العنصرية في الملاعب المصرية... وقائع فردية أم ظاهرة عامة يجب التصدي لها؟

العنصرية في الملاعب المصرية... وقائع فردية أم ظاهرة عامة يجب التصدي لها؟

تلطّخ المستطيلات الخضر في مصر، من وقت إلى آخر، الهتافات العنصرية، وآخرها لم يأتِ كالعادة من الجماهير ولكن خرج من فم ضابط مسؤول عن تأمين مباراة يخوضها نادي هلال أسوان في جنوب مصر، إذ صرخ في وجه لاعبين نوبيين: "اسكتوا يا شوية عبيد"!

هذه الواقعة وقعت أثناء مباراة بين فريقي نادي الهلال الرياضي ونادي شركة الألومنيوم في نهائي دوري القطاعات لمواليد 1997، في 13 أبريل، عندما اعترض لاعبون من الهلال لا يشاركون في المبارة ويجلسون في المدرجات على الحكم لعدم احتسابه ضربة جزاء للنادي، ليُفاجأوا بالرائد أحمد عوض، المُعيّن لتأمين المباراة، وهو يصرخ فيهم قائلاً: "اسكتوا يا شويه عبيد".

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل قام عوض بإلقاء القبض على لاعب اعترض على هذا التطاول، إلا أنه سرعان ما أُفرج عنه، إثر اشتراط النادي ذلك لإكمال المباراة، حسبما جاء في بيان أصدره النادي في 15 أبريل.

يشتكي رئيس نادي هلال أسوان المهندس هشام عادل لرصيف22 من أنه "رغم مرور عدة أيام على الواقعة، لم يتفاعل مع أزمتنا سوى نواب أسوان في البرلمان، ولكن لم نتلقَّ حتى الآن أي رد من وزارة الداخلية، أو اتحاد الكرة أو وزارة الشباب والرياضة".

ويقول: "نحن سلكنا القنوات الشرعية للاحتجاج، لنُعبّر عن رفضنا لهذا السلوك المهين الذي تعرّض له أهل النوبة، ولا نطالب سوى بالتحقيق مع الضابط الذي تطاول بالسُباب العنصري".

ويضيف: "ننتظر ما إذا كانت مؤسسات الدولة تنفّذ تعليمات الرئيس عبد الفتاح السيسي بأن لا أحد فوق القانون أم لا. فلا يصح أن يشهد عصر (الرئيس المصري الأسبق حسني) مبارك احتراماً للنوبيين، فيما يحدث الآن العكس".

هل تحتضن ملاعب مصر العنصرية؟

رغم الأسى الكبير الذي يشعر به، إلا أن عادل لا يعتبر أن ما وقع من حوادث عنصرية متفرقة يشكّل ظاهرة. ويقول: "أبرز مثال هو أن جماهير الأهلي تهتف ضد أي لاعب في الزمالك سواء كان أبيض أو أسود اللون"، مشيراً إلى أن "الجماهير ذكية وتختار اللاعب البارز المؤثر في المباراة والذي يسُهل استفزازه كما حدث مع شيكابالا (محمود عبد الرازق) فهو معروف بعصبيته في المعلب، لذا كانت الجماهير تتعمد إثارته، والدليل أن نفس جماهير الأهلي لم تهتف ضد طه بصري أو أحمد الكاس أو فاروق جعفر وهم نوبيون ونجوم في الزمالك".

ويتابع: "أيضاً جماهير نادي الزمالك هتفت ضد محمد أبو تريكة نجم الأهلي بالسُباب رغم أنه شخص دمث الخلق في الملعب، في حين أنها لم تهتف ضد الكابتن أسامة عرابي وهو نوبي، لذا فالهتافات ليس لها جذور عنصرية".

ولكن رئيس نادي الهلال يحذّر من أنه "رغم أن ملاعبنا لم تشهد حوادث عنصرية جامحة، إلا أنه يجب الانتباه إلى أن هذا الصوت البغيض أصبح ينمو فيها، ومن ثم يَلزم أن يعدّل الاتحاد المصري لكرة القدم لائحة العقوبات، وأن تُسن مواد رادعة لأية هتافات عنصرية في الملاعب سواء أصَدَرت من جمهور أو لاعب أو مدرب أو رئيس نادي، وأن تُطبّق بحزم على جميع الأندية، خاصة أن قانون الرياضة الجديد رقم 71 لسنة 2017 لا ينص على عقوبات رادعة مناهضة للتمييز داخل الملاعب".

عنصرية جماهير الأهلي ضد الزمالك

واقعة نادي هلال أسوان ليست أولى الحوادث العنصرية في الملاعب المصرية. العنصرية بدأت مع تسمية جماهير النادي الأهلي لمنافسه نادي الزمالك بـ"نادي البوابين".

تأسس الزمالك عام 1911، وحمل عام 1941 اسم نادي الملك فاروق. ونظراً لقلة عدد مشجعي النادي بسبب كراهية المصريين له كون الإنكليز هم مَن أسسوه وكون الملك يرأسه، أخذ الأخير على عاتقه مهمة إنشاء قاعدة جماهيرية عريضة للنادي، فكان يأمر البوابين والخدم من أصحاب البشرة السمراء بالذهاب إلى المدرجات لتشجيع الفريق. ومن هنا شاعت تسميته بنادي البوابين والخدم، في نظرة كرّستها السينما المصرية.

وحديثاً، كان نجم الزمالك النوبي محمود عبد الرازق (شيكابالا)، المعار حالياً إلى نادي الرائد السعودي، هدفاً مفضّلاً لتهجمات جماهير النادي الأهلي التي كثيراً ما هاجمته بعبارات عنصرية، بسبب لونه.

وفي يناير 2011 أعلن الزمالك أنه يدرس إعداد شكوى موثقة بالصوت والصورة ضد جماهير الأهلي بسبب إطلاقهم عبارات عنصرية ضد اللاعب على مدار المباريات التي جمعت الفريقين.

مرتضى منصور يصف لاعباً نوبياً بـ"خدام وبواب"

عام 2015، أثار رئيس نادي الزمالك مرتضى منصور حفيظة أهالي النوبة، عندما وجه إلى اللاعب أحمد الميرغني، كابتن فريق نادي وادي دجلة حينذاك ولاعب الزمالك سابقاً، شتائم عنصرية على الهواء ووصفه بـ"خدام وبواب"، بسبب أصوله النوبية، في مداخلة له على فضائية "دريم".

وجاء تهجّم منصور على اللاعب بسبب انتقاده أداء السيسي في مكافحة الإرهاب بسيناء وسقوط ضحايا من الجيش، على حسابه الشخصي على فيسبوك.

الميرغنى

"علينا مواجهة أمراضنا"

"مَن ينكر أن المجتمع المصري عنصري هو أشبه بالنعامة التي تدفن رأسها في الرمال، والعنصرية ليست ضد النوبيين فقط بسبب بشرتهم السوداء، ولكنها تطال كل مختلف، نحيف، سمين، طويل، قصير، محجبة أو سافرة. ومن المؤسف أن تنتقل العنصرية إلى داخل الملاعب"، يقول أحمد الميرغني لرصيف22.

ويضيف: "لم تكن أزمتي مع رئيس نادي الزمالك مرتضى منصور الوحيدة التي تعرضت فيها لسباب عنصري. كثيراً ما أسمع أصواتاً من المشجعين في مدرجات الفريق المنافس تصرخ ‘يا أسود، يا بواب، خدام’. ورغم أني فخور بلوني الأسود، لكنّي حزين على انحطاط الأخلاق وغياب التربية وأبسط قواعد التشجيع".

يندهش الميرغني من إنكار البعض لهذه الممارسات العنصرية في الملاعب، ويقول: "علينا أن نواجه أمراضنا الاجتماعية، لا جدوى من إظهار المجتمع بأنه ملائكي ولا يخطىء".

أقوال جاهزة

شارك غردتطل الهتافات العنصرية برأسها من على مدرجات كرة القدم في مصر، وآخرها لم يأتِ كالعادة من الجماهير ولكن خرج من فم ضابط أمني صرخ في وجه لاعبين نوبيين: "اسكتوا يا شوية عبيد"!

شارك غرد"يجب الانتباه إلى أن صوت العنصرية البغيض أصبح ينمو في ملاعب كرة القدم المصرية"

ويتابع: "يكفي الاطلاع على التعليقات البشعة التي واجهها اللاعب المصري المحترف في نادي فانكوفر الكندي علي غزال، وأخيراً واقعة نادي الهلال بأسوان".

علي غزال

وكان علي غزال قد نشر عبر حسابه على تويتر صور احتفاله بعيد ميلاد ابنته الأول، ليُفاجأ بعبارات عنصرية تسخر من الفرق بين لون بشرته السمراء ولون بشرة ابنته الشقراء التي تشبه أمها الأجنبية.

وردّ غزال على هذا النوع من التعليقات بتغريدة قال فيها:

لا يُعوّل الميرغني على سن تشريعات جديدة لمواجهة العنصرية في الملاعب، ويقول: "لدينا قوانين كثيرة ولكنها لا تنفّذ، بل يفقد القانون هيبته عندما لا يُطبّق على الجميع بلا استثناء. وأبرز دليل على ذلك أنني تعرضت لسُباب عنصري من رئيس نادي الزمالك، وهو أحد القائمين على صناعة الرياضة في مصر ولم يعاقَب حتى الآن، والمفترض أنه يحمي اللاعبين وأنه قدوة للجماهير".

يأمل لاعب فريق دكرنس (نادي في الدرجة الثالثة) حالياً أن يكون التغيير مجتمعياً ويُشارك فيه الجميع بدءاً من الأسرة إلى المدرسة والجامعات، لتعليم الجيل الجديد احترام الآخر المختلف، ووقف تقديم الدرما للسود والنوبيين بصورة نمطية عنصرية ساخرة دائماً.

"الملاعب المصرية تعاني من التعصب"

يعتبر الناقد الرياضي في جريدة الأخبار المصرية عمرو كمال "أن الوقائع السابقة تظل حالات فردية ولا تمثل الاتجاه العام، فلم تصل ملاعبنا إلى العنصرية التي تجتاح الملاعب الأوروبية وخاصة الدوري الإنكليزي الذي عانى فيه اللاعبان المصريان أحمد حسام (ميدو) من هتافات عنصرية تتهمه بأنه إرهابي، وأيضاً محمد صلاح في بداية احترافه".

ويقول لرصيف22 إن "الملاعب المصرية تعاني من التعصب الأعمى ضد كل الناس وليس النوبيين فقط، وهو تعصب سببه الجهل".

وأوضح أن تصريحات إعلامية متعصبة تناقلتها البرامج الرياضية المصرية أودت بحياة 74 مشجعاً من مشجعي الأهلي في لقائه بالنادي المصري على استاد بورسعيد في فبراير 2011، وكذلك ترتب على تصريحات أطلقها مرتضى منصور مقتل 22 مشجعاً زملكاوياً في استاد الدفاع الجوى في فبراير 2015.

وفقاً لكمال، فإن "تاريخ الكرة المصرية مليء بلاعبين نوبيين، مثل الكابتن طه بصري، فاروق جعفر، إسماعيل يوسف وإبراهيم يوسف، كانوا معشوقين من جماهير النادي الأهلي رغم انتمائهم للزمالك".

ويلفت كمال إلى أن جماهير القلعة الحمراء تعتبر أن انتقال لاعب من الأهلي إلى نادٍ آخر "خيانه عظمى"، مضيفاً: "هذا ما حدث مع شيكابالا فعلاً. عندما انتقل إلى نادي الزمالك بعد تعاقده مع الأهلي نال عقاباً معنوياً من الجماهير، ليس لأنه نوبي، ولكن لنجاح جماهير الأهلي في اكتشاف مواطن استفزازه واستخدامها في إثارته وتشتيت انتباهه حتى لا يحرز أهدافاً".

ويرى أن "هذا تعصب وغباء من بعض جماهير النادي الأحمر وليس له علاقة بممارسات عنصرية ضد اللاعبين النوبيين، بدليل أنها وجهت ألفاظاً عنيفة ضد اللاعب عبد الله السعيد بعد توقيعه مع نادي الزمالك وهو ليس نوبياً".

"الحوادث العنصرية حالات فردية"

يرفض نجم النادي الأهلي سابقاً أسامة عرابي مفهوم الحوادث العنصرية في الملاعب المصرية ويقول لرصيف22: "لا توجد محافظة تحظى بحب واحترام مثل أسوان وأهالي النوبة، وعلى مدار 40 سنة أمضيتها في الملاعب لم أسمع هتافاً عنصرياً ينال من بشرتي السمراء".

وأضاف: "إن واقعة نادي هلال أسوان أو هتافات بعض جماهير الأهلي ضد شيكابالا لا تخرج عن سياق كونها حالات فردية مارستها روابط كالألتراس شديدة التعصب".

مصر بلا قانون لمناهضة التمييز العنصري

يرى الحقوقي ومدير مركز حدود للدعم والاستشارات  محمد عزمي أن التمييز العنصري الذي يُمارَس ضد أهل النوبة وأصحاب البشرة السوداء من الجاليات الإفريقية أصبح ظاهرة في مصر وليس مجرد حالات فردية.

ويقول: "يا عثمان، يا بوابين، إيه السواد دا كله... هذه المفردات جزء من وقائع الانتهاكات التي تتم داخل الشارع المصري، وتعود مرجعيتها إلى وسائل الإعلام ومحتوى الدراما التي قامت بترسيخ صور عنصرية داخل أذهان الجمهور عن النوبيين".

وأوضح عزمي أنه "لا توجد دولة في العالم خالية من التمييز، ولكن هناك دولاً تتخذ إجراءات حمائية تكفل حقوق الأقليات المختلفة سواء في التقاضي أو في قوانين رادعة تناهض أشكال التمييز وهناك دولة مثل مصر لا يوجد فيها أساساً قانون لمناهضة التمييز العنصري، رغم وجود المادة 53 من دستور 2014 التي تنص على أن "التمييز والحض على الكراهية جريمة" وتوصي بإنشاء مفوضية مستقلة للقضاء على كافة أشكال التمييز.

وأشار عزمي إلى أن النص الدستوري لم يترجَم حتى الآن إلى قانون بآليات تنفيذية واضحة، ولا يوجد سوى المادة 176 من قانون العقوبات، وهي مادة فضفاضة، ولا تساعد في إثبات جريمة التمييز، ومن ثم "لا تُمكّن من رصد حالات أو بلاغات في أقسام الشرطة من أشخاص تعرّضوا لتمييز على أساس اللون، فضلاً عن عدم ثقة الأفراد بجدية تنفيذ القوانين في مصر".

وتنص المادة المذكورة على أن "يعاقب بالحبس كل مَن حرض على التمييز ضد طائفة من طوائف الناس بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة إذا كان من شأن هذا التحريض تكدير السلم العام".

ويطالب عزمي بإقرار مشروع قانون لمناهضة التمييز العنصري.


التعليقات

المقال التالي