الإنسان هو خريطة من العلاقات الاجتماعية تسير على قدمين... عن دور الذكاء العاطفي في حياتنا

الإنسان هو خريطة من العلاقات الاجتماعية تسير على قدمين... عن دور الذكاء العاطفي في حياتنا

"كلما تحضّر الإنسان زاد ذكاؤه، وأصبحت نظرته إلى الآخر نظرة إيجابية، وكلما تخلّف ضاقت دائرة مشاعره وانفعالاته، وبات حبيساً لقواعد وتقاليد وعادات ومعتقدات محدودة جداً".

هكذا يرى الدكتور أحمد خيري حافظ، أستاذ علم النفس بجامعة عين شمس، الفرق بين الإنسان المتحضر وفقاً لتحضر مجتمعه الذي يعيش فيه، وبين الإنسان الذي يعيش في بيئة متخلفة، ذلك لأن الإنسان عبارة عن خريطة من العلاقات الاجتماعية تسير على قدمين، ولأن ذكاء الإنسان ببساطة هو "التعامل بكفاءة مع البيئة"، فيحتاج مجموعة من القدرات والصفات التي تؤهله لتلك المهمة.

نحاول في هذا المقال التعرف على قدرات الإنسان وكيفية استغلالها، وأنواع الذكاء التي يحملها، وهل يمكن تنميتها وتطويرها أم أنها ثابتة غير قابلة للتعديل. ونحاول أيضاً إبراز دور الذكاء العاطفي (الوجداني)، والفرق بين الذكاء العقلي والذكاء العاطفي، وهل يعمل كل منهما بمعزل عن الآخر.

via GIPHY

بين القلب والعقل

يقولون: حكّموا عقولكم لا قلوبكم في اتخاذ قرارات لا تريدون الندم عليها لاحقاً. ولكن أخيراً أكدت الدراسات أن القلب هو الذي يتحكم في عقل الأنسان أكثر مما كان يُخيّل للعلماء، لأن مصدر القرارت مصدر بيولوجي، هو (القلب)، إذ هناك أكثر من 40000 خلية عصبية حسية تنقل المعلومات من قلب الإنسان إلى عقله.

وفي الآونة الأخيرة، بدأ العلماء يستخدمون مصطلح "مخ القلب" للتعبير عن العلاقة القائمة بين قلب الإنسان وعقله، لأن القلب يمتلك جهازاً عصبياً يعمل بشكل مستقل عن أعصاب المخ، ومن هنا يأتي دور المشاعر والعواطف والانفعالات في حياة الإنسان، ويتحدد من خلالها ذكاؤه في التعامل مع البيئة المحيطة به.

الذكاء في حياة الإنسان

حول دور الذكاء في حياة الإنسان، يقول الدكتور أحمد خيري حافظ لرصيف22: "تغيرت الصورة النمطية التي قامت على أن الذكاء لا يعتمد فقط على فكرة التحصيل الدراسي والنجاح الأكاديمي، بل أيضاً على تعدد أنواع الذكاء مثل الذكاء الاجتماعي، والوجداني "العاطفي"، والروحي.

أقوال جاهزة

شارك غردفي الذكاء الوجداني فأنت تحب الناس، وتشعر بهم، وتتفاعل معهم، وتميل إليهم، وترتبط بهم ويرتبطون بك، ولا تعيش وحيداً، لذلك جاء تعريف الإنسان: "بأنه خريطة من العلاقات الاجتماعية تسير على قدمين"

شارك غردتحتاجون لشلوعي والفهم والتعبير والتقييم الدقيق للعواطف الذاتية وعواطف الآخرين، وإدارة العواطف والاستفادة من السمات الشخصية في عملية التحفيز والتناغم العاطفي مع الآخرين

ومن هذه النظرية، خرج العلماء بتعريف مبسط لذكاء الإنسان هو أنه " التعامل بكفاءة مع البيئة". ولأن ذلك يحتاج لكفاءة، نحتاج إلى بناء علاقة وثيقة بالآخرين مضمونها مودة متبادلة حتى يشعر الإنسان بالجانب العاطفي في حياته، ثم يأتي دور الذكاء العاطفي (الوجداني) الذي يكون مضمونه "التعاطف مع الآخرين".

الاضطرابات النفسية والسلوكية

يستكمل أستاذ علم النفس قوله إنه لاحظ في كثير من الأحيان أن المشاعر تكون مضطربة أحياناً، إذ يحبسها الإنسان خوفاً من أن تؤذيه. أما في الذكاء الوجداني فأنت تحب الناس، وتشعر بهم، وتتفاعل معهم، وتميل إليهم، وترتبط بهم ويرتبطون بك، ولا تعيش وحيداً، لذلك جاء تعريف الإنسان: "بأنه خريطة من العلاقات الاجتماعية تسير على قدمين"، هذه العلاقات لا تنجح إلا إذا تضمّنت جانباً عاطفياً أو وجدانياً. علماً أن العواطف ليست مقتصرةً على الحب فقط، بل أيضاً هي متعددة الجوانب.

بين الذكاء العقلي والذكاء العاطفي

يطلق البعض لقب ذكي على الشخص الذي يحصل على درجات مرتفعة في اختبارات القدرات العقلية (IQ)، في حين يتم تجريد غيره ممن حصل على معدلات أقل في هذه القدرات من ذلك اللقب بالرغم من امتلاكه قدرات مرتفعة في ضبط انفعالاته، وإدارتها وتحفيز ذاته، بالإضافة إلى المثابرة والإصرار والمبادرة والمرونة، وتقبل الغير والقدرة على التأثير في الآخرين.

ومن نجاح الأفراد في الحياة العلمية والاجتماعية، اتّضحت أهمية تلك القدرات والسمات بشكل يفوق تأثير الذكاء العام. يقول الدكتور حافظ: "في الذكاء جزء من مادة خام خاصة بالذكاء المجرد "العقلي" الخاص (بالرياضيات، وحل المشكلات... )، كذلك هنالك جانب اجتماعي يتم تعلمه من خلال الآخرين. لذلك أنت في حاجة إلى تنمية الذكاء الاجتماعي والذكاء الوجداني والذكاء الروحي والذكاء العاطفي".

ما هو الذكاء العاطفي وكيفية استيعابه؟

يقولون: حكّموا عقولكم لا قلوبكم في اتخاذ قرارات لا تريدون الندم عليها لاحقاً. ولكن أخيراً أكدت الدراسات أن القلب هو الذي يتحكم في عقل الأنسان أكثر مما كان يُخيّل للعلماء، لأن مصدر القرارت مصدر بيولوجي، هو (القلب). وفي الآونة الأخيرة، بدأ العلماء يستخدمون مصطلح "مخ القلب" للتعبير عن العلاقة القائمة بين قلب الإنسان وعقله، لأن القلب يمتلك جهازاً عصبياً يعمل بشكل مستقل عن أعصاب المخ، ومن هنا يأتي دور المشاعر والعواطف والانفعالات في حياة الإنسان، ويتحدد من خلالها ذكاؤه في التعامل مع البيئة المحيطة به.

توضح الدكتوره إيمان صالح حسن عبد الفتاح في بحثها "كيف تصبح أكثر فاعلية وتحقق النجاح من خلال الذكاء العاطفي وأساليب استغلال الطاقة؟" المنشور في كتاب إعداد القيادات الإدارية والمالية (مكتبة السحاب للنشر والتوزيع : القاهرة، 2009)، مفهوم الذكاء العاطفي (الوجداني)، أن الذكاء العاطفي هو مجموعة من القدرات التي تمكن الفرد من تسخير العواطف في ترشيد وتحفيز الأفكار والسلوك، من خلال الوعي والفهم والتعبير والتقييم الدقيق للعواطف الذاتية وعواطف الآخرين، وإدارة العواطف والاستفادة من السمات الشخصية في عملية التحفيز والتناغم العاطفي مع الآخرين".

من هذا التعريف، تتحدد لنا بعض النقاط التي تساعدنا على استخدام قدراتنا العاطفية، وأهمها:

معرفة قدرات النفس: التعرف على الشعور، والوعي بالنفس من أهم أجزاء الذكاء العاطفي، وعدم القدرة على ملاحظة مشاعرنا يجعلنا تحت رحمتها دائماً، فإذا افترضنا أن شخصين يعملان في نفس الحقل الوظيفي وقامت الإدارة بمعاقبتهما بحسم مبلغ معيّن من راتبَيْهما، فإن سلوك الشخص الذي يطلق الحرية لانفعالاته ولا يتحكم بها مع المحيطين به سيكون أسوأ بكثير من الشخص الذي يمكنه التحكم في انفعالاته.

فالأول سيصدر أحكاماً وقرارات متسرعة من الممكن أن تضر بحياته وعلاقاته الاجتماعية، أما الثاني فسيرجع الأمر إلى تقصير لديه في العمل، أو إلى مخالفات قد ارتكبها وليس للمحيطين به أي تدخل فيه. فإذا ساور الإنسان في تلك اللحظات أن ما يشعر به هو غضب فستتوفر له درجة مناسبة من الحرية، ليتمكن من عدم إطاعة هذا الشعور. كذلك يستطيع الفرد الذكي عاطفياً التخلص من قبضة الشعور الغاضب، لأن معرفة المشاعر وقت حدوثها من أهم أجزاء الذكاء العاطفي.

القدرة على التحكم في عواطفنا: يستطيع الفرد الذي يمتلك قدرات عاطفية تمكنه من السيطرة على انفعالاته، أن يتجنب ارتكاب الأخطاء التي قد تضر بالمكان الذي يعمل فيه، ومن ثم يساهم في الارتقاء بهذا المكان وتطويره، عن طريق مقاومة الاندفاعات التي تجعله دائماً يرتكب تلك الأخطاء.

كذلك فإن فن تخفيف الضغوط عن النفس يعتبر مهارة أساسية يستطيع الفرد من خلالها تقليل حجم المشكلات التي قد يتعرض لها إن لم يتحكم في غضبه من دون اللجوء إلى الاعتقاد المخطىء بأن التنفيس عن الغضب هو الوسيلة المناسبة للتعامل معه، والعكس صحيح، لأن التنفيس عن الغضب يساعد في رفع مستوى الإثارة لدى الإنسان، ويزيد مستوى الغضب. لذا ينصح علماء النفس الإنسان بأن ينظر إلى المواقف التي يتعرض لها من كل جوانبها وأبعادها من دون إطلاق العنان لانفعالاته.

القدرة على التحكم في القلق وتجاهله: إن تركيز الفرد على الأفكار السلبية المزعجة في بداية تعامله مع القضايا يشعره دائماً بالقلق من دون الانتباه لقدرته على التحكم في هذا القلق، ومن ثم قد ترتفع نسبة الاكتئاب لديه، لأن أفكارنا هي التي تتحكم في مزاجنا وقرارتنا وحياتنا. وللتخلص من هذا الشعور لا بد من تحدي تلك الافكار السلبية، وتحديد الطرق والبدائل المناسبة للتعامل معها، كذلك القيام بأعمال جذابة للعقل تصرف الذهن عن الأفكار الاكتئابية.

إذن، فالذكاء العاطفي هو قدرة الفرد على تسخير عواطفه في ترشيد وتحفيز أفكاره وسلوكه على الإبداع، والتكييف والتناغم مع الآخرين، من خلال الوعي والفهم الدقيق لعواطفه، وعواطف الآخرين.

يرى الدكتور أحمد خيري حافظ أن الذكاء العاطفي مرتبط بإنسانية الإنسان، وبشعوره بالآخر، وتعاطفه معه، وبتحديد إلى أي مدى يقدّر متاعب الناس، وإلى أي مدى يميل إلى التواصل معهم. هذه جميعها تؤلف أشكال التواصل الوجداني أو العاطفي. فهل ينجح الإنسان في حياته لو كان يعتمد على الذكاء الوجداني؟ لا ينجح الإنسان إلا إذا كان متعدد الذكاءات، فهناك أمور تتطلب توافر الذكاء الأكاديمي مثل الدراسة "رياضيات، فنون، علوم ...". لكن فيما يتصل بالعلاقة بالآخر "العلاقة بالبشر" لا ينجح الإنسان إلا إذا كانت لديه مشاعر ايجابية تجاه الناس.

السمات الشخصية للفرد الذكي عاطفياً

تكتب الدكتورة إيمان صالح في بحثها: إن الإنسان الذي لديه نسبة عالية من الذكاء العاطفي والقادر على فهم شعوره وانفعالاته وتطويعها وإدارتها، والاستجابة لها استجابه صحيحة، تصبح لديه مجموعة من السمات والمهارات التي تمكنه من السيطرة على سلوكياته وسلوكيات المحيطين به، ومن أهمها:

via GIPHY

القدرة على تحديد وفهم عواطفه، ومسببات هذهرالعواطف، وتقييم المواقف بشكل أكثر وضوحاً، وبالتالي اتخاذ قرارات تتسم بالتوازن.

الاستمرار في حالة من الهدوء والثبات الانفعالي وسط حالات الغموض والقلق، وبالتالي تكوين ردود أفعال متوازنة تناسب المجتمع.

- قدرته في التأثير على الآخرين من خلال قراءة مهاراتهم، والتواصل والتفاعل مع خبراتهم وتجاربهم.

- اتخاذ قرارات أكثر فاعلية، وتقييم المواقف بموضوعية من خلال فهمه الناجح لعواطف الآخرين.

- التواصل المرن مع الآخرين بالطرق المناسبة، وفي الأوقات المناسبة.

المواقف التي يتعرض لها الإنسان تنمي ذكاءه بشكل عام

ويستكمل الدكتور حافظ حديثه عن الذكاء: "المواقف التي يتعرض لها الإنسان تساعد في نمو ذكائه، وتكسبه خبرات متعددة من الآخرين، ومن تعامله مع المجتمع، ذلك لأن حياة الإنسان مزيج من الخبرات التي تنمي في داخله مفهوم العالم الذي يعيش فيه. فعند الطفل لا يتجاوز مفهوم العالم الأم والأب والأسرة، فكلما كبر الإنسان وتعامل مع الناس، وسافر وقرأ، وسّع دائرة معارفه، ومن ثم دائرة ذكاءاته.  وزاد فهمه للعالم".

التعليقات

المقال التالي