في بلد إسلامي، فتح الباب أمام المرأة لتصبح "عدلاً" أو مأذوناً

في بلد إسلامي، فتح الباب أمام المرأة لتصبح "عدلاً" أو مأذوناً

كثيراً ما يحب الأهالي أن يسير الأبناء على خطاهم، وأن يختاروا العمل في نفس مجال عملهم.

فتجد الطبيب يشجع الأبناء على دراسة الطب، والمهندس يدفع الأبناء نحو كليته.

لكن والد سهام امتعض ورفض رغبة ابنته أن تعمل في مجاله، أو أن تصبح عدلاً مثله.

مهنته، برأيه، حكراً على الرجال، لا مكان للنساء فيها.

يعمل عدلاً، أو مأذوناً وكاتب عدل، في مدينة الجديدة المغربية، وقد جابه سهام البالغة من العمر 24 سنة بالرفض حينما أخبرته أنها تود أن تتخصص في مجال العدول، بعد أن تتم دراستها في سلك الماجستير شعبة القانون العام.

في الماضي، كان تحقيق حلمها مستحيل.

لكن في يناير صدر قرار من العاهل المغربي الملك محمد السادس الذي أمر وزير العدل والحريات العامة بفتح خطة العدالة أمام المرأة، واتخاذ التدابير اللازمة لتحقيق هذا الهدف، ليصبح المغرب من الدول العربية والإسلامية السباقة في هذا المجال.

لذلك، سيظل تاريخ الإثنين 22 يناير من عام 2018، موشوماً في ذاكرة المرأة المغربية، ومعها الحركة الحقوقية والجمعوية.

التاريخ المذكور محطة تحول في مسار في المهنة التي ظلت منذ انطلاقتها في المغرب حكراً على الرجل.

هي مهنة التوثيق التقليدي، المعروفة بـ "العدول" بالعامية المغربية، أو في باقي البلدان العربية بالمأذون، وقد فتحت أبوابها للجنس اللطيف.

استند العاهل المغربي في قراره إلى رأي المجلس الأعلى العلمي في شأن مدى جواز ممارسة المرأة مهنة عدل، بحسب القرار، "بناء على الأحكام الشرعية المتعلقة بالشهادة وأنواعها، والثوابت الدينية للمغرب، وفي مقدمها قواعد المذهب المالكي، واعتبار ما وصلت إليه المرأة المغربية من تكوين وتثقيف علمي رفيع، وما أظهرته من أهلية وكفاءة واقتدار في توليها المناصب السامية المختلفة".

ولترجمة القرار على أرض الواقع، حددت الوزارة الوصية يوم الأحد السادس مايو المقبل، موعداً لإجراء الامتحان لدخول مهنة العدول.

وحسب القرار الوزاري الرقم 04-18، فإن الامتحان سيكون للمترشحين من الذكور والإناث، شريطة الالتزام بالمعايير المحددة في القانون المنظم لخطة العدالة.  

وحسب القرار ذاته، فإن هذا الامتحان سيجرى في مدن الرباط والدار البيضاء ومراكش وأكادير وفاس ووجدة وطنجة.

وفي غياب أرقام دقيقة، أفاد مصدر مقرب من وزارة العدل رفض ذكر اسمه، بأن عدد المترشحين لاجتياز امتحان دخول مهنة العدول، المقررة يوم 6 مايو المقبل، قد يتجاوز 3000 مترشح من الجنسين، يتبارون من أجل 800 منصب.

ويحدد المشرّع المغربي تسعة شروط لمن سيزاول مهنة العدول، أبرزها أن تكون جنسيته مغربية، واعتناقه الديانة الإسلامية، وأن يكون ما بين 25 و45 سنة، وألا تكون له سوابق حبسية، ويشترط لاجتياز امتحان القبول الحصول على إجازة في أصول الدين أو القانون أو ما يعادلها.

تقول سهام خلال حديثها إلى رصيف22 أنها تحدت قرار والدها الذي عبر لها عن رفضه الضمني فتحَ المجال للمرأة لشغل مهنة العدل، وسجلت لتتقدم للامتحان. 

تقول أن قراره زادها إصراراً لتحقيق أمنيتها، وأن تكون من الفوج الأول للنساء اللواتي سيمتهنّ هذا المجال.

سهام التي تدرس في كلية الحقوق في مدينة الدار البيضاء، العاصمة الاقتصادية للمغرب، أكدت أنها تتمنى أن تتحقق أمنيتها في اجتياز الامتحان، وأن تعيش هذه التجربة الأولى من نوعها في المغرب.

مزاولتها للعمل لا يشبه الصورة التي ترسمها الأفلام للمأذون الشرعي، الذي يذهب إلى المنزل بذقن ومنديل مرتدياً عمامة وثوباً، فمهام العدل توثيقية، أبرزها عقد القران، لكنها لا تنحسر بها.

فهي تعد عقود الإرث والطلاق والوصايا وإخصاء التركة والإقرار بالنسب أو إثباته بصفة عامة، إضافة إلى عقود البيع والشراء والرهن.

حرام؟ حلال؟ ما رأي الشرع؟

أثار قرار فتح الباب أمام المرأة المغربية لدخول مهنة العدول، ردود أفعال متباينة بين مؤيد ورافض، غير أن نسبة المؤيدين كانت غالبة على آراء الرافضين أو المتحفظين عن القرار.

وقبل إبراز رأي الجهة المساندة والمؤيدة القرار التاريخي، نتوقف عند بعض وجهات نظر للرافضين الفكرة أصلاً.

وتشكل صوت الرافضين من دعاة السلفية الذين أجمعوا على أن منح المرأة هذه المهمة "مخالف للشريعة الإسلامية".

كثير منهم يستدل الآية القائلة "واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى".

لذلك، فإن توثيق الزواج برأيهم مسألة شرعية لا مجال للاجتهاد فيها، والعودة إلى المصادر الشرعية تُظهر أنه لا مجال للشهادة ولا الولاية على النكاح إلا للرجل.

في مقدم هؤلاء الرافضين الشيخ حسن الكتاني، أبرز المدافعين عن الفكر السلفي في المغرب، والذي عزز رفضه بكون الفقه الإسلامي يرفض رفضاً باتاً أن توثق المرأة العقود أياً كان نوعها، مستدلاً على ذلك بأن شهادة المرأة ناقصة.

وفي رأي مناقض، نجد الشيخ أحمد الريسوني، نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، يقدم تصريحات مؤيدة قرار دخول المرأة عالم مهنة العدول.

وبرر في تصريحات إعلامية، رأيه بكون شغل المرأة مهنة العدالة حالياً، "تختلف تماماً عن الإشهاد المذكور في القرآن والسنة وكتب الفقه".

وتابع: "إن الإشهاد الذي كان من قبل، هو إشهاد شفوي، يستمد حجته من عدالة الشاهد وحفظه وضبطه، وهو ما تشير إليه الآية الكريمة "أن تَضِلَّ إحداهما فتُذكرَ إحداهما الأخرى"، موضحاً أن "الأمر معتمد على التذكر والتذكير، إضافة إلى عنصر العدالة".

وأضاف أن مهنة العدول التي سيقوم بها الرجل والمرأة اليوم، "تعتمد على مجموعة من الوثائق الثبوتية الرسمية للمتعاقدين، وكذلك على التدوين الكتابي الدقيق للعقود وأصحابها، ثم تأتي بعد ذلك مصادقة قاضي التوثيق".

من جانب آخر، أعرب كثر من الحقوقيين والمهتمين بقضايا المرأة، عن ارتياحهم لهذا القرار الذي اعتبروه "تاريخياً".

اعتبرت فوزية الأبيض، أستاذة جامعية، ومهتمة بقضايا حقوق الإنسان، القرار جريئاً وصائباً، وأردفت في تصريح إلى موقع رصيف22: "القرار يتوافق مع ممارسة الحقوق الدستورية المغربية، وفتح المجال أمام المرأة لممارسة مهنة العدول، جاء ليلغي القرار المجحف والإقصائي في حق النساء من دخول هذه المهنة التي ظل يحتكرها الرجال منذ القدم".

وتابعت أن القرار جاء ليصحح مساراً خاطئاً، أقصى النساء من حقهن الدستوري في الشغل، مبيّنة أن المغرب وقع عدداً من الاتفاقات الدولية التي تلغي التمييز المبني على النوع.  

أقوال جاهزة

شارك غردفتحت المغرب الأبواب أمام النساء لدخول مهنة التوثيق التقليدي، المعروفة بالعدول أو المأذون

شارك غردفتح المجال أمام المرأة لممارسة مهنة العدول، جاء ليلغي القرار المجحف والإقصائي في حق النساء

هذه مهنتنا نحن الرجال...

الوسط المهني للعدول لم يقف كله في صف المؤيد والمساند، فهناك من اعترض على القرار، واعتبره خطوة غير صائبة لمهنة العدول.

نور الدين لشكر، عدل في مدينة الرباط، أبدى تحفظاً تجاه القرار، وقال في تصريحات إعلامية: "إن قرار تأنيث مهنة العدول تأتي بمباركة لوبيات من داخل الموثقين العصريين، هدفها تشويه هذا التراث الإنساني". وهدد بتقديم استقالته من مهنة العدول إذا فتح الباب أمام المرأة لاجتياز مباراة مهنة العدول.

حاول رصيف22 الاتصال بلشكر، غير أن جميع المحاولات باءت بالفشل، لوجوده خارج المغرب.

في المقابل، هناك من يؤيد.

أكد الأستاذ بوشعيب فضلاوي، رئيس هيئة العدول في المغرب أن الهيئة كمؤسسة رحبت بقرار فتح خطة العدالة في وجه المرأة المغربية. وأضاف لرصيف22 في اتصال هاتفي أن القطاع في حاجة ماسة إلى المرأة، من أجل الوقوف إلى جانب الرجل، مشيراً إلى أن المرأة العدل قد يكون لها دور بارز في موضوع الطلاق، حيث يمكنها أن تتطلع على ظروف المرأة في حالة الطلاق حائضاً كانت أم حاملاً.

وفي سؤال حول ما إذا كان الحجاب شرطاً أساسياً لدخول المرأة مهنة العدول، رد الفضلاوي: "القانون المنظم لمهنة العدول لا يركز على ولا يشترط الحجاب أو أي لباس، فالمعيار ليس اللباس بل الكفاءة والثقة".

بكل عزيمة...

أمينة حجي، البالغة من العمر 29 سنة، تقطن منطقة ولاد صالح، التابعة جغرافياً لمدينة الدار البيضاء.

تواصل دراستها في سلك ماجستير شعبة القانون.

تريد أن تصبح عدلاً، أو مأذوناً وقد قدمت ملفها لامتحان القبول.

أكدت أنها استوفت جميع الشروط، وهي تنتظر بفارغ الصبر يوم الامتحان، لتحقيق أمنيتها في الحصول على إحدى الوظائف.

سبق لها أن اجتازت مجموعة من الامتحانات الخاصة بقطاعات وزارية عدة، وهي كلها أمل بأن تحظى بوظيفة في مجال العدول.

تحدثت أمينة بكل عزيمة عن استعدادها الجدي لتخطي هذا الامتحان ودخول عالم الوظيفة التي كتب منذ القدم أنها ذكورية بامتياز. فهي

تقول أنها غير آبهة بالخلافات الفقهية حول جواز دخول المرأة هذه المهنة التي ظلت حكراً على الرجل، وهي تنتظر بفارغ الصبر يوم الامتحان.

سعيد ياسين

صحافي يشغل مهمة رئيس تحرير في قناة الرياضية المغربية. كاتب عام للرابطة المغربية للصحافيين الرياضيين، وعضو في المركز المغربي للدراسات والابحاث الرياضية، والمنتدى الثقافي والرياضي العربي (تماس).

كلمات مفتاحية
المرأة المغرب

التعليقات

المقال التالي