لكي يتم تخريج عالم أزهري ملم بكافة العلوم الشرعية واللغوية".

وأوضح الرافعي أن مؤسسة الأزهر يعود تاريخها إلى أكثر من ألف عام، ونظام التعليم فيها يعتمد على تدريس المواد الشرعية مثل الفقه، التوحيد، القرآن، الحديث، والتفسير، للطلاب منذ صغرهم وحتى تخرجهم من الجامعة، وفكرة الدمج التي طرحها الوزير تقتضي تحويل تلك المواد الشرعية إلى اختيارية وهو ما يعني أن تفقد أهميتها ولن يدرسها الطلاب بجدية.

وأضاف أن "التعليم الأزهري بحاجة للتطوير، مع أجل تخريج علماء دين قادرين على التفكير النقدي وملمين بكافة الجوانب الشرعية للتصدي للأفكار المغلوطة في ظل تنامي ظاهرة الإرهاب في العالم".

"فكرة صائبة"

طرح دمج النظامين كان له مناصرون أيضاً، منهم الباحث في المركز القومي للبحوث التربوية كمال مغيث، إذ اعتبرها "فكرة صائبة لأنه لا توجد أية دولة في العالم فيها أكثر من نظام في التعليم الأساسي".

وأضاف مغيث لرصيف22: "هذا أمر غير منطقي ولا يتسق مع فكرة المواطنة في التعليم، ولا بد أن يكون هناك جسد واحد للتعليم المصري"، مشيراً إلى أن السلطات المصرية توسعت في التعليم الأزهري وأقرت قانوناً عام 1961 مكّن الأزهر من بسط نفوذه على الحياة التعليمية المصرية بعد أن كان دوره يقتصر على الراغبين في دراسة علوم الدين.

أقوال جاهزة

شارك غردماذا يعني الجدل في مصر حول دمج التعليم الأزهري بالتعليم العام؟ هل هو "دعوة لهدم الأزهر وإزالة تاريخه الذي امتد لأكثر من ألف عام"؟

شارك غردجدل دمج التعليم الأزهري بالتعليم العام في مصر... هل لا بد من إبعاد الكليات غير المختصة بعلوم الدين والشريعة واللغة عن الأزهر لأنها تقف حائلاً أمام محاولات تجديد الخطاب الديني؟

وأوضح أن الأزهر قبل إقرار قانون عام 1961 كان يمتلك خمسة معاهد أزهرية فقط على مستوى الجمهورية وثلاث كليات جامعية فقط لدراسة علوم الدين والشريعة الإسلامية، لكن الآن بات لديه أكثر من تسعة آلاف معهد ديني تضم نحو مليوني طالب موزعين على المراحل التعليمية الثلاث.

وتابع: "هذا يضفي مزيداً من العشوائية على التعليم المصري، وبالتالي لا بد من النظر إلى التعليم الأزهري جنباً إلى جنب مع التعليم العام الذي بدأت الحكومة المصرية خطوات جدية نحو تطويره".

وتعتزم مصر تطبيق نظام جديد للتعليم الحكومي ينسف "النظام القائم"، وفقاً لتصريحات وزير التعليم المصري طارق شوقي. إلا أن مغيث قال إن الحكومة "ليست لديها إرادة سياسية، كما أنها لا تستطيع الآن تحمل عواقب هذا القرار".

وزير التعليم المصري طارق شوقي

في فبراير من العام الماضي، أعلن البرلماني المصري محمد أبو حامد عن مشروع قانون جديد للأزهر يضع قواعد جديدة لعمله وطريقة التعليم فيه ولكنه لم ينجح في طرحه على البرلمان بسبب ضغطٍ من الأزهر، وحينما عاد سجال "دمج التعليم الأزهري" إلى الظهور حديثاً أعاد الترويج لمشروع قانونه، معرباً عن تأييده لفكرة الدمج.

وقال أبو حامد لرصيف22: "طرحت تعديلاً كاملاً لطريقة التعليم بالأزهر من خلال الإبقاء على جزء من المعاهد الأزهرية مع إلغاء أو تحويل مسار أغلب المعاهد الموجودة حالياً لتنتقل إداراتها إلى وزارة التعليم".

وأضاف أن "مصر يوجد فيها نحو 10 آلاف معهد أزهري، وأرى أنه لا بد من تقليل عددها، لتقتصر على الراغبين في الالتحاق بالكليات الشرعية والدينية، ويكون العدد الموجود بحد أقصى 2600 معهد أزهري فقط على مستوى الجمهورية، وبالنسبة إلى كليات جامعة الأزهر، أرى أنه لا بد من فصل الكليات العلمية عن جامعة الأزهر ليقتصر دور هذه الجامعة على كليات العلوم الشرعية".

وقال إن "الأزهر يرفض كل محاولات التطوير" وإن "إدخال كليات مثل الهندسة والطب والتجارة إلى جامعته شتته عن دوره الرئيسي الذي حددته المادة 7 من الدستور بالحفاظ على الهوية الإسلامية وعلوم الشريعة، وبالتالي لا بد من إبعاد هذه الكليات غير المختصة بعلوم الدين والشريعة واللغة عن الأزهر لأنها تقف حائلاً أمام محاولات تجديد الخطاب الديني".

سلبيات قد تنتج عن الدمج

يعدد عضو مجمع البحوث الإسلامية محمد الشحات الجندي سلبيات فكرة الدمج، إذا ما تم تطبيقها، ويقول إنها تسفر عن "سحب بساط الريادة الإسلامية الوسطية في العالم من تحت مؤسسة الأزهر"، موضحاً أن "دمج التعليم الأزهري مع التعليم العام وتحويل مواد التربية الدينية إلى اختيارية سيجعل الطلاب يرفضون دراستها، حتى لا تعطلهم عن المواد الأخرى الإجبارية، وذلك سيقود إلى انهيار التعليم الأزهري ويرسخ لأمية دينية لدى الطلاب".

وأضاف: "ستفقد الدولة أكبر قواها الناعمة، إذ ينتشر علماء الأزهر في شتى بقاع العالم لتعليم الإسلام، ويستقطب الأزهر طلاباً من 105 دول للدراسة في جامعته".

السلبيات التي عددها الجندي أضاف عليها وزير التعليم الأسبق محب الرافعي، أن "الرأي العام لن يقبل بتلك الفكرة لأن غالبية المصريين يلحقون أبناءهم بالأزهر لحفظ القرآن، نظراً إلى طبيعة التدين التي تتصف بها غالبية المصريين، وإذا طبقت الفكرة ستكون مخاطرة من جانب الحكومة".

وبرأي أستاذ علم الاجتماع السياسي في الجامعة الأمريكية بالقاهرة الدكتور سعيد صادق، فإن "المشكلة الرئيسية التي دفعت الحكومة إلى التفكير بدمج النظامين هي أن التعليم الأزهري بات يستقطب مستويات ضعيفة من الطلاب الذين يهربون من صرامة التعليم الحكومي للالتحاق بكليات القمة التي تبتعد عن الكليات الدينية مثل الطب والهندسة".

وأوضح صادق لرصيف22 أن الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر (1956-1970) سعى إلى "علمنة" الأزهر عبر إصدار قانون 103 لسنة 1961، ما سمح له بفتح كليات للطب والهندسة والتجارة بجانب الكليات الدينية مثل كليات الشريعة والقانون، وأصول الدين، واللغة عربية، حتى أصبحت جامعة الأزهر تجذب أكبر عدداً من الطلاب مقارنةً بنظيراتها من جامعات حكومية وخاصة.

رسالة تحذير للأزهر

وزاد صادق أنه مع تولى الرئيس عبد الفتاح السيسي الرئاسة عام 2014، بعد الإطاحة بجماعة الإخوان المسلمين، أخذ على عاتقه مكافحة الإرهاب ومن مستلزماتها تطوير الخطاب الديني، ومن هنا بدأ النظام يفكر في التعامل مع الأزهر وحدثت سجالات بين الدولة وبينه خلال تلك الفترة وفي خضم ذلك طرح أحد نواب البرلمان مشروع قانون لإعادة هيكلة مؤسسة الأزهر في ما بدا "رسالة تحذير ضمنية للأزهر من السلطة".

وقبل سجال دمج التعليم الأزهري بالتعليم الحكومي، تعددت الخلافات في الرؤى بين الرئاسة والأزهر بدءاً بإدانة شيخ الأزهر أحمد الطيب لفض اعتصام رابعة العدوية في أغسطس 2013، ثم بعدم تكفير الأزهر لتنظيم "داعش"، إضافة إلى موقفه من تحركات وزارة الأوقاف في ما خص تجديد الخطاب الديني والخطبة الموحدة، وليس نهاية بأزمة الطلاق الشفوي التي أخرجت التباين في الرؤى إلى العلن.

وأكد صادق أن المصريين لديهم وازع ديني كبير يدفعهم إلى الميل بعاطفتهم نحو الدفاع المستميت عن الأزهر وهو ما يصعّب مهمة السلطة الحالية، إذا ما أرادت إعادة هيكلته.

وأضاف أن تحركات الأزهر في تطوير نفسه لم ترضِ النظام الحاكم حتى الآن، وعلى الرغم من ذلك لم يُظهر النظام الحالي جدية حقيقة بعد في إعادة هيكلة مؤسسة الأزهر، وفي مقدمتها مسألة التعليم الأزهري.


التعليقات

المقال التالي