"لست وحدك... المثلية ليست خطيئة": رسائل إلى من يصارع نفسه ومن يقيّدها

"لست وحدك... المثلية ليست خطيئة": رسائل إلى من يصارع نفسه ومن يقيّدها

هي أصوات على قلة ما تقوله من كلمات إلا أنها تختصر رهاباً مكرّساً ترعاه حكومات وسلطات دينية واجتماعية. تجريم قانوني، دعاوى بالقتل ووصم اجتماعي يلاحق المثليين/ات ومزدوجي/ات الجنس ومتحولي/ات النوع الاجتماعي المعروفين بـ"مجتمع الميم" في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

تختلف درجات العدائية التي يواجهها هؤلاء من دولة لأخرى. وبينما لا تزال معظم دول المنطقة عالقة أمام مفهوم الحرية الشخصية نفسه، فكيف يتوقع منها أصلاً استيعاب مفاهيم كـ"التوجه الجنسي" و"الهوية الجندرية"؟

الوضع ليس على ما يُرام لا رسمياً ولا شعبياً، لكن أصوات كتلك التي خرجت في تقرير مع سلسلة فيديوهات من إنتاج "هيومن رايتس ووتش" و "المؤسسة العربيّة للحريات والمساواة" تعكس جانباً من حركة تغييرية كانت بدأت بالتكون منذ مدة، وحققت إنجازات موضعيّة سواء في مواجهتها للسلطة التي تقونن قمع هؤلاء وترعاه، أو في محاولة تغيير السلوك الاجتماعي.

"لست وحدك"

"كانوا يسخرون مني ويضربونني… كأنني مسخ"، "يعيّرونك، يشتمونك…"، "فكرت بالانتحار…"، "لم أكن أدرك أن الشذوذ ليس خطئي…"، أتت تلك العبارات على لسان أشخاص مختلفين من "مجتمع الميم"، بعضهم كشف وجهه والبعض لا، قبل أن يشاركوا القسم الآخر من تجربتهم والتي تروي كيف واجهوا أنفسهم ثم مجتمعهم ليكتشفوا أن ما يعيشونه "خطأ من حولهم" وأن "المثلية ليست خطيئة…"، لتأتي الرسالة واضحة إلى كل من يشبههم "لست وحدك… لستم وحدكم".

"لست وحدك" كان عنوان الحملة التي شارك فيها 34 ناشطاً وناشطة يعملون على حقوق مجتمع الميم في الأردن والإمارات والبحرين وتونس والجزائر والسعودية والسودان وسوريا والعراق وعمان وفلسطين وقطر والكويت ولبنان وليبيا ومصر والمغرب وموريتانيا واليمن.

ثمة خطين متوازيين للمعركة اليوم، في الخط الأول القيود القاسية في الدول القمعية ومناطق النزاع، عنف القوى الأمنية والمجموعات المسلحة، عنف أسر أفراد مجتمع الميم، الفتاوى الدينية، القتل، الفحوصات الشرجية…. وفي الخط الثاني حركات تغييرية تشهد تقدماً بطيئاً يتخلله انتكاسات، ومع ذلك يمكن رصد إبداع وديناميكية في الظروف الصعبة، سواء عبر تجارب فردية وأخرى جماعية بين الناشطين ساهمت في تعزيز الوعي وفي تحصيل مكتسبات في بعض الدول.

أقوال جاهزة

شارك غرد"لا نريد أن نبقى أسيري صورة الضحية بعد الآن. نريد أن ننقل الحقيقة، أن نتكلم عن العنف ولكن، أيضاً، (أن نظهر) ما هو إيجابي"... من شهادة في حملة "لست وحدك" التي نظمتها "هيومن رايتس ووتش" مع "المؤسسة العربية للحريات والمساواة"

شارك غردتصور مراهقاً/ة في القاهرة أو عمان أو الجزائر، وهو مثلي/ة ولديه 14 أو 15 سنة، يتساءل من أنا؟ هل أنا مريض؟ مجرم؟ هو يحتاج ليسمع تجربة من يشبهه... وهذا أحد أهم أهداف "لست وحدك"

وبين الخطين تبقى المساحة واسعة ومفتوحة سعياً لفهم كل ما يحيط بمجتمع الميم في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بكل تعقيداتها، من هنا تأتي هذه الحملة لـ"تقديم حركة تفتح الأبواب أمام مجتمع الميم… حتى في ظلّ محاولة بعض الحكومات إغلاق هذه الأبواب بوجههم"، حسب التقرير المكون من 63 صفحة.    

كل ما هو ممكن خارج صورة الضحيّة

"لا نريد أن نبقى أسيري صورة الضحية بعد الآن. نريد أن ننقل الحقيقة، أن نتكلم عن العنف ولكن، أيضاً، (أن نظهر) ما هو إيجابي"... كان هذا ما قاله الناشط زهير الجزائري من الجزائر في حديثه لـ"هيومن رايتس ووتش".

وهنا جزء أساسي من المشكلة، كما يقول تقرير المنظمة، وقد عبّر عنه العديد من ناشطي مجتمع الميم في معرض الحديث عن إحباطهم من التغطية الإعلامية الدولية أحادية التصوّر، من هنا سعت الحملة "وتضامناً مع ناشطي مجتمع الميم في المنطقة…إلى النظر في كل ما هو ممكن خارج صورة الضحيّة".

هذه المقاربة لمجتمع الميم لم تكن معتادة داخل المنظمة، فتعاطي الأخيرة مع أفراده ارتبط بشكل أساسي بتوثيق الانتهاكات بحقهم بينما كانت جهود التوثيق موجهة بشكل أساسي إلى السلطات الرسمية، لكن هذه هي المرة الأولى الذي يكون فيه لهؤلاء رسالة قوية يتوجهون فيها إلى من يشبههم عبر المنظمة ليقولون له "لست وحدك".

ما المختلف هنا؟

"تصور مراهقاً/ة في القاهرة أو عمان أو الجزائر، وهو مثلي/ة ولديه 14 أو 15 سنة، ولا يدرك طبيعة ما يتمله من أحاسيس بينما ينتابه شعور غريب مقارنة بالنمط السائد حوله، فعائلته ومجتمع والحكومة والقوانين يعطونه نظرة سيئة عن نفسه… هذا الشاب يتساءل من أنا؟ هل أنا مريض؟ مجرم؟"، بهذا يبدأ مدير التواصل والمرافعة في "هيومن رايتس ووتش" أحمد بن شمسي حديثه لرصيف22.

ويقول بن شمسي مستكملاً حديثه "هؤلاء يحتاجون إلى من يساعدهم، ومن قد يكون أفضل للقيام بهذه المهمة؟ ليس هيومن رايتس ووتش أو المؤسسة العربية، بل أمثالهم، أشخاص مروا بالتجربة نفسها، وهكذا فكرنا بإعطاء آخرين من نفس المجتمع مساحة لينظروا (عبر الكاميرا) إلى هؤلاء الشباب ويقولون لهم لستم وحدكم، لستم مجرمين، أنتم أشخاص طبيعيين، ونحن مثلكم".

عند سؤاله عن طبيعة هذه المقاربة مقارنة بمنهجية المنظمة المعتادة التي تعتمد عادة على توثيق الانتهاكات ومواجهة صناع القرار والتواصل معهم، أجاب بن شمسي "الضغط على صناع القرار ليس الطريقة الوحيدة الفاعلة، فهناك عنصر فاعل آخر هو المجتمع".

برأيه، يمكن أن يدافع  المجتمع عن نفسه لمواجهة قمع السلطات، إما بدعم المجتمع المدني للتصدي للسلطات أو بمساعدته لتقوية نفسه… وهذا البرنامج قد يساعد بطريقة متواضعة لتمكين مجتمع الميم، بداية من خلال تقوية ثقة الأشخاص في هذا المجتمع بأنفسهم، ومن ثم الالتحاق بمنظمات تدافع عن حقوقهم فيصبح لهذه الأخيرة حشد أكبر وأكثر عزيمة وجرأة لخوض برامجها.

ما سبق يجيب على السؤال المتعلق بأشخاص كثر ما زالوا يتصارعون مع أنفسهم ليواجهوا هويتهم الجندرية في مجتمع ضاغط، أشخاص ليس لديهم رفاهية التواصل والتواجد بين أشخاص يشبهونهم، وفي هذا الإطار أشارت الفنانة والناشطة الأردنية شيرين زعمط لرصيف22 إلى أهمية الفن كعامل مساعد في الوصول إلى الناس، كفن القصص، القادر على تقريب المسافات.

"لا بأس إن كنت مثلياً… ولكن"  

عملت الحملة على تفنيد السياق القانوني المتعلّق بمجتمع الميم بشكل مفصّل (ويمكن مراجعته في التقرير بنسخته الكاملة)، ولكن لأن الأصوات والقصص كانت مباشرة للوصول إلى من هم في الجانب الآخر المظلم من الصورة، فقد يكون للتركيز على العالم الاجتماعي الأهمية الأكبر هنا.

"كان حجم الوصمة العائلية والاجتماعية تحدياً كبيراً أمام الناشطين وأفراد مجتمع الميم، بغض النظر إذا كانت الحكومات تلاحقهم فعلياً.

عندما تكتشف الشرطة شخصاً منخرطاً في نشاطات مجتمع الميم قد لا توقفه، لكنها تأتي إلي منزله وتبدأ بسؤال أسرته عنه، يختلف الأثر من أسرة إلى أخرى، لكن الشرطة تستخدم العائلات كأداة قمع… كان هذا ما كشفته هاجر المتوكل من المغرب.

"يقولون لك لا بأس إن كنت مثلياً ولكنك لست بحاجة إلى الظهور"… من شهادة الناشط خالد عبد الهادي من الأردن.

"إنه عقد اجتماعي: نحن نملك النفط وستصبح غنياً فاصمت. إن لم يعجبك الأمر، ارحل. وبالتالي لا تجد تحركات… العالم هو مسرح لك وعليك أن تلعب دورك في المجتمع"... من شهادة مثلي بحريني يعيش في لبنان.

هذه بعض الشهادات التي تضمنها التقرير، وتتراوح من التهديد بالقتل، إلى إشعارهم بأنهم غير مقدّرين في أسرهم ما يسبب لهم الإحباط والإنهاك، وصولاً إلى مطالبتهم بالصمت، وفي حالات قليلة قبولهم على مضض، وفي حالات أقل من ذلك بكثير تقبلهم بشكل طبيعي.

من جهة ثانية، يشير التقرير إلى عامل الشهرة الذي قد يساعد أحدهم في التعبير صراحة عن هويته الجندرية والجنسية، ولكن حتى من كان مشهوراً وعبّر عن هويته الجنسيّة، لم يسلم من دفع ثمن باهظ في المضايقات.

الوصول إلى الشريحة التي يمكن إقناعها

في سؤال عن تلك الفئة التي لا تشيطن مجتمع الميم لكنها تشعر أنه قادم من فضاء آخر أو لا تزال أسيرة أفكار اجتماعية تقيّدها، قال المدير التنفيذي للمؤسسة العربية للحريات والمساواة جورج قزي لرصيف22 بأن هناك فئة لا تتبنى العنف ضد مجتمع الميم لكنها تشعر أن أفراده غرباء.

من هنا يشكل النقاش في أساليب الوصول إلى الشريحة التي يمكن إقناعها عاملاً أساسياً، سواء شارك أفرادها مجتمع الميم توجهاته أم لا.

وقد ذكر التقرير عدداً من الطرق منها الفنون والإنتاج الثقافي مستنداً مثالاً إلى قصة راشد في الأردن والذي استطاع التصالح مع مخاوفه وهواجسه وإيصال رسالته إلى مجتمع إربد من خلال المسرح.

يُضاف لذلك وسائل الإعلام التقليدية والتواصل الاجتماعي والتوعية غير المعلنة والنقاش المباشر مع الحلفاء المحتملين.

يعزز ذلك سنوات طويلة من العمل ساعدت في خلق حالة تراكمية، بموازاة العمل على التوعية الصحية وضمان الوصول إلى العلاج والوقاية من فيروس نقص المناعة، والعمل على التشبيك بين الجمعيات وبناء التحالفات وتوعية أفراد مجتمع الميم لأمنهم الشخصي والإلكتروني وخلق فضاءات حاضنة.  

وفي النهاية، قد يأتي من يقول "هل هذا الوقت المناسب للاهتمام بالمثليين بينما المنطقة غارقة في قضايا أكثر خطورة؟"، يجيب بن شمسي هنا "نسمع من يقول تهتمون بالمثليين وهناك أشخاص مثلاً يُضربون بالكيميائي؟ لكن نحن لا نعتبر أن هناك انتهاكات مقبولة وأخرى غير مقبولة، ولا نضع أية تراتبية للحقوق والانتهاكات".

برأيه،  من يطرح هذه الأسئلة ربما يبحث عن طريقة للتعبير عن عدم رضاه عن حقيقة أن حقوق الإنسان هي حقوق كونية تُطبّق في كل زمان ومكان... فمن يمتلك حق تحديد أولويات الحقوق؟".

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيداً عن التجاذبات السياسية القائمة.

التعليقات

المقال التالي