أصوات: هل مازال لديكِ أحلام؟...."اليوم، لا سقف لطموحاتي"

أصوات: هل مازال لديكِ أحلام؟...."اليوم، لا سقف لطموحاتي"

يحل عيد الأم في سوريا مع دخول الحرب عامها الثامن. حرب خلّفت ملايين النازحين واللاجئين والفقراء والمصابين، وأولئك الذين خسروا أحلاماً ظلت تراودهم لأعوام طويلة.

تقدر أرقام أممية عدد النازحين داخل سوريا بحوالى 6.5 مليون شخص، تشكّل النساء نسبة تقارب 30 في المئة منهم. وفي حين توقفت الأمم المتحدة عن إحصاء عدد الضحايا في سوريا منذ عام 2014، تتحدث منظمات حقوقية معنية بالإحصاءات عن وفاة ما لا يقل عن 24 ألف امرأة سورية حتى نهاية العام الفائت، إضافة إلى تعرض آلاف النساء داخل سوريا وخارجها لأشكال الانتهاكات المختلفة وعلى رأسها الخطف والتعذيب والعنف الجنسي والاعتقال والتشريد والإصابة وفقدان المعيل.

على الرغم من قساوة الحرب وقبلها ظروف الحياة التي اضطرت نساء سوريات كثيرات لمواجهتها من دون خيار، إلّا أن الأمهات يستمررن في رسم مستقبلهن ومستقبل عائلاتهن، باحثات عنه بين ركام ذكريات قديمة، وأحلام قديمة متجددة تحاول أن يكون لها صوت.

رصيف22 التقى أمهات مقيمات في دمشق ومحيطها، ليتحدثن عن تلك الأحلام في عيدهن.

*****

أم همام (53 سنة). من دمشق. كانت مقيمة في بلدة زملكا بغوطة دمشق الشرقية ونزحت منها إلى حي مساكن برزة بدمشق. زوجها متوفى ولديها أربعة أبناء.

"قالولي بكرا بس يكبروا الولاد بيصيروا رجال وبيهدوا الحيطان كرمالك. سافروا الولاد وانهدت الحيطان عليّ. بزعل أنهم تركوني ما شفتهم عم يكبروا قدامي. ابني الصغير ما شفت دقنو هي وعم تطول متل إخواتو. ما لعبت فيها. بحسهم قراب وبعاد بنفس الوقت".

تزوجت ولي من العمر عشرون سنة بعد حصولي على شهادة معهد إعداد مدرسين، وكنت مرفهة إلى حد كبير إلى أن توفي زوجي منذ 16 سنة بمرض قلبي. انتابني حينذاك شعور بالخوف وأنا أنظر إلى أطفالي الأربعة وأتساءل: كيف لي أن أربيهم وحدي؟

بدأ مشواري في العمل الذي لم ينتهِ حتى اليوم. زاولت عشرات الأعمال، من الدروس الخصوصية إلى الخياطة والتطريز والأعمال اليدوية، وصولاً إلى التدريب المهني لسيدات. لم أقبل نقوداً من أحد عدا والدي، كي لا أترك فرصة لأي كان بالتحكم في عائلتي، كما حرصت على متابعة أولادي دراستهم الجامعية وألا يتركوها تحت أي ظرف. عملي أيضاً سمح لي بأن أرتب منزلي كيف أشاء، فكنت أدخر كل ما أمكن من نقود وكانت النتيجة بيتاً جميلاً للغاية.

اليوم، خسرت المنزل بعد النزوح، وسافر ثلاثة من أبنائي هرباً من جحيم الحرب، وبقيت وحيدة مع ابني الأصغر، حيث نقيم في منزل بالأجرة.

لا حلم اليوم أكبر من أن ألتقي بأبنائي الثلاثة، بخاصة الذي سافر إلى ألمانيا ولم أره منذ خمس سنوات. ألمي لفراقهم لا ينتهي ولا يمكن وصفه أو حصره بكلمات قليلة.

كلما جلسنا إلى طاولة الطعام يقول لي ابني: لا رغبة لي في الأكل، كنا خمسة واليوم نحن اثنان فقط. ويتركني ويذهب.

مع ذلك، أقوّي نفسي كل يوم، وأستمر في العمل في مجال الحياكة والتطريز، وأطمح لمتابعة الدراسة.

سأتابع قريباً دورات في اللغة الإنكليزية ومبادئ الحاسب، وأتمنى أن أعود إلى الجامعة لأختصّ بمجال رياض الأطفال. يوماً ما، سيكون لدي من جديد بيت، أزينه كما أشاء.

*****

خلود القاسم – أم عبدو (43 سنة). نازحة من الغوطة الشرقية ومقيمة في مدينة جرمانا بريف دمشق مع زوجها وابنتيها وابنها.

أحب العمل منذ صغري. درست حتى الصف التاسع وكنت أحلم في أن يكون لدي صالون للتجميل، لكن والديّ فضلا تزويجي ولي من العمر عشرون سنة. قرأوا الفاتحة من دون أن أعلم، ووجدت نفسي فجأة في منزل رجل أعتقد أنه لم ينصفني كفاية، لكننا أنجبنا أطفالنا وسارت بنا الحياة.

"ما فيي أتركو معقول أرجع أتزوج؟". (تضحك).

بعد النزوح، سكنّا في منزل صغير بالأجرة، وعمل زوجي في ورشة لإنتاج الأخشاب، وكذلك مزارعاً في متنزه قريب.

لا زلت أملك الأحلام نفسها. أتمنى أن يكون لدي مشروعي الخاص. صالون للتجميل. دكان صغير. لكنها أحلام صعبة المنال مع وضعنا المادي الصعب. كل ما استطعت القيام به اليوم هو التسجيل في دورة للغة الفرنسية ودورة في مبادئ الخياطة. قد تكون هاتان الدورتان خطوة نحو طريق ما، فخلالهما تعرّفت إلى عالم جديد ومثير للاهتمام.

 

لابنتيّ أيضاً أحلامهما. نور الهدى (16 سنة)، وعلى الرغم من وجود مشكلات لديها في السمع والنطق، إلّا أنني كل يوم أسألها "بماذا تحلمين؟"، وتشير إلى أنها تريد أن تجمع نقوداً كي تسافر، إلى أي مكان.

حلم صعب بالطبع، فهي تعمل في ورشة للخياطة، وتحصل على 7000 ليرة فقط (حوالى 15 دولاراً) أسبوعياً. أما راما (14 سنة) فتريد أن تصبح مدرّسة، وتقول أن حلمها الأكبر هو ألا تفترق عائلتنا لأي سبب كان.

****

هدى الكردي (41 عاماً). من مدينة يبرود بريف دمشق. زوجها متوفى ولديها أربعة أبناء.

توفي زوجي بمرض السكري ولي من العمر 27 سنة، وكانت تلك اللحظة التي شعرت فيها بأنني في غابة. كنت أرملة وحيدة وصغيرة، وكنت أخاف من النظر في وجوه الناس حتى أقربهم إلي.

بعد أشهر، قررت العمل في دكان صغير نملكه كي أعيل عائلتي، وبدأت أبيع الملابس التي كنت أشتريها من دمشق، لكن ذلك لم يكن مقنعاً بالنسبة إلي.

قررت التقدم لامتحان الشهادة الثانوية، على الرغم من أن محيطي لم يكن داعماً لي، ودرست في الخفاء من دون علم أحد، وبعد حصولي على الشهادة سجلت في كلية الأدب العربي، وعشت أصعب مراحل حياتي، حيث كنت أعمل في الصباح وأدرس في المساء.

مع تخرجي وعملي في إحدى المدارس الخاصة، اكتسبت ثقة كبيرة في نفسي، وتابعت دراسة الماجستير إلى أن بدأت الحرب، وبات الوصول إلى الجامعة في دمشق أمراً أشبه بالمستحيل لتتوقف دراستي الجامعية. لم يمنعني ذلك من التسجيل في دورات في مجالات مختلفة كاللغات والحاسب والإسعاف والدعم النفسي.

اليوم، لا سقف لطموحاتي، وسأتابع دراستي حتى حصولي على الدكتوراه في اللغة العربية، فأنا أحاسب نفسي إن لم أتعلم شيئاً جديداً كل عام.

أقوال جاهزة

شارك غردلا سقف لطموحاتي، وسأتابع دراستي حتى حصولي على الدكتوراه في اللغة العربية، فأنا أحاسب نفسي إن لم أتعلم شيئاً جديداً كل عام

شارك غرد الأمهات يستمررن في رسم مستقبلهن ومستقبل عائلاتهن، باحثات عنه بين ركام ذكريات قديمة، وأحلام قديمة متجددة تحاول أن يكون لها صوت

طموحاتي هذه لا تعنيني أنا فقط، فالقهر والظلم اللذين رأيتهما خلال السنوات الفائتة يدفعاني اليوم إلى تشجيع النساء حولي على متابعة حياتهن مهما بلغت قسوتها عليهن.

****

أم حسن (49 سنة). من حي الميدان في دمشق. كانت مقيمة في بلدة المليحة بغوطة دمشق الشرقية ونزحت منها مع عائلتها عام 2011، لتقيم في إحدى بلدات ريف دمشق. زوجها متوفى منذ ثلاث سنوات ولديها ثلاثة أبناء وابنة واحدة.

 

درست حتى الصف التاسع، ثم تزوجت في عمر 16 سنة.

عشنا في الغوطة الشرقية سنوات طويلة وكانت الحياة بجميع تفاصيلها هناك مختلفة. كل شيء كان مختلفاً. أحاول استعادة هوايتي حيث أمضي ساعة صباحية أنا وإحدى صديقاتي في المشي ضمن منطقة سكننا. عدا ذلك، أشعر بأن أحلامنا باتت مقتصرة على انتهاء الحرب وعودتنا إلى منازلنا، وأن نبقى في صحة جيدة كي لا نحتاج إلى أحداً.

تراودني أحلام كبيرة للحظات.

كأن يكون لي محل صغير أبيع فيه الملابس أو أدوات تجميل، لكن أولادي يمنعونني من ذلك بشكل مطلق.

يقولون لي: "لستِ بحاجة إلى العمل، فوضعنا المادي جيد"، إلا أنهم لا يعلمون أن حاجتي إلى العمل ليست مادية بل هي أكبر من ذلك بكثير. لو كان زوجي حياً لساعدني في تحقيق جزء من أحلامي.

****

إيمان – أم حلا (31 سنة). من طرطوس. مقيمة في إحدى بلدات ريف دمشق مع ابنتها حلا ذات الأعوام الخمسة.

 

وصلت إلى هنا منذ حوالى ستة أشهر، هاربة من تجربتيْ زواج فاشلتين.

عائلتي لم تساعدني أبداً بل على العكس. لذلك، قررت، أن آخذ ابنتي وأترك مدينتي التي لم يعد لي فيها مكان، والتي يصعب العثور على فرصة عمل فيها، وانتقلت لأعيش في ريف دمشق أملاً بفرصة حياة جديدة أفضل.

للأسف لم أحظَ بترف التعليم أو تعلّم أي مهنة. تزوجت ولي من العمر 17 سنة، وأنجبت ثلاث فتيات حُرمت منهن بعد طلاقي، ثم ارتبطت بزوج ثانٍ أمضيت معه أياماً لا تنسى كنت أتعرض فيها أنا وابنتي للضرب والجرح بالسكين.

أحاول العثور على أي عمل يعينني في دفع إيجار الغرفة التي نقطنها، وتأمين بقية مصاريف الحياة، وأتذكر حلمي القديم في أن أتعلم التجميل والمكياج ويكون لديّ صالون خاص بي.

حلم بات من الماضي البعيد.

أكتفي اليوم بأن أؤمّن لابنتي أفضل تعليم، وأن أعثر على رجل أبادله الحب وأعيش معه بسلام.

 

الوحدة؟ نعم، أشعر بها هنا. ليس من السهل أن أعيش وحدي مع ابنتي، إلّا أنني لن أقايض حريتي اليوم بأي شيء. يكفيني عدم وجود أب أو زوج أو زوجة أب يمارسون عليّ القمع أو التحكم. أشعر اليوم بأنني أقوى من أي وقت مضى.

****

رشا – أم وسيم (34 سنة). متزوجة ولديها ولدان. من الغوطة الشرقية. اضطرت للحياة بعيداً من زوجها بسبب ظروف الحرب والنزوح.

 

على الرغم من زواجي المتأخر بعمر السابعة والعشرين، إلّا أنني لم أكمل تعلّمي.

وصلت إلى الصف السابع وانقطعت عن الدراسة. وبعد زواجي وإنجابي بات المنزل والأولاد شغلي الشاغل، بخاصة مع معاناة ابني من مشكلات في السمع والنطق.

نترقب اليوم أخبار الحرب، آملين بأن نرجع إلى منازلنا علّ الحياة تعود قليلاً إلى طبيعتها. أحلم بالدرجة الأولى في أن أتمكن من علاج ابني والعثور على مدرسة مناسبة له، ومن ثم قد أفكر في متابعة الدراسة (تضحك بسعادة).

لمَ لا؟ وقد سجلت كخطوة أولى في دورات لتعلم الخياطة واللغة الإنكليزية، وربما أتشجع بعد ذلك للحصول على الشهادة الإعدادية ثم الثانوية، والدراسة الجامعية.

أعتقد أنني سأكون مدرّسة أطفال ناجحة.

****

نزيهة العبيد – أم عدي (27 سنة). نازحة من الغوطة الشرقية ومقيمة في مدينة جرمانا بريف دمشق مع ابنتها (5 سنوات) وابنها (سنتين). زوجها مفقود منذ عامين.

من منزل عائلة نزيهة

منذ الصغر، كلما وجه لي أحد السؤال المعتاد "ماذا تريدين أن تصبحي حين تكبرين؟"، كنت أقف وأقول في كل ثقة "طبيبة أطفال". حلم لا زال يراودني بشكل أو بآخر على الرغم من أنني لم أكمل تعلّمي وتوقفت عند الصف التاسع. كل ما استطعت إنجازه بعد ذلك هو التسجيل في دورة تمريض.

تزوجت ولي من العمر 20 سنة. وبعد أن فُقد زوجي عرفت أهمية التعلّم والعمل. لو كنت حاصلة على شهادة لما احتجت إلى مساعدة أحد. أحاول اليوم البحث عن أي عمل، لكنه ليس بالأمر السهل.

ظلمت نفسي لأنني لم أكمل تعلّمي، ولأنني لم أستمع لنصيحة والدي الذي كان يصر على ذلك طوال الوقت. هذا الندم يدفعني إلى الإصرار على تعليم ولديّ مهما كان الثمن. أعمل اليوم على تسجيلهما بشكل قانوني، حيث تعذر عليّ ذلك بسبب الأعوام التي أمضيناها في الغوطة المحاصرة قبل نزوحنا إلى دمشق. وعندما أحصل على أوراقهما الثبوتية سأسعى إلى تسجيلهما في أقرب روضة أطفال، ومن ثم مدرسة.

الحرب وقفتلنا حياتنا. كل حياتنا وذكرياتنا تركناها في الغوطة.

أشعر بأنني واقفة في نقطة ما، أدور حول نفسي لأجد أنني وحيدة تماماً. مع ذلك، لا زلت أحلم في لقاء زوجي، وأيضاً في أن أتابع دراستي في مجال التمريض. من يدري؟ قد أتمكن من تحقيق ذلك يوماً ما.

****

هدى الجندي (35 سنة). نازحة مع ابنتها من مدينة داريا ومقيمة في جديدة عرطوز. زوجها متوفى.

توفي زوجي ونزحنا من جحيم الحرب منذ حوالى خمس سنوات.

عشنا لفترة في مركز إقامة موقت ثم وجدت عملاً في أحد المراكز الصحية وساعدني ذلك في استئجار غرفة أنا وابنتي فدوى التي تكمل اليوم تعلّمها في المرحلة الإعدادية.

كانت لدينا أنا وزوجي أحلام كثيرة في داريا، ومعظمها متعلق بمستقبل ابنتنا، وبزيادة عدد أفراد عائلتنا. اليوم، وعلى الرغم من أن أحلامي باتت أبسط، إلا أنها أيضاً تصب في التركيز على جعل حياة ابنتي سعيدة قدر الإمكان، وأن تتمكن من الوصول إلى الجامعة وتحقيق حلمها في دراسة الهندسة.

هل أحلم على المستوى الشخصي؟ حقيقة تخيفني هذه الأحلام. تخيفني لأنها جميلة تدغدغ مشاعري.

أتمنى الحصول على أي عمل يشعرني بالاستقلالية. نساء كثيرات حولي يتابعن دورات في التجميل والمكياج والخياطة والصوف، لكنني لا أجد نفسي في أي من هذه المهن. أعلم أنني لو تابعت تعلّمي لكانت فرصي أفضل، واليوم تشجعني ابنتي على الحصول على الشهادة الإعدادية ومن ثم الثانوية ودراسة اللغات. من يدري؟ قد أتجرأ على هذه الخطوة في المستقبل القريب، فالحياة أقصر من أن نضيعها في الحلم والانتظار.

****

أحلام أبسط تراود أمهات سوريات أخريات.

 

آمنة (يمين) وأم ماهر

آمنة (26 سنة) ووالدة زوجها أم ماهر (52 سنة) تحلمان بعودة الزوج والابن المفقود منذ ست سنوات. تود آمنة لو تستيقظ يوماً لترى نفسها وقد عادت إلى منزلها في الغوطة الشرقية، وتتمنى أم ماهر لو تلتقي بابنها الغائب وتضمه إلى صدرها بعد سنوات الفراق الطويلة.

أم محمد (42 سنة) تحلم أيضاً بلقاء أبنائها المسافرين منذ سنوات.

وتتمنى هنا (37 سنة) أن تمتلك منزلاً خاصاً بها، عوضاً عما خسرته في الحرب، وهو حلم مشابه تماماً لما تتحدث عنه غانية (37 عاماً).

أحلام هنا لا تتوقف عند ذلك، بل تحلم في متابعة دراستها التي توقفت عند الصف السادس، ودخول كلية الصحافة. "بحب صير صحافية قد الدنيا".

أم محمد (يسار) وهنا

زينة شهلا

صحافية سورية في دمشق

التعليقات

المقال التالي