ألا تتساءلون لمَ علينا ارتداء الملابس ومن فرضَها علينا؟

ألا تتساءلون لمَ علينا ارتداء الملابس ومن فرضَها علينا؟

"كانا كلاهما عريانين، وهما لا يخجلان". هكذا عاش آدم وحواء بحالةٍ من التناغم بين النفس والجسد، إلى أن عصيت حواء أوامر الله وأغرت آدم ليأكل من التفاحة المحرمة، فطُردا من الجنة ولمّا وجدا نفسيهما عاريين عمدا فوراً إلى ستر عورتيهما بأوراق الجنة.

أسطورة آدم وحواء تكشف الكثير عن ثقافة الملابس التي باتت جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية.

آدم وحوا، رسم للوكاس كراناش الأكبر

ولكن إذا كان الله قد خلق البشر عراة فلماذا بات العري "حراماً" والجسد "عيباً" يجب ستره؟

أولى أسابيع الموضة

صحيح أن أسلافنا لم يشاركوا في عروض الأزياء، لكن كان لديهم حسّ مرهف بالموضة.

فقد عمل علماء الآثار على البحث في ثقافة الملابس و"صيحات" الموضة خلال عصر ما قبل التاريخ، محاولين الإجابة عن السؤال التالي: من اخترع الملابس؟

ليس من السهل إيجاد أجوبة شافية. صحيح أن البشر في العصور القديمة كانوا يكسون أجسادهم بجلود الحيوانات، إلا أن الأمر معقد بعض الشيء، خاصة أن الملابس تتحلل بسرعة، وفق موقع "ناشونال جيوغرافيك".

أقوال جاهزة

شارك غردالبعض يرى أن الثياب تفصلنا عن الطبيعة وعن ذواتنا، وتجعلنا كالغرباء مع أنفسنا

شارك غرد الملابس تفصل البشر عن البيئة وعن أنفسهم، مما يؤثر في نظرتهم إلى ذواتهم وإلى كيفية تفاعل أجسادهم مع العالم الذي يحيط بهم

وبالرغم من ذلك، واظب العلماء على البحث في العناصر التي كانت تشكل الملابس في عصر ما قبل التاريخ، مستندين إلى مجموعة من الأدلة التي تشمل كل شيء، انطلاقاً من الألياف النباتية المصبوغة وصولاً إلى القمل.

متى ارتدى الإنسان الملابس لأول مرة؟

توضح عالمة الآثار في جامعة "بوردو"، ريبيكا وراغ سايكس، أن أقدم الملابس التي عثر عليها علماء الآثار تعود لصغار السن نسبياً. وهي صنادل في ولاية "أوريغون" الأميركية عمرها 8000 سنة، وقميص مطرز في مصر يعود تاريخه إلى 5000 سنة، وثياب "أوتزي"، "رجل الثلج" في جبال الألب، وهو كان ينتعل حذاءً من الجلد، ومعطفًا من الفراء وملابس داخلية مصنوعة من الجلد قد يعود تاريخها إلى 5000 سنة.

"أوتزي"، "رجل الثلج"

ويبيّن موقع "ThoughtCo" أن الملابس الأولى كانت مصنوعة من عناصر طبيعية: جلد الحيوان، الفرو، الأعشاب، الأوراق، العظام والأصداف.

وفي أغلب الأحيان، كانت هذه الملابس تعلّق على الجسم أو يتم ربطها به، كما أن الإبر البسيطة المصنوعة من عظام الحيوانات، تقدم دليلاً ملموساً على أن الملابس كانت تصنع من الجلود والفراء منذ نحو 30 ألف سنة.

وكشف الموقع أنه عندما اكتشف الإنسان في مجتمعات العصر الحجري الحديث مزايا الألياف النباتية المنسوجة مع جلود الحيوانات، برزت صناعة الملابس التي تعتمد على تقنيات السلال. وقد أضحت هذه الصناعة واحدة من أهم الصناعات الأساسية للبشرية.

وبشكل متوازٍ، ارتبط تاريخ الملابس بتاريخ نشأة الأنسجة، فتعيّن على البشر في ذلك الحين اختراع الغزل والنسج وتقنيات أخرى تمكنهم من صنع الأقمشة المستخدمة في الملابس.

هل الثياب تخنق حرية البشر؟

تلعب الملابس أدواراً اجتماعية وثقافية، فهي ترسم الفروق المهنية والجنسية وتحدد الوضع الاجتماعي، كما أنها تعتبر شكلاً من أشكال الزينة ووسيلةً للتعبير عن الذوق والـ"ستايل" الخاص بكل فرد.

وفي حين أن البعض يرى أن اختراع الملابس جاء لحماية الجسم من المواد السامة الموجودة في الطبيعة، وللوقوف بوجه التقلبات المناخية، إذ تُعدّ الثياب وسيلة تدفئة في البرد القارس كما أنها تحمي من أشعة الشمس، إلا أن هنالك قبائل كانت تفضل التجول في الطبيعة عارية تماماَ، مما يؤكد غياب الصلة بين الملابس والبقاء على قيد الحياة.

وعليه، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: إذا كان التعري أمراً طبيعياً، فلماذا هذا "الهوس" بالملابس؟

بالرغم من أننا ولدنا جميعاً من دون ثياب، فقد تربينا على ثقافة الخوف والخجل من أجسادنا وستر بعض الأجزاء منها كما لو أنها "عيب"، وهو الأمر الذي رفضه الناشط البريطاني ستيفن غوف، الحامل شعار"الحرية في أن تكون نفسك".

أحب غوف أن يكون عارياً لدرجة جعلته يخسر حريته، فقد أمضى هذا الرجل المتمرد على التقاليد والأعراف، حوالى 10 أعوام في السجن بسبب الكشف عن جسده العاري في الأماكن العامة.

واللافت أن هذا "المتجول العاري"، مَثُل أمام المحكمة من دون ثياب ووضِعَ في السجن الانفرادي بسبب رفضه ارتداء الملابس.

غرباء عن ذواتنا

ليس "غوف" الوحيد الناقم على ثقافة الملابس على اعتبار أنها تسجن البشر حتى في أجسادهم، فالباحث "إيان جيليجان" يشاركه في هذا الرأي: "صحيح أن الملابس أهم اختراع لدينا، إلا أنني لست مهتماً بها على الإطلاق".

فبالرغم من أن "إيان" منبهر بالطريقة التي طوّر بها الإنسان البدائي الملابس، وكيف يمكن لهذا الابتكار أن يعكس التطور البشري، فإنه يرى أن الثياب تفصلنا عن الطبيعة وعن ذواتنا، وتجعلنا كالغرباء مع أنفسنا.

في هذا السياق، لفت "إيان" إلى أن الملابس هي الاختراع الوحيد الذي يبقى معنا طوال الوقت، مؤكداَ أن الثياب ليست مجرد انعكاس سلبي لشخصيتنا وثقافتنا، بل هي تؤثر بشكل فعلي على الطريقة التي ننظر بها إلى أنفسنا وبيئتنا:" إنها جزء كبير مما يميز البشرية المعاصرة عن أي شيءٍ آخر".

ثياب الشعوب القديمة من كتاب من العام 1914

ويؤكد الباحث أن الملابس تفصل البشر عن البيئة وعن أنفسهم، مما يؤثر في نظرتهم إلى ذواتهم وإلى كيفية تفاعل أجسادهم مع العالم الذي يحيط بهم:" خلال العشرة آلاف سنة الماضية، حدثت تغييرات هائلة في حياة البشر. ومن خلال الملابس صنعنا بيئة اصطناعية تعزلنا عن العالم الطبيعي الموجود في الخارج".

إن الملابس إذاً هي شكلٌ من أشكال العزل التي تؤثر ضمنياّ على تجربتنا في الحياة.

وبخلاف اعتقاد البعض، فإن "إيان" ليس من دعاة التعري، إنما أراد تسليط الضوء على العواقب الوخيمة التي تنجم عن ارتداء الملابس بشكل روتيني منذ لحظة الولادة:" إن جلدنا هو ما يربطنا بالعالم المادي ويجعلنا ندرك وجودنا الجسدي، في حين أن الملابس تعطل هذه الروابط".

وأوضح جيليجان أنه بالنظر إلى السلوك البشري، ندرك بُعدنا المتزايد عن محيطنا الطبيعي:" أصبحنا أكثر ارتباطاً بالبدائل المادية التي ننتجها، وهذا الأمر وفق اعتقادي انطلق مع بدء أجدادنا بارتداء الملابس وتغطية أجسادهم".

وأكد الباحث أن البشر اعتادوا ارتداء الملابس لفترةٍ طويلة حتى انخرطت الثياب بالسلوك البشري وباتت طبيعية تماماً، وغير مرئية من الناحية النظرية.

التعليقات

المقال التالي