إدلب بين حصار الحرب ودخان حراقات النفط

إدلب بين حصار الحرب ودخان حراقات النفط

مهند شاب عشريني من أبناء معارة النعسان في محافظة إدلب السورية، بنى أحلامه في كسب قوته على العمل في حراقات تكرير النفط في ريف المحافظة. لكنه فقد حياته بداية العام الماضي، مختنقاً بغازات سامة ناتجة من عملية التكرير البدائية.

يقول والد مهند أن ابنه عمل بداية في بيع منتجات النفط على قارعة الطريق، ثم اشترك مع صديق في إنشاء حراقة لتكرير النفط نهاية عام 2016.

أي أن أشهر فصلت بين تلك البداية، ونهاية حياته.

كان يغيب عن المنزل ليومين أو ثلاثة بسبب ضغط العمل. وذات يوم، جاء موظف من النقطة الطبية إلى المنزل ليبلغه أن ابنه توفي مختنقاً بالغازات.

اسودت الدنيا في عيني الأب وأصبحت بلون دخان الحراقات التي يعمل في كل منها ستة عمال في المتوسط.

أمسى مهند مجرد اسم جديد في قائمة ضحايا حراقات بدائية تنفث سمومها في أجواء البلدة التي تبعد نحو 35 كيلومتراً شمال شرقي مدينة إدلب.

فقد أصيب مئات السكان بأمراض تنفسية وفقد آخرون حياتهم، بحسب مديرية صحة إدلب خلال مقابلات أجراها الكاتب مع موظفيها.

ما زال التلوث يحاصر معارة النعسان، شمال سوريا، والتي يسكنها نحو عشرة آلاف نسمة، يتوافد المئات منهم شهرياً إلى المستوصف الصغير في البلدة للحصول على علاج لأمراض تنفسية، بحسب إحصاءات مستوصف المدينة والتي اضطلع عليها كاتب المقال.

مئات الحراقات البدائية تنتشر في محافظة إدلب، وهي المحافظة الأكبر التي تسيطر عليها فصائل المعارضة السورية منذ أكثر من ثلاث سنوات، وانتشرت فيها الحراقات لتلبية حاجات السكان إلى الوقود ومنتجات النفط بعد تعطل عمل محطات التكرير التقليدية بسبب الحرب.

وتسبب ذلك في إصابة المئات بأمراض تنفسية بحسب أطباء في المنطقة، وسط غياب أي قدرة تنفيذية للسلطات لفرض القانون في ظل أوضاع الأزمة في البلاد.

تأتي صهاريج النفط الخام إلى إدلب من منطقة الآبار في محافظة الحسكة شمال شرقي سوريا أو من دير الزور شرق البلاد.

مرورها عبر الحواجز ليس يسيراً، وتُفرض على سائقيها إتاوات من قبل قوات سوريا الديموقراطية وفصائل أخرى، بعضها إسلامي، بحسب بعض البائعين الذين التقاهم الكاتب.

ثم يبدأ التكرير.

أقوال جاهزة

شارك غردمئات الحراقات البدائية تنتشر في محافظة إدلب لتلبية حاجات السكان إلى الوقود بعد تعطل عمل محطات التكرير بسبب الحرب وتسبب ذلك في إصابة المئات بأمراض تنفسية 

شارك غردلماذا أمسى مهند مجرد اسم جديد في قائمة ضحايا حراقات بدائية تنفث سمومها في أجواء محافظة إدلب؟

تكرير النفط يعتمد على إشعال النار تحت خزانات تملأ بالنفط الخام ليتكسر إلى منتجات وقود البنزين والمازوت (السولار) التي تباع في أسواق إدلب لأصحاب المتاجر وأفران الخبز والسيارات وغيرها.

بقع النفط تتفشى

تخطر نهاية مهند بين حين وآخر في رأس الشاب العشريني أحمد الذي بدأ العمل في المحطات البدائية لتكرير النفط أو الحراقات في إدلب قبل ثلاث سنوات.

أصبح الآن من ذوي الخبرة في هذا المجال، ومن ذوي المرض أيضاً.

بقع النفط تتفشى في جسد أحمد، لكنه اعتاد الأمر وباتت تفاصيله جزءاً من حياته اليومية.

يقول: "إن تكرير النفط أفضل الأعمال المتوافرة" في إدلب بعد سنوات من الأزمة المستمرة في سوريا.  

وأضاف: "في الشهر، ننتج 400 برميل تقريباً من الوقود بين المازوت والبنزين، نقوم كل شهر بحوالى 10 عمليات تكرير، تحتاج العملية الواحدة  إلى إشعال النار تحت الخزانات لمدة 16 ساعة في الأقل".

تشمل مهمات أحمد نقل النفط الخام من الصهاريج إلى خزانات الحراقة التي يشعل تحتها نار المواقد بالمازوت. ومع بدء فرز منتجات الوقود من بنزين وغاز ومازوت يتولى تعبئتها في براميل.

يتقاضى الشاب الذي يراقب عملية التكرير على مدى ساعات التشغيل، 6000 ليرة سورية (حوالى 11.5 دولار)  عن كل عملية تكرير، وهو مبلغ يكفل للشاب حياة كريمة مع حلول نهاية الشهر.

أصبح السعال سمة ملازمة لأحمد بسبب "أمراض كثيرة تمثلت في ضيق التنفس والتهاب القصبات، أصبت بها بسبب تأثري بالغازات الناتجة من تكرير النفط".

"كنت أتعالج وأعود إلى العمل، وأكثر ما كنت أتعرض له الاختناق بسبب استنشاق هذه الغازات".

في كل نوبة من نوبات الاختناق تمر أمام عينيه صور وأسماء أبناء البلدة الذين فقدوا حياتهم اختناقاً بدخان الحراقات.

أكثر من 30 مريضاً يومياً

بلدة معارة النعسان في ريف إدلب، لا يزيد عدد سكانها عن العشرة آلاف نسمة،  فيها مستوصف صغير يزوره يومياً عشرات من الأطفال والكبار يشكون أمراضاً تنفسية بسبب قرب سكنهم أو عملهم من حراقات تكرير النفط.

كان مهند يزور المستوصف بين حين وآخر. وما زال أحمد يتردد عليه حين تشتد أزمته.

قال الطبيب المختصّ بالأمراض الداخلية (الباطنة) في مستوصف معارة النعسان بريف إدلب، فهد العبد: "تصل مراجعات المرضى لاختصاص الداخلية يومياً إلى حوالى 35، بينهم في الأقل 10 أشخاص يحملون أعراض الإصابة بأمراض ناتجة من آثار تكرير النفط، مثل التهاب القصبات الحاد وذات الرئة".

ويتابع: "إن استمرت الحالة مع المريض لشهرين أو ثلاثة قد تتحول إلى ربو قصبي وهو مرض مزمن يستمر حتى موت الإنسان".

وفي عيادة الأطفال المتوافرة بالمركز الصحي، يؤتى بـ 60 طفلاً مريضاً يومياً، بينهم نحو 20 إلى 25 حالة مصابة بالتأثيرات الجانبية من عمل حراقات النفط.

ويقول العبد أن الأمر "قد يصل إلى الربو أو السرطان في حال لم تُعالج الأمراض من البداية".

ولا يستبعد زيادة أعداد المصابين بأمراض تنفسية مع استمرار عمل الحراقات بالشكل الحالي.

ويقول حصلت ثلاث حالات وفاة نتيجة التأثر بالغازات المنبعثة من تكرير النفط في البلدة، وعلى الرغم من ذلك عمل الحراقات مستمر.

الخطر يهدد 21% من السكان

أحصينا 467 حراقة في محافظة إدلب.

تواصل فريقنا المكوّن من سبعة أشخاص مع ناشطين من منظمات المجتمع المدني في  بلدات ريف إدلب المختلفة، أحصوا أعداد الحراقات في مناطقهم، ولتجنب الازدواجية والتكرار سجل فريقنا كل منطقة على حدة وأماكن وجود الحراقات وتحديدها جغرافياً وتأكد من ذلك على الأرض.

وحصلنا على  كتاب رسمي من المجلس المحلي لمعارة النعسان أكد الأعداد ذاتها التي حصلنا عليها  في المعارة، حيث أفاد بوجود 126 حراقة.

تتسبب حراقات هذه القرية بأكثر من 700 إصابة بأمراض تنفسية شهرياً وفقاً لبيانات "مركز معارة النعسان الصحّي"، معظمهم من الأطفال والرُّضّع.

وأوضحت البيانات أن نحو 25 إصابة بأمراض تنفّسية تحدث يومياً، أي إن إصابة واحدة تحصل كل ساعة في هذه البلدة الصغيرة، وتتراوح أعمار المرضى من عمال هذه الحراقات بين  15 و 40 سنة.

بلغ عدد سكان محافظة إدلب عام 2009 في إحصاء حكومة دمشق، 1.9 مليون نسمة، لكن مدينة إدلب استوعبت نازحين من عموم سوريا بعد اندلاع الأزمة.

وحسب إحصاء حديث صادر عن مديرية الصحة هناك، تجاوز عدد السكان حالياً ثلاثة ملايين نسمة، منهم 21% معرضون للخطر نتيجة انبعاث الغازات السامة من محارق تكرير النفط.

أكد أبو فارس، مالك إحدى الحراقات في معارة النعسان، عدم وجود أي جهة تقوم بالتفتيش على الحراقات، وقال أن العمل يسير من دون أي عائق من الفصائل أو الجهات الحكومية المسيطرة على المنطقة.  

وأضاف: "نستقبل الفيول (النفط الخام) الآتي من الحقول الشرقية في الحسكة ونباشر الحرق ونبيعه بحسب سعر السوق،  وهناك شكاوى وأضرار، حتى عمالنا تحصل عندهم حالات إغماء أحياناً، لكننا لا نستطيع أن نقطع رزق أنفسنا وكذلك لا نستطيع الاستغناء عن هذه المواد، لا نحن ولا غيرنا من الأهالي".

خطر بيئي

قال المهندس الزراعي عيد العيسى أن مخلفات الحراقات تصل إلى المزروعات حين تجرفها مياه الأمطار.  وأردف: "هناك، غازات مضغوطة تمكن ملاحظتها عند فتح الخزانات قبل عملية التكرير، هذه الغازات بمعظمها ضارة بالبيئة والإنسان".

وقال أن الحياة البيئية تراجعت لأن الحراقات قريبة منها، حتى صوف الغنم أصبح قاتم اللون، ولاحظنا انخفاض إنتاج شجر الزيتون في المناطق القريبة منها بنسبة 70% وقلت نسبة العقد (حمل الأشجار).

وذكر أن "المناطق التي تعمل فيها محطات تكرير النفط، خرجت عن الزراعة، والأخطر من ذلك هو ما يحصل من مخلفات النفط مع مياه الأمطار، حيث تختلط بالآبار التي نعتمد بشكل رئيسي عليها في ما يخص تأمين مياه الشرب". وأشار إلى أن مركبات الرصاص والغازات السامة وشوائب كثيرة يحملها النفط الخام مضرة بشكل عام، وقال أن هذا الأمر يسبب أخطارًا قد تظهر مستقبلاً على المنطقة بشكل عام.

"المناطق التي تعمل فيها محطات تكرير النفط، خرجت عن الزراعة، والأخطر من ذلك هو ما يحصل من مخلفات النفط مع مياه الأمطار، حيث تختلط بالآبار التي نعتمد بشكل رئيسي عليها في ما يخص تأمين مياه الشرب"

شكاوى بلا فائدة

الشكوى من الوضع لم تنقذ مهند، فلا مجيب للشكاوى. وحّد الأهالي جهودهم وشكلوا لجاناً مهمتها متابعة المشكلات الصحية الناتجة من عمل حراقات النفط في معارة النعسان، وتقديم شكاوى إلى جهات أمنية عدة كهيئة تحرير الشام والحكومة الموقتة وحكومة الإنقاذ، ووقّع ممثلو أكثر من 67 عائلة شكوى قدمها الأهالي إلى مركز معارة النعسان الصحي وإلى مديرية صحة في محافظة إدلب في مايو 2017، فلم تثمر إلا عن إصدار توصيات بإغلاق الحراقات أو نقلها بعيداً من المراكز السكانية.

بسام، مواطن سوري، تضرر من عمل تكرير النفط منذ أكثر من أربع سنوات، ومعاناته تزداد مع الوقت، قال: "أطفالنا ساءت حالتهم الصحية بسبب عمل محطات تكرير النفط، حتى أن بعضهم ما عاد الدواء ينفعه". وأضاف: "تلقينا وعوداً كثيرة من مديرية الصحة التابعة لمدينة إدلب تطمئننا بإزالة هذه المحطات أو تغيير أماكن عملها، لكن ازداد عدد محطات التكرير البدائية في الآونة الأخيرة".

قرر بسام وزملاؤه منذ نحو سنة، أن يقدموا شكوى إلى المجلس المحلي في معارة النعسان، واقترحوا على المجلس المحلي وضع فلاتر لتنقية الدخان المتصاعد من الحراقات ومنع خروج غاز الكبريت والميثان منها. لكن وعود المسؤولين في المجلس المحلي ومديرية الصحة ظلت حبراً على ورق.

الحلقة المفقودة

على الرغم من المشكلات الصحية الناتجة من التكرير البدائي للنفط، إلا أن مديرية الصحة الحرة في إدلب التابعة للحكومة المؤقتة لم تتمكن من فعل شيء.

وقال الطبيب مصطفى العيدو نائب مدير مديرية صحة إدلب: "وصلت إلى مديرية الصحة  شكاوى عدة تطالب بإزالة أو نقل أماكن محطات تكرير النفط".

وتابع: "شكلنا لجنة تقنية لمعالجة هذا الموضوع، وعاينا أكثر من محطة بدائية لتكرير النفط، بالطبع هذا العمل مخالف ومضرّ بالبيئة بشكل عام، لكن لا يمكننا فعل شيء". وزاد: "الحلقة المفقودة أن مديرية الصحة الحرة في إدلب لا يمكنها فعل شيء لإيقاف عمل محطات تكرير النفط، كل ما نفعله هو إصدار توصية بإغلاقها أو نقلها إلى مكان ملائم".

وفي ظل هذا الوضع، ليس أمام أقارب الضحايا سوى الرضا بالقضاء.

وقال والد مهند وهو يقلب صور ابنه على هاتفه المحمول: "مصيبتنا كبيرة... بس اللي بيرضى بياخد حقو من عند رب العالمين... لمين بدنا نشتكي يعني؟ وكّلنا أمرنا لله".

أنجز هذا التحقيق ضمن مشروع "سوريا بعمق" الإعلامي، المدعوم من مؤسستي "الغارديان" البريطانية و "آي إم إس" الدنمركية وشبكة "إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية" (أريج). 

كلمات مفتاحية
البيئة سوريا

التعليقات

المقال التالي