15 عاماً مرّت على غزو العراق... أبرز القضايا التي ناقشها العالم في هذا اليوم

دعم الديموقراطيّة والانتصار للشعب العراقي وحفظ الأمن العالمي… تثير العودة إلى بعض الشعارات التي حملتها الولايات المتحدة حين قرّرت غزو العراق ليلة 20 مارس 2003، وكانت هندَسته بالتأكيد قبل ذلك الوقت، السخرية بعد مرور 15 عاماً على ذلك اليوم.

لم يعد الكلام عن ذهاب الأمريكيين إلى العراق بحثاً عن "اللاشيء" مجدياً، فقد أثبتت الأحداث التي تلت الغزو، سريعاً، ضعف رواية وزير الخارجية الأمريكية آنذاك كولن باول، الذي كان استفاض قبل الغزو بأسابيع أمام مجلس الأمن في عرض الصور والأدلة على امتلاك العراق لترسانة نووية.

ولم يعد ما صرّح به تومي فرانكس، قائد حملة الغزو على بغداد أمام الصحافيين يوماً بشأن ضحايا الحرب، قائلاً: "نحن لا نعد الجثث" مثيراً للعجب. لقد حصل من وقتها، أكثر من ذلك بكثير.

"لم أتخيّل أن يأتي يوم على العراق يكون في وضع أسوأ مما كان عليه في عهد صدام حسين، لقد فعلها الأمريكيون". كتب ذلك الروائي العراقي سنان أنطون في شهادة مؤثرة نشرتها له صحيفة "نيويورك تايمز" في هذه الذكرى.

استمر الأمريكيون بفعلها حتى بعد انسحابهم الرسمي من العراق عام 2011، حيث لا تزال الجريمة مستمرة: احتراب داخلي مستمر خلق له الغزو جميع العوامل الممكنة، عدّاد ضحايا مرتفع وأمراض قديمة تتجدد وأخرى تولد، ترهّل مؤسساتي وفساد مستشر ٍ وطائفية مقيمة.    

وسط ذلك، قد يبدو هذا الكلام مكرّراً اليوم بشأن مأساة العراق، لكن الجولة على أبرز ما استحضره العالم حول الذكرى الـ15 قد تعيد إلى الذهن بعض ما خلفته تلك الجريمة الأمريكيّة التي لا تزال آثارها مستمرة أكثر من أي يوم مضى.

الانقسام الأمريكي مستمرّ

بحسب بحث أجراه مركز "بيو" للأبحاث في هذه المناسبة، ما زال الرأي العام الأمريكي منقسماً حول ما إذا كان استخدام القوة العسكرية هو القرار الصحيح.

وتبيّن أن نصف الأمريكيين تقريباً (48٪) يعتبرون أن قرار استخدام القوة العسكرية كان خاطئا ً، في حين رأى 43٪ أن القرار كان صحيحاً. وقد أُجري هذا الاستطلاع في الفترة الممتدة من 7 إلى 14 مارس على حوالي 1500 شخص بالغ، لتختلف الآراء الحالية حول الحرب في العراق بشكل كبير عن أواخر مارس 2003، حين كان هناك 71٪ يؤيدون قرار استخدام القوة العسكرية بينما يعتبر 22٪ فقط أن استخدامها خاطئ.

بوش وبلير "نجما" الذكرى

سنوياً، ومع حلول هذا اليوم، يتجدّد الحديث عن الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الذي كان مسؤولاً عن بدء الحرب على العراق، وادعى حينها أن "العراقيين ينتظرون أمريكا بالورود". كما يستعيد العراقيون ومعهم العالم (البريطانيون خاصة) الدور الذي لعبه رئيس الوزراء البريطاني السابق طوني بلير.

هذا العام عادت الدعوات لمحاسبة بوش وبلير، وقالت صحيفة "الإندبندنت" البريطانية "قد يدعو البعض إلى نسيان ما جرى بعد أكثر من عقد على حرب العراق… لكن ذلك مستحيل في ظلّ استمرار تلك الحرب في التأثير على الحياة السياسية بشكل عميق".

وأضافت الصحيفة متسائلة "كيف يمكننا المضي قدماً، ونحن نعرف أن الجرائم التي ارتكبت بحق العراقيين، لم تجر محاسبة المسؤولين عنها؟"، وعلقت "التاريخ سوف يحاسبهم كذلك، وذلك فقط لأن ذاكرتنا ليست قصيرة بالقدر الذي يأملونه".  

عدّاد الضحايا العبثي

لا توجد إحصاءات رسمية دقيقة عن عدد الضحايا الذين خلّفتهم الحرب التي فتح أبوابها الأمريكيون وتواصلت على يد أطراف متعددة بشكل شديد الدموية… والعبثية.

في تقرير لمجلة "لانسيت" البريطانية عام 2006، قُدّر عددهم بما لا يقل عن 655 ألف قتيل. وفي عام 2007، أجرت شركة استطلاع بريطانية دراسة خاصة بهذا الشأن، توصلت فيها إلى مقتل مليون و33 ألف عراقي حتى ذلك الوقت، وذلك من أصل 26 مليوناً هم سكان العراق بحسب إحصاءات ما قبل الاحتلال.

في المقابل، تعتقد منظمة الصحة العالمية أن حصيلة القتلى العراقيين تتراوح بين 104 آلاف و230 ألفاً، وهو قريب من تقديرات وثائق ويكيليكس المسرّبة عام 2010، التي أشارت إلى مقتل 109 آلاف عراقي منذ بداية الغزو.

وكان الجيش الأمريكي قد اعترف بمقتل نحو 77 ألف عراقي بين يناير 2004 وأغسطس 2008، بينهم نحو 63 ألف مدني، والباقي من العسكريين.

وفي أحدث الإحصاءات، الذي يتابع مركز "Iraq body count" رصدها، فقد تراوح العدد حتى الآن بين 202 ألف و180 ألف.

ليس القتلى وحدهم ما يُسجّل في تلك الحرب من فظائع، فمع تجدد الذكرى يعود الحديث عن كارثة طبيّة خلفتها الحرب. وقد تسبب استخدام الجيش الأمريكي لأسلحة محرّمة دولياً بتشوهات تنوعت بين عيوب خلقية واضحة وفتحات في القلب، فضلاً عن الأورام السرطانية ومشاكل في الجهاز العصبي، يُضاف إليها أضرار جينية وولادة حالات مشوهة لأطفال برأسين أو بملامح مشوهة.

"القنبلة الموقوتة"

ذكرت وزارة قدامى المقاتلين الأمريكية أن 13 في المئة من مقاتلي الحرب في العراق يعانون من الضغط النفسي الذي يعقب الصدمة، وتتراوح أعراضه بين الأرق والاكتئاب مروراً بنوبات القلق والهلوسة وصولاً إلى العنف وإيذاء النفس.

وفي تقرير لوكالة الصحافة الفرنسية، روى الجندي السابق جاستن كارلايل قصته حين كان في وسط قافلة انفجرت في أبريل 2006. وبعد خمسة عشر عاماً، حسب التقرير، ما زال يصارع الضغط النفسي الناتج عن الصدمة، مثله مثل ملايين آخرين من المقاتلين القدامى في الحرب العراقية.

وعلى غرار كثر من رفقائه، انتظر كارلايل سنوات حتى يطلب المساعدة، حيث يقول إنه لم يستشر طبيباً إلا في عام 2012أي بعد أربع سنوات على تقاعده من الجيش، وقد وصفوا له خمسة أدوية مختلفة.

ويخشى كارلايل، على حدّ قوله، أن تركز وزارة قدامى المقاتلين كثيراً على الحبوب المهدئة لمعالجته ومن مثله بدل أن تكون الأدوية "الوسيلة الأخيرة".

أقوال جاهزة

شارك غرد "كيف يمكننا المضي قدماً، ونحن نعرف أن الجرائم التي ارتُكبت بحق العراقيين، لم تجر محاسبة المسؤولين عنها؟ التاريخ سوف يحاسبهم كذلك، وذلك فقط لأن ذاكرتنا ليست قصيرة بالقدر الذي يأملونه"... 15 عاماً مرّت على غزو العراق بينما تتجدّد الدعوات لمحاسبة المسؤولين عنها  

شارك غردذكرت وزارة قدامى المقاتلين الأمريكية أن 13 في المئة من مقاتلي الحرب في العراق يعانون من الضغط النفسي الذي يعقب الصدمة، وتتراوح أعراضه بين الأرق والاكتئاب مروراً بنوبات القلق والهلوسة وصولاً إلى العنف وإيذاء النفس

  

ويعتبر الأمريكيون ملف الجنود القدامى كـ"القنبلة الموقوتة"، حيث بالنظر الى الحروب الأميركية السابقة، يتبين أن التكلفة النفسية للحرب العراقية لا يمكن إلا أن ترتفع، ومثال على ذلك تجربة فييتنام، حيث قُتل خلال الحرب 58 ألف أمريكي، لكن عدد الذين انتحروا منذ ذلك الحين حتى الآن أكبر بكثير.

النفط الذي كان يُفترض أن يبني 

في الفترة التي سبقت غزو الولايات المتحدة قبل 15 عاماً، قال بول وولفويتز، نائب وزير الدفاع الامريكي أمام لجنة الكونغرس، "يمكن أن تحقق عائدات النفط في ذلك البلد ما بين 50 مليار إلى 100 مليار على مدار عامين أو ثلاثة”.

وبعد مرور 15 عاماً، لم يقم العراق بعد بإعادة البناء الكامل إثر الغزو، كما لم يتمكن من تمويل جزء كبير من إعادة الإعمار.

في ذكرى الغزو لهذا العام، نشرت مجلة "أتلانتيك" الأمريكية تقريراً تحدثت خلاله عن إعادة إعمار العراق، مؤكدة، أن واردات البلاد النفطية كان يجب أن تكون "أكثر من كافية"، لإعادة إعماره عدة مرات منذ عام 2003 ولغاية الآن.

وبحسب المجلة، فإن واردات العراق النفطية، تتراوح بين 50 و 100 مليار دولار، في أضعف الحالات التي يصلها سعر برميل النفط، الأمر الذي وصفته المجلة بأنه كاف لاعادة إعمار البلاد بعدما أعلنت السلطات العراقية عن حاجتها إلى 88 مليار فقط.

وعزت المجلة الأمريكية مصدر الخلل إلى السياسة الخارجية الأمريكية، التي أعلن عنها قبيل الحرب، حيث صرّح حينها وولفويتز بأن العراق بلاد ستمول إعادة إعمار نفسها بنفسها خلال وقت قصير، الأمر الذي أشارت المجلة الى أنه لم يأخذ بالحسبان الأوضاع العراقية التي تبعت الغزو. 

ثور حجري أثري بـ50 دولاراً فقط

في اليوم نفسه، قالت "أتلانتيك" إن الحرب خلفت وراءها كذلك تجارة وصفتها بـ "المزدهرة" في مجال القطع الأثرية المنهوبة من هذا البلد.

ولفتت المجلة إلى أنه "من بين أبرز التحف المنهوبة من العراق كان تمثال الأميرة السومرية (سيدة الوركاء) المعروفة عالمياً باسم (موناليزا بلاد ما بين النهرين)، والتي تعود إلى عام 3100 قبل الميلاد".

وقد تعرض هذا التمثال، إلى جانب 15 ألف قطعة أثرية أخرى، للنهب من المتحف الوطني في بغداد عام 2003 في أعقاب الفوضى التي خلّفها دخول القوات الأمريكية للعراق، قبل أن يتمكن فريق تحقيق عراقي- أمريكي مشترك من استعادته مرة أخرى، حسب ما ذكرت المجلة.

لكن ثمة قطع أخرى "لم تمتلك هذا القدر من الحظ"، حسب وصف المجلة  التي تقول إن التجاهل المتعمد من قبل قوات الاحتلال لنداءات المواطنين العراقيين بضرورة تأمين المتحف الوطني العراقي أدى الى تعرّض المبنى للنهب بصورة كاملة وفقدان جميع محتوياته، باستثناء 7 آلاف قطعة أثرية تمت إستعداتها لاحقاً. 

ولم يكن النهب الذي تعرضت له القطع الأثرية العراقية المشكلة الوحيدة التي تسبب بها الغزو الأمريكي للبلاد، حيث لفتت "آتلانتيك" إلى "سهولة بيع هذه القطع الثمينة عبر المزادات غير الشرعية المقامة على الانترنت، وعبرها يمكن لأي شخص شراء ثور حجري مجنّح مقابل 50 دولاراً فقط، أو الحصول على ختم أسطواني طيني بـ150 دولاراً ... بينما لم تتجاوز أسعار الآلهة السومرية مع عرباتها القتالية سعر الـ 225 دولاراً".

 

 

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيداً عن التجاذبات السياسية القائمة.

التعليقات

المقال التالي