دليلكم المبسّط إلى سوق الجمعة: هنا تجدون من الإبرة للصاروخ مروراً بمقبرة فريد الأطرش

دليلكم المبسّط إلى سوق الجمعة: هنا تجدون من الإبرة للصاروخ مروراً بمقبرة فريد الأطرش

خوذة جندي من الحرب العالمية الثانية معلقة على الجدار، أدوات مائدة نحاسية كُتب عليها صنع في سويسرا مرتبة على طاولة خشبية صغيرة، لوحة بالأبيض والأسود لرجل يعتمر طربوشاً أحمر وامرأة ذات شعر قصير ترتدي فستاناً قصيراً وقبعة، و "يا صباح الخير ياللي معانا.. يا اللي معانا" تصدح بها أم كلثوم من صندوق خشبي مزخرف يحمل أسطوانة سوداء تدور ببطء، وملحق به بوق نحاسي.

لم يكن هذا ديكور منزل من منازل فترة الخمسينيات، إنما هو نزر يسير من محتويات أحد محالّ سوق الجمعة الذي يمتد من أسفل كوبري التونسي حتى المجزر بالبساتين. ذلك السوق الذي لن يمكنكم أن تتخيلوا مدى تنوعه بدءاً من مختلف أنواع الطيور والحيوانات والأثاث وصولاً إلى الملابس وأدوات السباكة والنجارة وأدوات الزينة والأنتيكات.

أي شيء قابل للبيع والشراء والمساومة

يتصف ميدان السيدة عائشة -الذي أُقيم في هذا المكان قبل نحو مئة عام- بالزحام في الأيام العادية. أما في يوم الجمعة، فأنتم على موعد مع رحلة من نوع خاص، لأن هذا اليوم ينتظره مريدو "سوق الجمعة" من أهل القاهرة وضواحيها.

في مطلع رحلتكم التي تبدأ من أسفل ميدان السيدة عائشة، سيقابلكم سوق الكلاب، حيث أنواع عديدة منها يمسك بها أصحابها الذين جاءوا يبيعون جراءها المولودة حديثاً أو تلك التي أرادوا استبدالها بأنواع جديدة، فترون الكلاب المعدة للحراسة والكلاب الصالحة للاقتناء بأسعار تبدأ من 100 جنيه للجرو الذي لم يتخطَّ عمره الخمسين يوماً.

ويمكنكم "الفصال" في أي شيء يُباع داخل السوق مع آخرين يعرضون بضاعتهم على الرصيف أو في المحالّ، فضلاً عما ستجدونه "من الإبرة للصاروخ"، كما يقولون، بأقل الأسعار التي تضفي على هذا السوق أهميته وشهرته.

أقوال جاهزة

شارك غردهنا ترون التمساح في حبسه الحديدي منتظراً مالكه الجديد والنسناس يتراقص في قفصه بجانب الثعابين غير السامة

شارك غردالملابس هنا ليست مستعملة كلها ولكنها من دون ضرائب ومصاريف تشغيل ونقل، فتقل عن سعرها بالخارج أكثر من 40%

نسناس وتمساح وحمام

لدى التوغل في السوق تجدون سوق الحيوانات. هنا ترون التمساح في حبسه الحديدي منتظراً مالكه الجديد، وهناك سيفرح أطفالكم برؤية النسناس يتراقص في قفصه بجانب قفص الثعابين -غير السامة- التي يمتلئ بها السوق.

للحمام والعصافير ركن خاص يقول عنه الحاج سليمان أنور "آتي إلى سوق الجمعة مرتين على الأقل في الشهر منذ أكثر من عشر سنوات، أجد هوايتي الأثيرة به وهي تربية الحمّام. لدي "غية" حمام بأعلى سطح منزلي، وأعمل دائماً على جلب المزيد منها.

هنا أجد أسعاراً زهيدة مقارنة بما أراه خارج السوق، ومحبو الحمام يعلمون كم أن اقتناءه مصدر سعادة لهم وهواية تقترب من الإدمان، ومن أهم أنواع الحمائم في السوق: قشر البندق- النفاخ- البهلوان – الكوشوك – العنبري- الحلبي - القطقاطي".

وتُقام أحياناً المزادات على الحمام، خاصةً الأنواع الأكثر ندرة منه، ويراوح سعر الطير بين خمسين جنيهاً و1000 (56$)".

عدا أنواع الحمام وأشكاله المختلفة، ترون ألواناً مبهجة وأصواتاً غاية في العذوبة تنبعث من الكروانات والببغاوات والعصافير، وثمن الطير من 100 جنيه (5$) فما فوق، وتجدون أيضاً أندر أنواع الببغاوات المتحدثة مثل "الببغاء الزنجباري". وهنالك تجار سمك الزينة على الجانب الأيمن من الشارع، وكل أربع سمكات بمبلغ 10 جنيهات (0.5$).

علماً أن أحد أهم قوانين السوق هو إمكان طرح أي صفقة على زائر السوق، إذ يمكن أن يستوقفكم أحدهم ليعرض عليكم شراء نظارتكم أو الموبايل أو حتى ساعة يدكم.

رابعة العدوية شارع للجديد والمستعمل

يأتي الكثيرون مع أطفالهم لشارع رابعة العدوية بالسوق هاربين من الغلاء، كي يشتروا الملابس المستعملة ذات الحالة الجيدة، خاصةً في مطلع فصلي الصيف والشتاء.

توضح لنا إحدى البائعات أن الملابس هنا ليست مستعملة كلها، فالكثير من البائعين تخصصوا في بيع الملابس الجديدة، ولكن من دون إضافة ما يضيفونه إليها في المحالّ الكبرى من ضرائب ومصاريف تشغيل ونقل، فتقل عن سعرها بالخارج أكثر من 40%، وتأتي الأسر إلى هنا باحثة عن "بنطلونات الجينز" للأطفال والكبار.

وتستطرد: "ومش كل اللي بييجي بيشتري زي الأول بردو، بس أهو بننزل ونفرش البضاعة واللي ما يشتري يتفرج".

وعلى بُعد أمتار من الشارع، يصطف بائعو أدوات السباكة أمام المقابر، ويقصدهم كل باحث عن أسعار مخفضة وأدوات جيدة لتجديد سباكة بيته، ولا يخلو الأمر من المساومة، فالجميع يريدون أفضل بضائع بأقل سعر ممكن.

قطع نحاسية نادرة وغرامافون وصور من الماضي

إذا كنتم من عشاق كل ما يحمل عبق الماضي مثلي، فأنصحكم بزيارة شارع 16، حيث ستدهشكم مقتنيات المحالّ وبضاعة المفترشين الأرض، وسترون التماسيح والثعالب المحنطة والصور الفوتوغرافية لأشخاص بالأبيض والأسود عاشوا قبل خمسين عاماً على الأقل، فضلاً عن التابلوهات الأصلية وقطع الأثاث النادرة والقطع النحاسية البديعة من الأباريق والصواني وأدوات المائدة التي حُفر عليها يدوياً منذ عشرات السنوات.

وستستمعون إلى الأنغام تتهادى من غرامافون قيّم لا يزال يعمل بكفاءة مع أسطواناته الكاملة المسجلة عليها أغانٍ لسيد درويش وأم كلثوم ومحمد عبدالوهاب وغيرهم.

وستجدون أيضاً أن أصحاب تلك البضاعة يفهمون جيداً ما تريدونه، ويحدثونكم عن قطعهم النادرة بحرفية تنم عن ثقافة تراثية لافتة.

أسمهان وفريد الأطرش والقصبجي ويوسف وهبي أيضاً

لن يمكنكم أن تطالعوا كل هذا الثراء البديع من دون أن تختلسوا النظر إلى الشواهد واليافطات التي خُطت على أبواب المقابر، والتي تخبركم عن زمن ولى بكل ما فيه من إبداع ورقي وشغف، وستجدون توصيفات اجتماعية مرتبطة بفترات زمنية كانت فيها البهوية والباشوية فخراً لمن نسبت إحداهما إليه، وتمتاز تلك المقابر أيضاً بالمساحات الرحبة حيث يقيم عدد من الكادحين مع زوجاتهم وأولادهم.

في رحلة استثنائية واحدة يمكنكم أن تتجولوا عبر العديد من الأزمان وتروا مقتنيات فريدة حملت أرواح من لمسوها وعبرت بحكايتها وحكاية من اقتنوها، فلا ترجئوا رحلتكم لسوق الجمعة، ولكن اجعلوا لباسكم بسيطاً لتحصلوا على أفضل الصفقات.

كاتبة صحافية وقاصة ومحاضرة في قضايا النوع الاجتماعي. باحثة في الحضارات وحاصلة على عدد من الجوائز والمنح في كتابة القصة القصيرة منها جائزة ساويرس الأدبية، ومنحة الصندوق العربي للثقافة والفنون، ولها عدد من الكتب المطبوعة والمنشورة داخل مصر.

كلمات مفتاحية
السوق سوق الجمعة

التعليقات

المقال التالي