في اليوم العالمي للمياه... ما الذي ينتظر عالمنا بعد ثلاثين عاماً؟

في اليوم العالمي للمياه... ما الذي ينتظر عالمنا بعد ثلاثين عاماً؟

لا تتوقف مؤسسات دولية عدة عن التحذير من مخاطر شحّ المياه في المستقبل لأسباب عدة على رأسها التغير المناخي والنمو السكاني المتزايد، لكن هل يقوم صناع القرار في عالمنا بمجهود حقيقي للحفاظ على المياه؟ الإجابة الصادمة يحملها تقرير دولي حديث.

يحتفل العالم يوم 22 مارس من كل عام باليوم العالمي للمياه، والهدف الرئيس من هذا الاحتفال بحسب اليونسكو هو جذب الانتباه إلى أهمية المياه العذبة ونشر ثقافة الإدارة المستدامة للمياه، إلى جانب رفع الوعي بالأمور المتصلة بها وتشجيع الآخرين على اتخاذ الإجراءات اللازمة للحفاظ عليها والتعامل معها بشكل مختلف.

يحاول أحدث تقرير أصدرته اليونسكو حول المياه بعنوان "الحلول المرتكزة على الطبيعة لدعم الموارد المائية"، لفت النظر إلى أهمية أن يستخدم العالم أفكاراً مبتكرة مستمدة من الطبيعة لدعم الموارد المائية، وأن تصبح هناك آلية للأخذ بهذه الحلول في ما يتعلق بالسياسات والممارسات المعنية بإدارة المياه.

يشير التقرير إلى عدم قدرة أكثر من ملياري شخص في عالمنا حالياً على الوصول لمياه شرب آمنة، كما لا يتوفر لأكثر من ضعف هذا العدد صرف صحي آمن، وذلك بسبب تزايد عدد سكان العالم بسرعة شديدة، وهو ما يجعل العالم في حاجة لأفكار مبتكرة تمكنه من إدارة ما يطلق عليه التقرير "مواردنا العذبة الثمينة".

بحسب التقرير، فإن الطلب العالمي على المياه يزيد بمعدل حوالي 1% سنوياً بسبب النمو السكاني، والتنمية الاقتصادية واختلاف أنماط الاستهلاك، كما أن الطلب على المياه سيزيد أسرع بكثير في السنوات المقبلة، خصوصاً في البلدان النامية وذات الاقتصادات الناشئة. ويرى التقرير أن الطلب على المياه في تزايد مستمر بسبب تغير المناخ، الذي أدى إلى جعل المناطق الرطبة أكثر جفافاً.

ما أكثر المجالات التي تستهلك مياه في عالمنا؟

يعتبر التقرير أن الزراعة تستهلك حوالي 70% من استخدام المياه العالمية، أغلبها يُستخدم في الري، لكن إلى أي حدّ ستزيد هذه النسبة في المستقبل؟

يجيب التقرير على هذا السؤال بأن هناك صعوبة في توقع الإجابة بشكل محدد، ليس فقط بسبب عدم وجود رصد وإبلاغ دقيق عن المياه المستخدمة في الري، ولكن أيضاً بسبب طبيعة الزراعة نفسها فكميات المياه المستخدمة في الري تختلف حسب نوع المحصول ومواسم الزراعة.

يضاف إلى ما سبق عوامل أخرى منها اختلاف التربة والظروف المناخية، وتقنيات الري المستخدمة وهو الأمر الذي يجعل هناك صعوبة في توقع حجم الطلب على المياه في المستقبل في مجالات الري. لكن الأكيد أن الزيادة ستكون كبيرة.

أقوال جاهزة

شارك غرداستخدام المياه زاد على مستوى العالم بمقدار ستة أضعاف في المائة عام الماضية، وما زالت الزيادة مستمرة بمعدل 1% سنوياً

شارك غرديحذر تقرير "اليونسكو" من أن أغلب دول العالم ستعاني في المستقبل من شح في المياه أو انعدام تام لها، إذا لم يتم التعامل مع هذه القضية بالجدية اللازمة

وكانت "منظمة الأغذية والزراعة" (الفاو) قدّرت أن العالم سيحتاج زيادة في المياه المستخدمة في الري بنسبة 5.5% بحلول العام 2050.

أما الصناعة فتستهلك حوالي 20% من الاستخدام العالمي للمياه على كوكبنا، تذهب النسبة الأكبر منها إلى إنتاج الطاقة، بينما يتوقع أن يزداد الطلب الإجمالي على المياه المستخدمة في الصناعة في أغلب دول العالم في السنوات القادمة، وستصل هذه الزيادة إلى ثماني مرات أكثر في مناطق مثل غرب ووسط وشرق وجنوب أفريقيا.

وشهد النصف الأول من عام 2010 وجود حوالي 1.9 مليار شخص (27% من سكان العالم) في مناطق بها نقص خطير في المياه، وهذا العدد قد يزيد إلى ما بين 2.7-3.3 مليار نسمة بحلول العام 2050، أي حوالي نصف البشريّة.

وأظهر التقرير سيطرة التلوث منذ تسعينيات القرن الماضي، على أغلب الأنهار في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. ونسبة هذا التلوث ستزيد أكثر في العقود القادمة، وهذا بدوره سيؤدي إلى تهديدات صحية أكثر للبشر وللبيئة على حد سواء.

كما بيّن التقرير أن استخدام المياه على مستوى العالم زاد بمقدار ستة أضعاف في المائة عام الماضية، وما زالت الزيادة مستمرة بمعدل حوالي 1% سنوياً.

وتبين الإحصاءات أن سكان العالم الذين قدر عددهم في العام 2017 بـ 7.7 مليار نسمة، سيصلون إلى ما بين 9.4 و 10.2 مليار نسمة بحلول عام 2050. ويحذر التقرير من أن أغلب دول العالم ستعاني في المستقبل من شح في المياه، أو انعدام تام لها إذا لم يتم التعامل مع هذه القضية بالجدية اللازمة.

وترى المديرة العامة لليونسكو أودري أزولاي أن العالم في احتياج إلى حلول جديدة لإدارة الموارد المائية من أجل التعويض عن التحديات الناشئة المتعلقة بالأمن المائي التي يطرحها النمو السكاني وتغير المناخ، محذرة أنه بحلول عام 2050 "سوف يعيش حوالي 5 مليار نسمة في مناطق تفتقر إلى المياه إذا لم نفعل شيئاً".

حلول من الطبيعة لإنقاذ كوكبنا

يوصي التقرير باستخدام حلول من الطبيعة بهدف إنقاذ العالم من شح المياه، مثل النظام الطبيعي "نظام تكثيف الأرز"، والذي بدأ استخدامه في مدغشقر والذي أدى إلى توفير من 25% إلى 50% من المياه، ومن 80% إلى 90% من الحبوب وأدى إلى زيادة في نسبة محاصيل الأرز تتراوح ما بين 25% و50% بحسب المناطق التي تم فيها تنفيذ هذا النظام البيئي.

ويعرض التقرير لتجارب مختلفة في التنمية الزراعية في دول منخفضة الدخل تظهر أن استخدام المياه بطريقة أكثر فعالية، إلى جانب تقليل استخدام المبيدات في الزراعة من الممكن أن يوفر في المياه ويحمي البيئة في نفس الوقت.

يطلق التقرير على هذه الممارسات مصطلح الحلول الخضراء، ويرى أن التوسع في إنشاء المشاريع الزراعية مثل الجدران المكسوة بالنباتات أو الحقول المقامة فوق أسطح البنايات تشكل حلاً عملياً لتوفير المياه. نظراً لاستخدامها أنظمة معينة تسمح بإعادة تدوير المياه.

يرى التقرير أن هذه الحلول الخضراء تخفف من الضغط على الأراضي الزراعية التقليدية، وتقلل من التلوث، وتساعد على تقليل تآكل التربة.

كوكب الأرض لم يعد يحتمل

وبحسب تقرير الأمم المتحدة العالمي عن تنمية الموارد المائية حول العالم، فهناك 3,6 مليار نسمة على كوكب الأرض، أي ما يقارب نصف سكان العالم، يعيشون في مناطق تشح فيها المياه لمدة شهر واحد على الأقل كل عام، كما أن معدلات الاستهلاك العالمي للمياه وصلت إلى الحد الأقصى لقدرة كوكب الأرض على التحمل.

أسباب نقص المياه، بحسب التقرير، هي النمو السكاني المتزايد، تغير المناخ، الأنشطة الصناعية المختلفة، بالإضافة إلى اتساع المدن والنشاط الزراعي حول العالم. ويحذر التقرير من أن تعامل البشر الحالي مع مصادر المياه المتاحة مثل الأنهار والبحيرات قد يؤدي إلى حروب مستقبلية تهدد الحياة على الكوكب.

يحذر التقرير نفسه من أن النقص المتوقع للمياه سيؤثر على ما يقارب الخمسة مليارات شخص في العالم بحلول العام 2050، حين يبلغ سكان الأرض ما بين 9 و10 مليارات نسمة.

ويظهر تقرير لرصيف22 أن حروب المياه صارت على الأبواب، رغم ذلك يظل تعامل أغلب دول عالمنا العربي مع قضية المياه غير جاد، بعكس تعامل المراكز البحثية العالمية مع نفس القضية، والتي تنظر للمياه باعتبارها أكثر من مجرد ضرورة لإرواء العطش أو حماية الصحة؛ فقد أصبحت أمر حيوي قادر على خلق فرص عمل ودعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيداً عن التجاذبات السياسية القائمة.

التعليقات

المقال التالي