أزواج على شفا الطلاق... إغلاق معبر رفح يدمّر أسراً مصرية-فلسطينية

أزواج على شفا الطلاق... إغلاق معبر رفح يدمّر أسراً مصرية-فلسطينية

معبر رفح، شريان الحياة الذي يربط بين مصر وقطاع غزة، صار بوابة للفصل بين العائلات. هذا ما يحدث مع فلسطينيات متزوجات من مصريين، ذهبن إلى القطاع، ولم يستطعن العودة إلى بلاد النيل، فباتت حياتهن الأسرية مهددة.

زيارة أسرية تهدم أسرة

تركت شيرين العز قطاع غزة منذ سبع سنوات، بعد زواجها من رجل مصري، اسمه أحمد. تعارفا عبر قريبة لها تقيم في السعودية، فطار الرجل إلى القاهرة ومنها توجه إلى قطاع غزة وعقد قرانه وعاد برفقة زوجته.

قضى الزوجان سنتين معاً وأنجبا طفلتين قبل أن يتوفى الزوج وتقرر شيرين البقاء في مصر لترعى أطفالها بالقرب من بيت جدهم.

وبعد سنوات على هذه الحال، طلب ابن عم زوجها يدها ووعدها بمساعدتها على رعاية أولادها فوافقت وأنجبت منه ابناً.

وحينما بلغ عمر الطفل سبعة أشهر، أعربت شيرين عن رغبتها في زيارة أختها ندى، المصابة بشلل رباعي والمقيمة في غزة، فوافق الزوج وكلاهما لا يعلمان ما يخبئه القدر لهما.

توجهت شيرين إلى وطنها مصطحبه أطفالها الثلاثة وقضت مع أسرتها بضعة أيام. وحين توجّهت إلى المعبر لتعود إلى بيتها في مصر، سألها أحد الحراس: "هل حجزت دوراً للعودة؟". وهنا كانت المفاجأة. اكتشفت أنها حبيسة داخل القطاع وأن طريق العودة ليس سهلاً.

راحت شيرين تنتظر المرات التي يفتح فيها المعبر أبوابه لتعود إلى زوجها، ولكن منح الحالات المرضية أولوية العبور حل دون ذلك. بحثت في شوارع القطاع المحاصر عمّن يساعدها على العودة، فووجهت بابتسامات حالات مشابهه مرت عليهم سنوات دون أن يروا ذويهم في مصر.

"عيالي... أنقذوا عيالي". بهذه الكلمات راحت شيرين تستغيث، موضحة أن طبول الحرب تقترب من غزة كل فترة، ولا تريد أن يتعرّض أطفالها للأذى، وأن زوجها يهددها بأنها إذا لم تعود، سيطلقها.

وأكدت شيرين لرصيف22 أن مصيرها بات مجهولاً، ومعلَّقاً على أبواب المعبر، وهي تخشى أن تبدد بواباته استقرار أسرتها، فقد مرّت على وجودها في غزة ثمانية أشهر ولا توجد بارقة أمل لعودتها.

"الضنا غالي"، يقول الزوج، سيد حمادة لرصيف22. لم يحضن ابنه محمد سوى سبعة أشهر قبل أن تسافر زوجته إلى غزة.

وروى أنه كان ينوي مرافقة زوجته إلى غزة ولكن إحدى أوراقه تعطلت. وأكّد أنه لم يتوقع حصول ما حصل، لأن زوجة عم زوجته تأتي مرتين في العام إلى مصر لزيارتها، دون أية قيود، وأخبرته بأن حاملي الجوازات المصرية لا ينتظرون على المعبر.

ويحمّل حمادة أهل زوجته المسؤولية لأنهم لم يبلغوه بهذا الوضع الخطير، ويقول إنه اقترح الطلاق عدة مرات لشعوره بأن زوجته أخذت الطفل ولن تعود به مرة أخرى، وبأن أهلها استقدموها لرعاية أختها المريضة، ويضيف أنه كلما سألهم عن الجديد لا يجيبونه سوى بعبارات مثل "نعتذر، لا تغضب، قوي إيمانك بالله".

"لا أستطيع النظر في عيون أبي"، يقول واصفاً ما يعاني منه، فوالده رجل مسن ومريض ويتمنى رؤية حفيده، ويخشى أن يموت دون تحقيق ذلك له.

ويضيف أن أطفاله وزوجته في غزة ليسوا بأمان، مبيناً أنه رفض تلقيح طفله في غزة لعدم ثقته في الطواقم الطبية هناك، خاصة أن مشكله أخت زوجته حدثت بسبب خطأ طبي، عدا أشباح الحرب التي تلوح فوق القطاع.

طلاق على أبواب معبر

تعقّدت حياة الفلسطينية جميلة حدينق، 45 عاماً، بسبب معبر رفح. بعد وفاة زوجها الأول، تعرّفت عبر فيسبوك على محمد مصطفى، رجل مصري من مدينة السويس ويبلغ من العمر 55 عاماً، واتفقا على الزواج. عُقد القران في السفارة الفلسطينية بمصر، ولم يتبقَّ سوى أن تنتقل الزوجة إلى بيت زوجها.

ولكن حين شرعت في تجهيز الأوراق، وصعدت الدرجات العتيقة لعمارة أبو خضرة، المجمع الحكومي القابع وسط مدينة غزة، فاجأها المسؤول بالحقيقة المرة: "أنت رقم 30 ألفاً"، في إشارة إلى عدد المنتظرين للخروج من المعبر.

وبعد وساطات للقفز فوق تلك الإجراءات المعقدة، أصبحت جميلة وجهاً لوجه أمام المعبر، ولم يعد باقياً سوى أن يفتح أبوابه حتى تعبر إلى مصر.

أقوال جاهزة

شارك غردمصير الفلسطينية شيرين بات مجهولاً، ومعلَّقاً على أبواب معبر رفح. هي تخشى أن تبدد بواباته استقرار أسرتها، فقد مرّت على وجودها في غزة ثمانية أشهر ولا توجد بارقة أمل لعودتها إلى زوجها المصري

شارك غردالوضع الذي شهدته الفلسطينية جميلة على معبر رفح كان درامياً. فوجئت بدفع الحراس بعض الفلسطينيات، وطرحهن على الأرض، حتى أغمي على سيّدة، تريد هي الأخرى الوصول إلى زوجها المصري، ونُقلت إلى المستشفى

"لم أتوقع ما رأيته"، تصف أم شوكت ما شاهدته على المعبر. ذهبت إلى هناك لتتفاجأ بأعداد غفيرة من البشر على أبوابه، بينهم مئات الحالات التي تشبه حالتها. كل مرة يأتون إلى هنا ثم يعودون خاويي الوفاض. استمعت إلى العديد من القصص المؤلمة التي تدور أحدثها على معبر "باب الفرج".

لم يكن الأمر يقتصر على الزحام وتحرك القائمة ببطء شديد، بل كان أكثر درامية، إذ فوجئت بدفع الحراس المتواجدين على المعبر بعض الفلسطينيات، وطرحهن على الأرض، حتى أغمي على سيّدة تريد هي الأخرى الوصول إلى زوجها المصري ونقلت إلى مستشفى أبو يوسف النجار.

وسط تلك المعاناة، ظلت جميلة صامده على المعبر يومين، حتى جاءت الأنباء عن عملية إرهابية وقعت على الجانب المصري فتقرر إغلاق المعبر.

تكررت مرات الوقوف على المعبر. في كل مرة كانت جميلة تخرج من بيتها منذ العاشرة صباحاً لتنتظر ست ساعات هناك، ولكن يمر اليومان أو الثلاثة دون أن يصلها الدور، إما لانتهاء أيام فتحه، أو بسبب مشكلات تسرّع من وتيرة إغلاقه.

ومع كل فشل في العبور، كان يتصاعد الخلاف بينها وبين زوجها، ويصل إلى تهديدها بالطلاق. وفجأة انقطعت أسئلة الزوج وأخباره، ثم وصلتها رسالة إلى منزلها تحمل ورقة الطلاق، ومعها جواب قصير يقول فيه إنه وجد زوجه أخرى.

ويقول محمد مصطفى الذي يعمل سائقاً لميكروباص بين مدن الصعيد والسويس إنه، بعد وفاة زوجته الأولى، كان يرغب في الزواج بفلسطينية لتساعده في رعاية أطفاله، نظراً لما عُرف عنهن من البسالة، وحسن الأخلاق.

ويضيف لرصيف22 أن إغلاق المعبر حوّل زواجه إلى زواج مع وقف التنفيذ، فاضطر إلى صرف النظر عنه بسبب احتياجات الأولاد التي تتزايد كل يوم، وظروف عمله التي لا تتيح له التواجد باستمرار وسطهم لرعايتهم.

وتابع أنه عرض على زوجته الكثير من الطرق لدخول مصر بطرق أخرى غير المعبر، عبر الأنفاق، وتحمله لتكاليفها، ولكنها رفضت، ومع توقف محطات المصالحة الفلسطينية، إثر محاولة اغتيال رئيس الوزراء الفلسطيني رامي الحمد لله، بدا أن إقفال المعبر سيطول فاتخذ قراره بالطلاق.

الفأل السيئ للوظيفة في غزة

بدأت قصة تغريد محمد مع زوجها المصري، مهندس البترول عماد عمر، حينما تعارفا عبر موقع للتواصل الاجتماعي. تطورت العلاقة بينهما وتزوّجا واشتركا في بناء بيتهما الصغير الذي سافرت إليه عام 2009.

عاشت تغريد مع زوجها وأنجبا ثلاثة أطفال، أعمارهم حالياً ثلاث وخمس وتسع سنوات. ولم تكن تدري يوماً أن الظروف ستفرّقها عنهم.

حينما غادرت تغريد غزة، تركت وراءها وظيفتها التي توقفت عن مزاولتها منذ أن سيطرت حركة حماس على القطاع. ولكن قبل فترة، وردها اتصال من السلطة الوطنية الفلسطينية، طلب منها الحضور لإتمام إثبات الموظفين في غزة، وهو ما قامت به.

كانت تظنّ أن الأمر لن يستغرق أكثر من بضعة أيام تعود بعدها إلى مصر، ولذلك تركت الأطفال مع أبيهم. ولكن إغلاق معبر رفح حوّل الأيام إلى شهور.

"لم أكن أعلم أني لن أراهم مرة أخرى"، تقول بصوت مختنق. مرت شهور ولم يصل الدور إلى تغريد لعبور المعبر. استعانت بوسطاء لتنسيق دخول خاص ومستعجل لها حين يفتح المعبر بواباته كلّفها نحو أربعة آلاف دولار استدانت أسرتها لتأمينهم، ولكن دون جدوى.

هددها زوجها بالطلاق بحال استمرار غيابها فتدخل وسطاء، منهم شخصيات سياسية نافذة، وأصبحت تغريد إحدى الناشطات اللواتي يتظاهرن من أجل عودتهن ومئات الفلسطينيات إلى أزواجهن في مصر.

"خُدعت"، يقول عماد عمر المقيم في حي المعادي بالقاهرة، واصفاً ما حدث له، إذ اعتقد أن زوجته خرجت لتقيد نفسها في وظيفتها في مهمة تستغرق أسبوعاً، ليتفاجأ بأنها لن تعود أبداً.

وأكد عمر أنه كان رافضاً لسفرها منذ البداية، لعلمه بصعوبة الأوضاع في القطاع، ولأنه لم يكن مهتماً براتب وظيفتها، ولكن تغريد ألحت عليه واعتبرت ما تقوم به واجباً وطنياً.

وأضاف عمر أن أطفاله ظروفهم صعبة، ويتنقلون بين جدتهم وخالتهم، وقال: "على السلطة الفلسطينية التي عادت من أجلها، أن تقوم بردها إلى زوجها، أو أرسل إليها ورقة الطلاق".


كلمات مفتاحية
غزة معبر رفح

التعليقات

المقال التالي