عدوى الضحك والبكاء: كيف يتحكّم السياسيون والفنانون في ردّ فعلنا؟

عدوى الضحك والبكاء: كيف يتحكّم السياسيون والفنانون في ردّ فعلنا؟

لم أحب أم كلثوم إلا حين رأيتك في سَكَر مع أغانيها. كنت أكره الأدب وأصبحت قارئاً نهماً بعد أن قرأت عليّ تلك القصة. حين شاهدتك تحتسين القهوة بتلذذ بدأت شربها أنا أيضاً. لم أكن أهتم بالأزمة السورية ولكن حين شاهدتك تبكين انتبهت. حين شاهدت أبي يبكي وهو يستمع إلى خطاب التنحي لجمال عبد الناصر، عرفت قيمة هذا الزعيم العربي.

مقولات مثل هذه وغيرها، رددها كثيرون منا، تعبيراً عن تعلقهم أو انفعالهم بأشياء لم يكونوا لينتبهوا إليها، إلا بناءً على تأثّر آخرين بها.

ويبدو ذلك واضحاً من خلال انتقال انفعال جمهور الأعمال المسرحية إلينا ونحن نشاهدها عبر التلفزيون أو الإنترنت. تخيلوا أنكم تشاهدون مسرحية كوميدية، ولكنها صُوّرت بدون جمهور يقهقه، فهل كنتم ستضحكون بالدرجة نفسها؟

داخل المسرح، لم يكن جمهور "مدرسة المشاغبين" ليضحك على هذا المشهد، لولا ضحكة أطلقتها الفتاة أولاً، ليستشعر باقي الحضور بكوميديا الموقف ويضحكون بعدها:

ويبدو أن مطربي الزمن الجميل تنبّهوا إلى هذا الأمر، وأدركوا قيمة تفاعل حاضري حفلاتهم مع أعمالهم، وأثره على الجمهور العام بعد ذلك، حين تطرح بالأسواق تلك الحفلات على "كاسيت" أو "اسطوانات".

أقوال جاهزة

شارك غردتخيلوا أنكم تشاهدون مسرحية كوميدية، ولكنها صُوّرت بدون جمهور يقهقه، فهل كنتم ستضحكون بالدرجة نفسها؟

شارك غردتبرد عواطفنا تجاه مشاهد الحرب مع الوقت بعد أن كنا نتأثر بها بشدة قبل ذلك. ولكن هذه المشاعر تعود ساخنة إذا ما شاهدنا انفعالات شخص آخر متأثر بها

فلو قارنا بين تسجيلات لحفلات حية لعبد الحليم حافظ مثلاً من دون أن تُجرى عليها أية تعديلات أو مونتاج "Uncut"، لوجدنا أنه يكرر كوبليهات أو جملاً أكثر من مرة. بعض هذه الجمل، يُحذف في النسخة التي ستطرح للبيع في الأسواق.

وهنا نلمس اتجاهاً للإبقاء على المقاطع التي يبدو فيها تفاعل الجمهور قوياً، وحذف تلك التي لا تحتوي على هذا التفاعل. وكان عبد الحليم يُشرف شخصياً على المونتاج الذي يُجرى على حفلاته، وفقاً لما ردده في أكثر من حوار تلفزيوني. وهذا ما توضحه المقارنة بين النسخة الأولى لأغنية موعود "بدون مونتاج":

وبين النسخة نفسها بعد "المونتاج":

أما "نجاة" فذهبت لما هو أبعد من ذلك، وأدخلت صوت جمهور "غير حقيقي" إلى أغنية "عيش معايا" التي غنتها في الأستوديو:


وكثير من الفنانين المعاصرين فعلوا مثل نجاة، منهم بهاء سلطان:

وهشام عباس:

لصورة الجمهور وهو منفعل دور أيضاً في هذا الجذب، لا صوت تصفيقه وتهليله فقط. فمنا من تغويه صورة مشاهِدة تبكي أو تشرد أو تنام على صدر حبيبها، وهي تستمع إلى موسيقى تعزفها أوركسترا أندريه ريو، فيفضّل هذه النسخة الحديثة من المقطوعة الكلاسيكية "القديمة" على غيرها من النسخ. يجوز أن للإعجاب أكثر من سبب، ولكن المؤكد أن لبراعة المخرج في إبراز تفاعل الجمهور دوراً في هذا الإعجاب.

وكثيراً ما رأينا منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي تتغزل بسيدة أو رجل من جمهور حفلات أم كلثوم:

المسألة لا تقتصر على الفن، ففي السياسة قد نعتاد رؤية مشاهد لا إنسانية (قتل، تفجير، مظاهر فقر... ) في مناطق الأزمات، فتبرد عواطفنا تجاهها مع الوقت بعد أن كنا نتأثر بها بشدة قبل ذلك. ولكن هذه المشاعر تعود ساخنة إذا ما شاهدنا انفعالات شخص آخر متأثر بتلك المشاهد، كما شاهدنا بكاء هذه المذيعة، وهي تعلق على حدث اعتدناه بشكل شبه يومي في سوريا:

ومن العوامل التي أثرت في وجدان البعض خلال عدوان إسرائيل على لبنان عام 2006، كانت دموع رئيس وزراء لبنان فؤاد السنيورة:

لماذا لا يستشعر بعضنا الشيء إلا بعد أن يستشعره آخر؟ هل هناك تفاوت في العاطفة بين الشخصين أم ثمة تفاوت في الذكاء والفهم؟ كيف ينتقل شعور الآخر إلينا؟ كيف يمتلك عواطفنا الفنانون والسياسيون وكل من يبعث إلينا برسائل، رغم أن تلك الرسائل قد تكون ليست الأفضل بالنسبة لهم، أو لا تستحق هذا الكم من التفاعل معها مقارنةً بغيرها؟

الأكثر ذكاءً عاطفياً يتفاعلون أولاً

المسألة تبدأ من عند الأشخاص الذين يمتلكون ذكاءً عاطفياً أعلى. والذكاء العاطفي هو قدرة الشخص على إدراك شعوره وشعور الآخرين، والتفاعل معه بشكل مناسب. وهو متفاوت بين الناس، فهناك أشخاص لديهم القدرة على التفاعل مع الآخرين بشكل أفضل وأسرع وأعمق من غيرهم، بحسب ما ذكر البروفوسير في علوم المخ وسلوكياته، دانييل جولمان، في كتابه  "الذكاء العاطفي".

ومن سمات الإنسان، صاحب الذكاء العاطفي المرتفع، أنه شديد الحساسية، وتلقائي، وواثق بمشاعره، ومتفتح على الخبرة الحسية.

هذه الحساسية الكامنة لدى أصحاب الذكاء العاطفي، تجعل من السهل استثارة جهازهم العصبي أكثر من غيرهم، لأن لديهم قابلية للتغير المزاجي السريع، فتتحرك دموعهم نتيجة إعلانات تجارية، أو مشهد تلفزيوني أو مسرحي أو أي عارض يمر بهم، ولكنهم أيضاً يستطيعون تنظيم خروج هذه المشاعر والتحكم فيها، وفق جولمان.

ثم ينتقل الفيروس

بعد أن يتأثر الشخص الذكي عاطفياً أو الأكثر حساسية، تنتقل مشاعره إلى غيره، وفقاً لنظرية عدوى المشاعر. هذا ما بيّنته دراسة أجراها الباحث آدم كرامر وآخرون على عينة من جمهور "فيسبوك" شملت 700 ألف متصفح للموقع (من دون إعلامهم بالأمر). ومن خلال هذه الدراسة تم فحص تأثير مشاركات المتصفحين الآخرين (السلبية والإيجابية) على جمهور البحث.

وظهر أن مشاركات الأصدقاء على فيسبوك تؤثر علينا وقد نحاكيها، فحين قرأ جمهور البحث منشورات إيجابية كانت مشاركاته أيضاً إيجابية، والعكس صحيح أيضاً. وحين قل تعرض جمهور البحث للمشاركات السلبية، زادت مشاركاته الإيجابية، وعند تقليل المشاركات الإيجابية زادت المشاركات السلبية بنفس الدرجة.

بل بدا أيضاً أن المتصفح إذا وجد أن الكثير من أصدقائه لا يكتبون ما يعبرون به عن عواطفهم، لا يشارك أيضاً في أي منشورات تعبر عن أحاسيسه هو أيضاً.

لم تكن دراسة كرامر عن عدوى المشاعر الأولى، فقد سبقته الباحثة "سيجال بارزاد - Sigal Barsade"التي أجرت بحثاً عام 2002، على مجموعات من زملاء العمل، وبيّنت فيه أن عضو المجموعة الذي نشر مشاعره الإيجابية أثّر على مشاعر باقي زملائه إيجابيًا، وازداد الود والتفاؤل والحماس فيما بينهم، وهذا ما رفع أداءهم العام، وزاد نجاحهم.

أما الفريق الذي نشر فيه أحدهم مشاعر سلبية، انخفضت بين أعضائه روح التعاون، وشاع الكسل والتشاؤم، مما أدى إلى انخفاض أداء الفريق.

3 عوامل تتحكم في توصيل المشاعر

في كل تواصل بين شخص وآخر، أو بين شخص وجمهور، من خلال الإعلام أو بشكل مباشر، هناك 3 مؤشرات تتحكم في الرسالة (العمل الفني، التقرير الإخباري، المقابلة بين شخصين... ) التي يبعثها المرسل (الفنان، الإعلامي، السياسي...) إلى المستقبِل، ونقل هذه المؤشرات إيريك بويسنس في كتابه "السيميولوجيا والتواصل" عن الباحث السيميولوجي لوي بربيتو، وهي:

1- مؤشرات قصدية: تتكون من الأحداث والوقائع التي تمدنا بمعلومات أُنتجت عن قصد لإيصال مضمون معيّن لآخرين. ولا تتحقق لها الغاية إلا عندما يدرك المتلقي نية المرسل من الرسالة أو المضمون الذي يريد أن يوصله.

نحن هنا نتحدث عن أصل الرسالة (المسرحية، الفيلم، الخطاب السياسي، الأغنية... ) من دون أية مؤثرات مصاحبة.

2- مؤشرات تلقائية: هي الأحداث والوقائع أو الأشياء التي تمدنا بمعلومات من دون أن تكون قد أنتجت من أجل هذه الغاية.

قد تكون ضحك الجمهور في المسرحية، وتصفيقه إعجاباً بأغنية أو خطاب سياسي، وشجار ضيفين في برنامج تلفزيوني على الهواء... .

3- مؤشرات تلقائية مفتعلة: مثل تصنّع مذيع للبكاء حيال مشهد عنيف في حرب، أو ارتجال عازف خارج نص اللحن، أو خروج فنان عن النص في العرض المسرحي، أو محاولة زعيم سياسي رسم تعبيرات معينة على وجهه، انسجاماً مع الخطاب الذي يوصل من خلاله رسالة معينة إلى الجمهور.

إذا خلت الرسالة من الصنفين الثاني والثالث من تلك المؤشرات، فنحن أمام رسالة ذات مؤثرات فقيرة برغم أنها قد تكون قوية في حد ذاتها، لذا لن تصل بسهولة إلى الجمهور الذي يمتلك ذكاءً عاطفياً منخفضاً، إذ كلما شملت الرسالة الكثير من تلك المؤشرات كانت أكثر وقعاً على المتلقي. وانفعال شخص أو تأثره بشيء قد يضفي على المعنى الأصلي معنىً جديداً، أو على الأقل يصبح بمثابة مُوصل له.

محمد حسين الشيخ

كاتب مصري، عمل كصحافي تحقيقات، وكاتب مقالات لعدد من الصحف والمواقع المصرية والعربية منذ عام 2004، وكان مساعدا لرئيس تحرير موقع دوت مصر، ومهتم بالتاريخ والفن.

التعليقات

المقال التالي