عن الرمل واللحن كعلاج لأطفال الحرب...

عن الرمل واللحن كعلاج لأطفال الحرب...

"ما أحلى أن نعيش في خير وسلام. ما أحلى أن نكون في حب ووئام"،غنى أكثر من خمسين طفلاً.

يطلبون ممن يشاهدونهم أن يشاركوهم الحلم في وطن جميل يملأه الحب والسلام.

من يصدق أنهم أطفال خارجون من تجربة حرب ونزوح مريرة؟

هذا ما يخبرنا به مقطع فيديو نشر على صفحة فايسبوك لأحد المراكز التي تقدم الدعمين النفسي والاجتماعي للأطفال السوريين اللاجئين في الأردن، وهو مركز Happiness Again.

صور أخرى على صفحة هذا المركز في عمان، تظهر مقداراً كبيراً من السعادة والحب على وجوه عشرات الأطفال، وتخبئ وراءها جهداً يومياً لشبان وشابات جمعهم الإصرار على انتزاع أولئك الأطفال من أزمات نفسية واجتماعية واقتصادية عاشوها خلال سنوات الحرب في سوريا.

حتى قررت عائلاتهم الهروب إلى الأردن بحثاً عن ملاذ أكثر أمناً، لتحط رحالهم في هذا المركز.

أطفال ذوو اضطرابات حادة

بحسب تقرير الحاجات الإنسانية في سوريا لعام 2018 الصادر من الأمم المتحدة، فإن 40% من السوريين المحتاجين إلى مساعدات إنسانية هم من الأطفال، وتتطلب العناية بهم مجهوداً مضاعفاً نظراً إلى خصوصية التجارب التي مروا بها.

ففي النصف الأول من عام 2017 على سبيل المثل، سُجّل أكثر من ألف انتهاك جسيم بحق الأطفال السوريين، بما فيها التجنيد والقتل والسجن، كما أن ثلث هؤلاء الأطفال تعرض لفقدان أشخاص أعزاء، أو دمار منزل، أو الإصابة بجروح أو إعاقات بسيطة أو بليغة.

التقرير ذاته يتحدث عن معاناة البلدان المضيفة اللاجئين السوريين وعلى رأسها لبنان والأردن وتركيا، من صعوبات في تأمين تعليم ومأوى مناسبين، ما يعرض الأطفال بشكل خاص للحرمان من الإحساس بالأمان، ومشكلات في مقدمها العمالة والزواج المبكر وصعوبة متابعة الدراسة.

اضطرابات نفسية حادة: هذا هو توصيف التقارير الأممية لما أصيب به الأطفال السوريون داخل البلاد وخارجها خلال السنوات المنصرمة.

وعلى اعتبار الأردن واحداً من أهم البلدان المضيفة اللاجئين السوريين، حيث يبلغ عددهم هناك أكثر من 650 ألف شخص وفق إحصاءات التقرير، تظهر حاجة ماسة إلى جهود المجتمع المدني في تلبية حاجات تتزايد يوماً بعد آخر وتصعب تلبيتها مع مرور الزمن.

في شباط الفائت، أعلنت اليونيسيف أن 85% من الأطفال السوريين في الأردن يعيشون تحت خط الفقر ويعانون من تبعاته: الحرمان من التعلّم والحماية، التعرض لتجارب الزواج المبكر والعمل.

ماذا نفعل حيال ذلك؟

ناشطون وناشطات سوريون أبوا أن يقفوا مكتوفي الأيدي، فبدأوا يوفرون خدمات علاجية جسدية ثم نفسية للأطفال، وانتقلوا للعمل مع عائلاتهم، وأطلقوا على مشروعهم اسم "السعادة من جديد Happiness Again"، فهم يهدفون أولاً وأخيراً إلى إعادة البسمة لوجوه أتعبتها الحرب.

أقوال جاهزة

شارك غردناشطون وناشطات سوريون أبوا أن يقفوا مكتوفي الأيدي، فبدأوا يوفرون خدمات علاجية جسدية ثم نفسية للأطفال أطلقوا على مشروعهم اسم "السعادة من جديد"

شارك غردالعلاج بالرمل والموسيقى واللعب، ورسم البسمة على وجوه الأطفال السوريين في الأردن

انطلق العمل عام 2013 وفق ما تقول المشرفتان على المركز، ليلى م. وسوزان أ.، لرصيف22، بتقديم مساعدات طبية للاجئين السوريين الذين يعيشون بشكل خاص في العشوائيات المحيطة بالمدن، وأيضاً لعدد من اللاجئين الفلسطينيين، والمواطنين الأردنيين ممن يعانون من أوضاع مادية صعبة.

وخلال هذا العمل، تبين حجم الكارثة التي يعيشها الأطفال السوريون: صدمات نفسية تتفاوت قساوتها بين البسيطة والحادة مع ما يرافقها من اضطرابات تخلف آثاراً لا يسهل التخلص منها.

برنامج خاص لمعالجة العنف

بالاستعانة بفريق من الخبراء، أُخضع أطفال بداية لبرنامج مدته شهر واحد، ومع ملاحظة الآثار الإيجابية والتحول الكبير في شخصياتهم وطرائق تعاملهم مع أنفسهم ومع الوسط المحيط بهم، انطلقت فكرة تأسيس مركز مختصّ بتقديم خدمات الدعمين النفسي والاجتماعي للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و12 سنة، وهذا ما حصل بالفعل: مركز Happiness Again في منطقة خلدا غرب عمّان، ويتألف من غرف عدة مخصصة لنشاطات متنوعة لمعالجة العنف والاضطرابات النفسية.

تتنوع طرائق الوصول إلى الأطفال المستهدفين وفق حديث المشرفتين على المركز، ليلى م. وسوزان أ.  أهمها التعاون مع المدارس لتحديد الحالات الأكثر حاجة، بخاصة مع اكتظاظ المدارس الأردنية بالطلاب وصعوبة التعامل معهم جميعاً بالشكل المناسب، ما يستدعي دعم عدد منهم بنشاطات إضافية. وسيلة أخرى هي الزيارات المنزلية لتقييم اوضاع العائلات ومعرفة حاجات الأطفال بشكل خاص.

بعد ذلك، يشارك الأطفال في برنامج جلسات يمتد لفترة ثلاثة أشهر ضمن مجموعات تتكون من 20 طفلاً، وهو برنامج وُضع بعناية وخبرة لمعالجة اضطرابات ما بعد الصدمة PTSD، ويعمل على تطبيقه خبراء علم نفس ومتطوعون تلقوا تدريبات ملائمة.

المعالج النفسي مهند العبسي مدير المشروع يمتلك خبرة عشر سنوات في العلاج والإرشاد النفسيين تحدث لرصيف22 بإسهاب عن هذا البرنامج.

"تبدأ كل جلسة بحلقة نقاش لمدة 20- 25 دقيقة تتبعها تمارين رياضية ويوغا، ومن ثم قراءة قصة هادفة والحديث عنها. بعد ذلك، يُقسم الأطفال مجموعات تمارس كل منها نشاطاً مختلفاً، كالعلاج بالفن أو الرمل أو المعجون أو الأشغال اليدوية، إلى جانب الموسيقى والطبخ والألعاب".

هذه الجلسات التي تنفذ على ثلاث مرات أسبوعياً لا تتشابه خلال فترة البرنامج. ففي الشهر الأول تُترك للأطفال حرية التعبير عما في دواخلهم بشكل حر من دون توجيه. وفي الشهر الثاني، يبدأ الحديث عن مشكلاتهم بشكل عميق مع تحفيز نقاط القوة على حسب نقاط الضعف. وفي الشهر الثالث تُعزّز ثقتهم في أنفسهم ويتعلمون مهارات جديدة ليستخدموها في حياتهم اليومية.

أما النشاطات فهي من اختيار الطلاب وفق ما تقول مشرفتا المركز، فكل طفل يختار النشاط الذي يرغب في ممارسته بحرية، والذي يساعده في التعبير عن مشكلاته ومعاناته والتخلص منها لاحقاً. قد يتطلب العمل مع بعض الأطفال جلسات فردية بعيداً من المجموعة، وهذا يعود تقديره إلى الخبراء النفسيين.

تشرح السيدة سوزان تقنية العلاج بالرمل، وتقول: "أسلوب حديث وناجح للغاية تعرفنا إليه من خلال تجارب سويسرية، ويتألف من صناديق تحوي رملاً ناعماً ملوناً بعضها جاف والآخر مبلل، يمكن الطفل أن يمضي وقتاً طويلاً وهو يلعب بها مشكّلاً ما يرغب فيه من رسومات في  مخيلته. غالباً ما تبدأ هذه الأشكال بالدبابات والطائرات الحربية، وتنتهي بعد أسابيع بمنزل وحديقة ومزرعة مع أزهار وحيوانات. إنه أبلغ دليل على نجاحنا في تخليص الأطفال من العنف المكبوت في دواخلهم".

خدمات أخرى وجهد جماعي

في المركز أيضاً، يمكن الأطفال تسجيل ما يرغبون في القيام به من نشاطات ضمن "قائمة الأمنيات"، ليعمل الفريق على تلبيتها حسب قدرته.

"نخرج في رحلات شهرية تقريباً، تتنوع بين البحر والسينما والمتاحف ومشاهدة المباريات الرياضية، وتهدف إلى جانب الترفيه تقديم بعض الخدمات الاجتماعية كتنظيف الشواطئ. حتى وإن كانوا أطفالاً لاجئين خارج بلدهم، فالبلد المضيف له عليهم حق يوازي ما يقدمه لهم، وهذا ما نحاول زرعه في عقولهم وتفكيرهم"، تضيف السيدة ليلى.

مع تطور العمل، أضاف المركز خدمات جديدة إلى قائمة ما يقدمه للأطفال مستهدفاً عائلاتهم كذلك، حيث يستمر في تقديم الخدمات الصحية والطبية والقانونية وتأمين فرص العمل والمنح الجامعية وتعليم اللغات، إضافة إلى التعليم المهني للأمهات ودعمهن في المجالين النفسي والاجتماعي.

هذه النشاطات ما كان لها أن تكلّل بالنجاح لولا الجهود المتكاملة من فريق يتألف من معالجين نفسيين ومشرفين على الأطفال وموظفين إداريين، يتلقون باستمرار تدريبات على أساسات الدعم النفسي وطرائق التعامل مع الأطفال ليكونوا على الدوام مؤهلين لمجابهة أصعب الحالات بالوسائل الصحيحة، وبصبر وقدرة على تقبل الأطفال كافة والتفاهم معهم. ويتعاون المركز مع متطوعين يحضرون من بلدان عدة للمساهمة في النشاطات على اختلافها.

السعادة في الإنجاز

قصص النجاح في مركز Happiness Again، متعددة وفق ما تقول المشرفتان وكذلك مدير المشروع، وهي تركز على التخلص من الأعراض السلبية وتعزيز النقاط الإيجابية وإبراز أهم ملامح الشخصية التي قد تكون غائبة عند الأطفال، فكثر منهم عايشوا القصف وشاهدوا حالات موت تركت آثارها من سلوك عدواني وتبول لاإرادي وحتى أمراض جسدية مختلفة.

ما يميز عمل المركز، وفق قول العبسي، هو التركيز على كل حالة بشكل فردي ومتابعتها حتى التأكد من تخلصها من جميع مشكلاتها مهما استغرق العلاج من فترة قد تمتد لأشهر عدة تتجاوز مدة برنامج واحد وتتطلب إعادة تسجيل الطفل في برنامج آخر.

في حين أن هناك مراكز تكتفي بعدد محدد من الجلسات بغض النظر عن النتيجة النهائية. "نحن نركز على العلاج لا على بعض مظاهر التحسن فقط التي قد تكون آنية"، يضيف العبسي.

من تلك القصص، قصة فتاة كانت شاهدة على عملية قطع رأس في سوريا، وكانت عاجزة تماماً عن الضحك إلى أن خرجت في رحلة إلى البحر الميت. هناك، شاهد الجميع ضحكتها لأول مرة.

ومن مؤشرات النجاح أيضاً، ردود الأفعال الإيجابية التي يبديها المتطوعون المقبلون من خارج الأردن لدى زيارة المركز. "يسألوننا ما السر؟ ونجيب بأننا لا نملك عصا سحرية، بل إيماننا فقط بأهمية العمل المنظم والمبني على الاحترام والمحبة في آن واحد".

زينة شهلا

صحافية سورية في دمشق

التعليقات

المقال التالي