في الذكرى الـ70 للنكبة... التفرقة الحادة في المجتمع الإسرائيلي تهدد بانهياره

في الذكرى الـ70 للنكبة... التفرقة الحادة في المجتمع الإسرائيلي تهدد بانهياره

في الذكرى الـ70 للنكبة، وهي الحدث الذي يسمّيه الإسرائيليون "عيد الاستقلال"، يتّضح أكثر التوتر المتزايد بين المكونات الاجتماعية المختلفة في الدولة العبرية.

وحذّر تحقيق أجرته صحيفة هآرتس، ونشره ملحقها الاقتصادي "ذا ماركر"، من أنه إذا لم يتم سد الفجوات بين المكونات الاجتماعية داخل إسرائيل، يمكن أن يواجه المجتمع الإسرائيلي خطر الانهيار الاجتماعي.

من بين المؤشرات على التمييز بين أطياف المجتمع الإسرائيلي، تظهر قضية نسبة تشغيل النساء العربيات والحريديات في سوق العمل.

والحريديم هم طائفة يهودية أرثوذكسية تتمسك بالتطبيق الدقيق للشريعة، وتشتهر بارتداء نسائها النقاب حتى أن البعض يسميهنّ "نساء طالبان"، وبإنجابهنّ عدداً كبيراً من الأطفال مقارنة بباقي اليهوديات.

وتبلغ نسبة توظيف الحريديات 73% مقابل 36% للرجال الحريديم، وذلك بسبب انصراف الأخيرين إلى دراسة التوراة والعلوم الدينية. وبرغم دورهنّ الكبير في تأمين معيشة أسرهنّ إلا أن متوسط دخل الحريدية يبلغ حوالي 68% من دخل اليهودية غير الحريدية، ويبلغ دخل الرجل الحريدي حوالي 61% من دخل غير الحريديم.

ويؤكد تقرير "ذا ماركر" أن تحسناً حدث خلال السنوات الأخيرة لكنه كان بعيداً جداً عن سد الفجوة الحرجة بين متوسط دخل الحريديم والعرب وسكان الضواحي وجزء من المهاجرين الجدد، وبين متوسط الدخل العام في البلاد.

وبحسب تعبير رئيس معهد شوريش لدراسة السياسات الاقتصادية والاجتماعية البروفيسور دان بن دافيد: "توجد هنا دولتان، دولة الجامعات والتكنولوجيا المتقدمة... ودولة الباقين، والفجوات تنبع من التمييز في الموازنة، على سبيل المثال في المدارس".

ويتضح التمييز في الموازنة في التعليم على سبيل المثال. فبحسب بيانات حكومية، يبلغ نصيب الطالب الثانوي اليهودي من الموازنة حوالي 24 ألف شيكل (نحو سبعة آلاف دولار)، فيما يحصل الطالب العربي على نسبة أقل بنحو 36% من ذلك، ويحصل الطالب العلماني على نسبة أقل بنحو 16%، بحسب تقرير لـ"ذا ماركر".

تمييز بين الحريديم والأشكناز

يؤكد التقرير وجود تمييز بين الحريديم والأشكناز (اليهود ذوي الأصول الغربية الذين قدموا من أوروبا) والسفارديم (اليهود المهاجرين من إسبانيا والبرتغال، وكل اليهود ذوي الأصول الشرقية).

وتقول عدينا بار شالوم، مؤسسة إحدى أولى كليات النساء في المجتمع الحريدي، وابنة الحاخام عوفاديا يوسف: "الخلاف بين الحريديم والسفارديم والأشكناز حاد للغاية". وتشير إلى أنه في المجتمع الحريدي يظهر تعبير "هي شرقية" للقول "هي من الدرجة ب"، لافتةً إلى أن هذا التمييز موجود أيضاً في المجتمع العلماني والمجتمع الديني القومي، لكن هؤلاء "على الأقل يخجلون منه".

أقوال جاهزة

شارك غردتقرير إسرائيلي: إذا لم يتم سد الفجوات بين المكونات الاجتماعية داخل إسرائيل، يمكن أن يواجه المجتمع الإسرائيلي خطر الانهيار الاجتماعي

شارك غردأشكناز وحريديم وسفارديم وعرب وناطقون بالروسية... التمييز بين أطياف المجتمع الإسرائيلي يهدد بتفجيره من الداخل

ويرى البروفيسور في العلوم السياسية في جامعة بار إيلان آشر كوهين أن الاهتمام المتزايد بالمتشددين ذكى الصراع بين المتدينين والعلمانيين، وأضاف: "هناك أجواء حرب ثقافية، لكن بالنسبة إلى غالبية الناس فهذا شيء ثانوي، غير مهم".

ولكنه يقلل من احتمال تحوّل إسرائيل إلى دولة دينية، مشيراً إلى أن "الصهيونية الدينية يُنظر لها من الخارج وكأنها هي المهيمنة على المجتمع الإسرائيلي، لكن لا أحد يعرف مدى انقسامها".

والصهيونية الدينية هو تعبير يطلق على التيارات الدينية داخل الحركة الصهيونية، والتي تستند إلى التوراة للقول بحق اليهود في إقامة وطن قومي في فلسطين.

وبرأي كوهين، "لا يوجد في الصهيونية الدينية مجموعة كبيرة تدعم فكرة الدولة الدينية بدلاً من الدولة الديمقراطية" و"رجال الصهيونية الدينية يتواجدون اليوم في مراكز النفوذ أكثر من الماضي، لكنهم لا يمثلون حتى الآن سوى 12% من الإسرائيليين".

المهاجرون الإثيوبيون... تمييز فاقع

ويتطرق التقرير إلى معاناة اليهود المهاجرين من إثيوبيا، أي "يهود الفلاشا". وتقول مديرة جمعية "مهاجرون معاً" سيجال كنوتوفسكي: "أرى نفسي يهودية إسرائيلية، لكن البيئة تقول لي أنني من قبيلة أخرى، ذات لون جلد أسود".

وتروي: "عندما أصل إلى مقابلات العمل، يتفاجأ الناس لأنني أبدو مختلفة عما توقعوه عندما سمعوا اسمي... لقد تغير وضع المهاجرين الإثيوبيين بشكل كبير خلال العقد الأخير... ومع ذلك في أحيان كثيرة يكسب العمال الفلاشا أقل عشرات المرات من أقرانهم... الإثيوبيون يندمجون في الاقتصاد الإسرائيلي، لكن النظرة إليهم لم تتغير بعد. عندما يفكر الناس في الإثيوبي، لن يقولوا إنه يعمل في مجال الـ’هاي تك’ (التكنولوجيا المتقدمة) أو أنه محام ناجح. عندما أذهب إلى مدرسة لا أقابل مديرة إثيوبية، لكن أقابل حارساً أو عاملة نظافة على أقصى تقدير".

وأضافت: "المجتمع الإسرائيلي عنصري... وبالنسبة إلى يهود الفلاشا، يتضح هذا من خلال تعبير ‘اللون يشكل عائقاً’، عندما يتم رفض أي يهودي إثيوبي متقدم لإحدى الوظائف".

اليهود الشرقيون... سكان أطراف المدن

وتطرّق التقرير إلى التمييز الذي يتعرّض له اليهود الشرقيون، أي السفارديم، ونقل عن الناشطة الاجتماعية المقيمة في يروحام، نيلي أهارون، قولها: "الفجوات بين السكان في منطقة الوسط وسكان الأطراف ظهرت بسبب الآثار المترتبة على السياسات التمييزية في السنوات الأولى للدولة. معظم سكان الأطراف يهود شرقيون".

وتشير أهارون إلى أن اليهود الشرقيين الذين يسكنون في أطراف المدن يعانون من عدم الحصول على تعليم جيد، بالإضافة إلى ضعف نصيبهم من الموازنة العامة للدولة.

الأشكناز... النخبة

هل لا يزال الأشكناز (اليهود الغربيون) يمثلون النخبة حتى اليوم؟ تجيب البروفيسورة ساسون ليفي، من قسم الاجتماع في جامعة بار إيلان، بالإثبات وتقول: "هناك اختلاف وتمييز على أساس لون الجلد واسم العائلة، وليس فقط على أساس السمات والمؤهلات مثل المهنة أو الوضع الاقتصادي... الانقسام بين الأشكناز والشرقيين أقل من الماضي، لكن هناك وحدات في الجيش فيها أغلبية من الأشكناز".

ويشير تقرير سابق لـ"ذا ماركر" إلى أن الجيش يفضّل التحاق المجندين الذين يسكنون في وسط إسرائيل بالوحدات التكنولوجية، وعلى رأسها الوحدة 8200 الخاصة بتقنيات الرصد والتجسس الإلكتروني، وإلى أن هذه الوحدات هي البوابة الرئيسية للالتحاق بالعمل في مجال صناعات الـ"هاي تك"، والتي يُعتبر العاملون فيها من الأعلى دخلاً في إسرائيل.

وتقول ليفي: "ازداد الوعي حول التمييز الطائفي لكن لم يُقضَ عليه بشكل نهائي. النظر إلى الشرقيين بنظرة دونية يحدث بشكل أقل، لكنه مستمر بطرق غير مباشرة".

ولفتت إلى أن الأشكناز يهربون من تمييز أنفسهم بحسب الأماكن التي جاؤوا منها حتى لا يعترفون بالامتيازات التي يحصلون عليها ولا بمسؤوليتهم عن تغيير العلاقات بين القوى الاجتماعية المختلفة في إسرائيل.

وترى أن استمرار الفجوات نابع من مفهوم عميق لتعالي وتفوّق الغرب على الشرق. وتقول: "هذا شيء لم نخترعه"، لافتةً إلى رغبة وتطلع إسرائيل لتقديم نفسها كدولة غربية.

العلمانيون... من الهيمنة إلى وضعية الدفاع

يقول رجل الأعمال رام برومان الذي يعمل في مجال الـ"هاي تك" ومؤسس منتدى لدعم منظومة تعليم حكومية علمانية: "هناك الكثير من الحديث في إسرائيل عن احتياجات المتدينيين والحريديم، وإلى حد ما العرب. لكن لا يوجد حديث عن احتياجات العلمانيين وعن حقوقهم التي يحصلون عليها"، لافتاً إلى أن العلمانيين ليسوا أكبر مجموعة في إسرائيل، خاصة إذا ما قورنوا بشريحة اليهود المحافظين.

ويشير برومان إلى أن العلمانيين يعيشون حالياً في موقف الدفاع على العديد من الجبهات ويقول: "منظومة التعليم الحكومية لا توصَف بأنها علمانية، وعندما تعمل الحكومة على تهويدها لا يوجد أي شخص يمكنه الدفاع عنا".

ويتحدث عن نموذج من التمييز ضد العلمانيين في الجيش والعديد من القطاعات العامة الأخرى مثل المستشفيات، ويقول: "في هذه القطاعات يمنعوني من أكل طعام معقول لأنهم مثلاً يعدون المطبخ لعيد الفصح، أو لأنهم يفحصون الأواني الخاصة للتأكد من عدم وجود خميرة فيها".

ويُعتبر التأكد من أن الأواني خالية من الخمير، أحد طقوس عيد الفصح ويصر عليها اليهود المحافظون، إلى درجة أن البعض يبالغ في هذا الأمر ويخصص أواني معينة لإعداد الأطعمة الخاصة بهذا العيد.

ويؤكد برومان أن هناك نخباً جديدة في المجتمع الإسرائيلي تقوم بفرض مفاهيمها على المجتمع، ويفنّد الادعاءات التي تقول إن المجتمع الإسرائيلي أصبح علمانياً أكثر من الماضي، بقوله: "إذا قرر صاحب مطعم أن يفتح يوم السبت، فهذا ليس ميزة خاصة، ويُحتمل أن يكون فعل ذلك مخالفاً للقانون". ويضيف: "في كل مكان تتدخل فيه الدولة، نلاحظ تزايد عملية التهويد".

ويحظر القانون الإسرائيلي فتح المحال التجارية يوم السبت خاصة في القدس، تقديساً لهذا اليوم. وشهدت الساحة الإسرائيلية خلال الفترة الماضية جدلاً أسفر عن استقالة وزير الصحة، يعقوب ليتسمان، زعيم حزب يهدوت هتوراه المتشدد، على خلفية السماح لشركة القطارات الحكومية بتنفيذ أعمال صيانة لسكة القطار التي تربط بين بئر السبع وديمونا، الواقعتين في صحراء النقب، والتي شارك فيها نحو 100 عامل يهودي، يوم سبت.

العرب... "لا نريدكم بيننا"

تشير المديرة العامة المشاركة لجمعية "سيكوي" لدعم المساواة بين العرب واليهود في إسرائيل، رونيك ناطور، إلى أن العرب في الداخل يوصَفون بأنهم أعداء للدولة. وتقول: "إسرائيل ليست دولة مساواة، هناك تمييز في كل مناحي الحياة ضد المجتمع العربي، وهذا تقوله أيضاً وزارات في الحكومة حينما يشيرون إلى الفجوات والطرق الظالمة لتخصيص الموارد".

مع ذلك ترى أن هناك تحسناً في علاقة الدولة بالمجتمع العربي، وتقول: "في السنوات الأخيرة أصبح هناك تفهماً لأن إهدار وإقصاء نحو 20% من السكان يضر بالاقتصاد".

وتوضح ناطور أن المناخ السياسي الصعب والملوث يضر بهذا التحسن، إذ يعادي مسؤولو الحكومة المجتمع العربي ويهاجمونه دائماً، ودائماً ما تصل العرب رسالة مفادها: "في الحقيقة نحن لا نريدكم".

الروس... "صعوبات الكفاف"

تقول البروفيسورة لاريسا ريمنيك، المختصة في بحث الهجرة اليهودية من دول الاتحاد السوفييتي السابق: "ينتشر أكثر من 800 ألف مهاجر في نطاق واسع بين النجاح الاقتصادي وصعوبات الكفاف"، فمتوسط دخل الأسرة الناطقة بالروسية أقل بنحو 30% من نظيرتها المتحدرة من أصول غربية.

وتضيف أن معظم المهاجرين كانوا من حاملي الشهادات الأكاديمية، ولكن حوالي ثلثهم نجحوا في الاندماج بالطبقة الوسطى والباقون اضطروا للتأقلم مع الأوضاع، وترك حوالي 100 ألف مهاجر إسرائيل، بعضهم لأسباب اقتصادية، أو نتيجة لتوفر فرص أفضل لهم في الخارج، وهناك مَن هاجروا لأنهم لم يُعتبروا يهوداً وفق الشريعة وشعروا بأنهم مواطنين من الدرجة الثانية.


التعليقات

المقال التالي