يوم أخذوا ساقي ليدفنوها، فسرت قُدماً أبحث عن بديل لها

يوم أخذوا ساقي ليدفنوها، فسرت قُدماً أبحث عن بديل لها

المكان، حي شعبي مكتظ بالسوريين في مدينة غازي عينتاب التركية.

هناك، على على قارعة الرصيف يجلس طفل أمام منزله في عقده الأول من العمر، يراقب المارة وأطفال الحي وهم يلعبون.

لا يستطيع أن يشاركهم، فهو يخشى الاستهزاء به.

يخشى الطفل أحمد الذي لجأ مع عائلته من ريف حلب الشرقي إلى الولاية التركية، أن يشارك الأطفال اللعب كي لا يسخروا منه، فهو أمسى بيد واحدة.

أما الأخرى "فأخذها القصف" وفق ما يقول.

خسر أحمد يده اليمنى نتيجة سقوط صاروخ متفجر كانت شظاياه اخترقت جدار منزله في ريف حلب، ما أدى إلى وقوعه في حالة نفسية سببت له مشكلة حتى أثناء نومه.

مضى وقت على إصابته فيما أهله لا يزالون يبحثون عن جهة تؤمن له طرفاً اصطناعياً يجعله ينسى بعض الألم الذي يعيشه في عمر مبكر وفق قولهم.

نجحت منظمات إنسانية في توفير أطراف اصطناعية، لكن الجهود المبذولة لم تغطِّ إلا نسبة قليلة من مصابي الحرب وهناك آلاف غيرهم لم يحصلوا على أطراف اصطناعية إلى الآن.

فماهي أحوالهم؟

يوم بُترت يد أحمد

يقول أحمد: "كنت أقف قرب نافذة في المنزل بقرية المفاريد في ريف منبج الشمالي، وكان ذلك أثناء سيطرة تنظيم داعش على القرية عام 2016 الفائت، أتذكر أنه كان يوم جمعة، وبعد أن أدى أبناء القرية صلاة الجمعة بنحو ساعة من الزمن، سمعنا صوت طيران يقترب من القرية".

ويضيف "ما هي إلا لحظات حتى فقدت الوعي، ولم أعد أسمع شيئاً. فقط أتذكر الغبار والفوضى اللذين عمّا أرجاء المنزل".

بُترت يد أحمد بشظية من الصاروخ الذي وجهته طائرة روسية وفق ما أذيع في الأخبار، وأدت الغارة الجوية إلى مقتل طفل في القرية من أولاد عمومته.

يذكر والد أحمد لرصيف22 ما حصل بعد ذلك.

يقول: "نقلت ابني إلى المشفى الوطني في منبج، وكان ينزف ويده شبه مفصولة عن جسده، كان المشهد يجسد أصعب لحظات حياتي، وبعد وصولنا إلى المشفى أجريت له عملية جراحية استمرت لساعات عدة".

نجحت العملية آنذاك، وتوقف النزيف وكان والد الطفل يدعو الله ألا يصاب بمكروه.ل

كن أحمد بات بيد واحدة.

يرفض الآن الذهاب إلى المدرسة، خوفاً من عدم تقبله من زملائه الطلاب، لكنه يجتهد بنفسه ويحاول تعلّم الكتابة من جديد بيده الأخرى.

وعلى الرغم مما يتعرض له من اضطرابات نفسية، لا سيما أن والدته أكدت أنه يصرخ أحياناً أثناء نومه، إلّا أن العائلة يحدوها أملٌ بأن يجتاز ابنهم هذه المحنة.

"التغيرات في تصرفات الطفل، سيعبر عنها بأفعال وعاها أم لا، كأن يصرخ أثناء نومه بسبب الكوابيس أو الخوف الشديد أو الذعر"، تقول آية مهنا المختصّة بالدعم النفسي لرصيف22.

بحث ذوو أحمد عمّن يؤمن لطفلهم يداً اصطناعية بديلة.

تقول والدته: "اضطررنا إلى بيع قسم من أرضنا التي كنا نعيش على مردود الزراعة فيها، وتوجهنا بالمبلغ الذي حصلنا عليه إلى الحدود السورية - التركية كي نجتازها بطريقة غير شرعية ونحاول أن نجد إحدى الجهات المهتمة بتركيب الأطراف الاصطناعية لمصابي الحرب في سوريا".

لكنه حتى اليوم لم يحصل على اليد التي يبحث عنها.

محاولات خجولة

بعد بحث وتواصل مع منظمات حقوقية تهتم بتوثيق الانتهاكات الحاصلة في سوريا، تبين أنه لا يوجد إحصاء دقيق لأعداد مصابي الحرب الذين فقدوا طرفاً من أطرافهم.

أقوال جاهزة

شارك غردنجحت منظمات إنسانية في توفير أطراف اصطناعية، لكن الجهود المبذولة لم تغطِّ إلا نسبة قليلة من مصابي الحرب

شارك غرد لا يوجد إحصاء دقيق لأعداد مصابي الحرب الذين فقدوا طرفاً من أطرافهم

يقول مدير المعهد السوري للعدالة والمساءلة، عبدالقادر مندو، في حديثه لرصيف22: "على الحكومة، أي النظام السوري، أن تتحمل مسؤولياتها لحماية الأطفال السوريين قانونياً وهذا الأمر معروف في القوانين، فالدولة التي تحصل فيها انتهاكات هي المسؤولة الوحيدة عن محاسبة الجاني، فكيف إذا كان الجاني هو نفسه الدولة، أو روسيا حليفة النظام السوري".

ويتابع: "أيضاً: على الدولة أن تتحمل، فضلاً عن مقاضاة الجاني، تكاليف علاج المتضررين، وعليها أن تعطي ذوي المصابين تعويضات".

وعن إحصاء دقيق لأعداد الأطفال المصابين نتيجة الحرب وبتر أحد أطرافهم، يجيب مندو: "عدد الأطفال الذين فقدوا أحد أطرافهم لا يقدر، لكن يمكننا القول أنه بالآلاف، ولا يوجد إحصاء دقيق".

في المقابل تسعى جمعيات ومنظمات إلى تلبية متطلبات مصابي الحرب ممن فقدوا أحد أطرافهم نتيجة تعرضهم لإصابات بقصف في سوريا، لكن لا يزال هناك الآلاف من السوريين ممن فقدوا أطرافهم بحاجة إلى أطراف اصطناعية.

تسعى جمعيات ومنظمات إلى تلبية متطلبات مصابي الحرب ممن فقدوا أحد أطرافهم، لكن لا يزال هناك الآلاف من السوريين ممن فقدوا أطرافهم بحاجة إلى أطراف اصطناعية

منظمة أطباء عبر القارات في الشمال السور تسعى إلى تأمين أطراف اصطناعية مجانية للمصابين.

يقول مدير المكتب الإعلامي لدى المنظمة، رمزي شريف أنهم يأمنون في تركيا الطرف الاصطناعي للمصاب بشكل مجاني بالكامل، حيث تتحمل المنظمة جميع حاجات مركز الأطراف الاصطناعية من مستهلكات ورواتب وقطع أطراف اصطناعية.

ويتم تصنيع الأطراف الاصطناعية وتركيبها في المركز بأيدي فنيين سوريين تدربوا خصيصاً ضمن المشروع نفسه تحت إشراف خبراء أتراك.

ويضيف "بالنسبة إلى التواصل مع المصابين، يمكن أي مصاب التواصل معنا بسهولة من طريق الهاتف أو عبر الإيميل أو السكاي بي أو الواتس آب، حيث تملأ استمارة للمريض فيها المعلومات الطبية اللازمة كلها، ثم نضرب موعداً للمريض من أجل الحضور إلى المركز لأخذ القياس وبدء تصنيع الطرف، ومن ثم تركيبه".

وعن المراكز التي توفر الأطراف الاصطناعية للمصابين نتيجة الحرب في سوريا، يجيب شريف: "هنالك مركز في الريحانية وآخر في غازي عينتاب، كما أن هناك مجموعة مراكز صغيرة داخل سوريا تتبع لمنظمات مختلفة".

في المقابل، تسعى فرق إغاثية تطوعية لتوفير أطرافاً اصطناعية لمصابي الحرب في سوريا، وتعتمد هذه الفرق على دعم خارجي يصل من منظمات أو تجمعات تهتم بالشأن الإنساني في سوريا.

خولة سعادة، طالبة طب بشري تسعى من خلال عملها الحالي إلى أن توفر أطرافاً اصطناعية لمئة من مصابي الحرب في سوريا،.

قول: "كان لي تواصل مع أشخاص كنديين، وأعربوا عن استعدادهم لتقديم أطراف اصطناعية لمئة مصاب، وبالفعل بدأت التواصل مع المنظمات التي أعرفها كي أحصي الحالات وأقدمها لهم حتى يتم التواصل معهم وتقديم الأطراف الاصطناعية".

إلاأن الحاجة تبقى أكثر بكثير من هذه المبادرات.

أخذنا ساقك لندفنها

ليست قصة أحمد هي الوحيدة، فمحمود ابن الـ16 سنة، نزح مع عائلته من حلب إلى منبج، ومع شن الحملة العسكرية على تنظيم داعش في منبج، تعرض منزل ذويه للقصف، الأمر الذي أدى إلى بتر يده بعد أن تمزقت الأنسجة فيها.

هو يعيش في منبج إلى الآن، حيث لم يتمكن من الذهاب إلى تركيا للبحث عن طرف اصطناعي.

وتجمع عائلتا محمود وأحمد على أن فرص إيجاد طرف اصطناعي في تركيا أفضل بكثير منها في سوريا، لا سيما أن الطرف الاصطناعي يكلّف ما لا يقل عن 10 آلاف دولار أميركي.

في المقابل، تمكن آخرون من الحصول على أطراف اصطناعية بعد بحث شاق جعلهم يضطرون لتبديل الأطراف أكثر من مرة حتى يحصلوا على أطراف مناسبة لهم.

أحمد إبراهيم هو أحد الذين فقدوا طرفاً خلال الحرب في سوريا، نتيجة تعرضه لقذيفة هاون في حلب.

يقول: "جاء بي والدي إلى المشفى، وقال لي: أخذنا ساقك لندفنها".

"جاء بي والدي إلى المشفى، وقال لي: أخذنا ساقك لندفنها"

ويتابع: "بعد ذلك، بدأت البحث عن طرف اصطناعي، كانت رحلة صعبة جداً في البداية للحصول على هذا الطرف، فالمنظمات التي وعدت بإقامة مراكز طبية لمساعدة المصابين، كانت ضعيفة، ما جعلني اضطر لتبديل ثلاثة أطراف خلال سنتين".

ويضيف أنه في أواخر عام 2016، استطاع وبعد جهد طويل، من الوصول إلى مركز في مدينة غازي عينتاب التركية، وهو مركز الساير للأطراف الاصطناعية.

"ساعدني (المركز) جداً في المضي قدماً في الحياة"، يقول لرصيف22.

لكن الآلاف غيره غير قادرين على أخد خطوة كهذه نحو المستقبل.

التعليقات

المقال التالي