لسان حالهم يقول: "بغيت الفيزا والباسبور"... ما الذي يدفع المغاربة نحو الهجرة؟

لسان حالهم يقول: "بغيت الفيزا والباسبور"... ما الذي يدفع المغاربة نحو الهجرة؟

"بغيت الفيزا و الباسبور من كازا لمارسيل" (أريد تأشيرة و جواز سفر من الدار البيضاء إلى مارسيل) تقول الأغنية الشعبية الأكثر رواجاً في التسعينات التي تختزل رغبة المغاربة في مغادرة بلدهم.

ورغم مرور سنوات على إصدارها مازال يدندن المغاربة كلماتها، إذ صار الرحيل مسألة ملحة لديهم في وطن يرونه بات يضيق بهم أكثر من أي وقت مضى.

"اللهم عسل الناس ولا قطران بلادي"

كان يتداول المغاربة بشكل واسع مثلاً شعبياً يقول: "اللهم قطران بلادي ولا عسل الناس"، أي أنّ شظف العيش داخل الوطن أهون من رغد العيش في الغربة.

لكن عملياً إن التقيت بمغربية وحدثتها عن الأمر، أو بمغربي وسألته عن رغبته، ستجيبانك بعكس ذلك، فكيف كسبت فكرة الهجرة شعبية أوسع من التمسك بالوطن، مهما كانت حالة الحياة فيه؟

سنة بعد سنة تزداد رغبة المغاربة في الهجرة، إذ كشفت الارقام الصادرة عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات أن نحو 29٪ من المغاربة كانوا ينوون مغادرة بلدهم عام 2011.

وتزايدت النسبة من عام 2014 لتصل إلى 31٪، لتبلغ 36٪ عام 2015، ويبرر المغاربة بالدرجة الأولى ميلهم للهجرة برغبتهم بتحسين ظروفهم الاقتصادية.

فوفق المؤشر العربي لعام 2015 الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، صرح 79٪ من المغاربة المستجوبين نيتهم في الهجرة بغية تحسين أوضاعهم المهنية والمعيشية.

كما أن 12٪ منهم يحلمون بالاستقرار في أمريكا، فيما يرغب 52٪ منهم العيش في إحدى الدول الأروبية.

ويصل عدد المغتربين المغاربة حول العالم لأزيد من 5.4 مليون مغترب، يقطنون في الأغلب في دول أروبا الغربية وأمريكا الشمالية، وهو رقم عالٍ ومرشح للتصاعد.

في حديثه مع رصيف22، يقول رشيد أوراز، الباحث في الاقتصاد، أن هذا الرقم يؤشر على نزيف مستمر وضياع للمجهودات والمقدرات البشرية للبلد.

فـ"الرأسمال البشري الذي يموله دافع الضرائب المغربي بغية تكوينه وتأهيله يستفيد منه في الأخير اقتصاد بلد آخر، إنه هدر غير مقبول لكنه واقع. وهذا هو ما يؤلم في هذه المسألة"، كما يعلّق.

بينما يرى سعيد بنيس، أستاذ علم الاجتماع، أنّ "الهجرة تمثل فكرة ومشروعاً بديلاً لوضعية اقتصادية واجتماعية غير مريحة هدفها الانتقال إلى وضعية اقتصادية واجتماعية تتسم بالرفاهية والعيش الرغيد والاستقرار المعنوي والرمزي على أساس أنه مشروع مستقبلي ولا يمكن التنبؤ بمآلاته".

شيماء (صحفية-31 سنة)، هي واحدة من الشابات اللواتي يحلمن بوظيفة خارج البلد، تتوفر على شروط مهنية ملائمة، وباعتبارها صحافية، تتطلع شيماء للعمل في ظروف تحميها من التعرض لمضايقات السلطات أو التحرش في العمل وخارجه، أو حتى التشرد بسبب الطرد أو ضعف الراتب.

وتقول في هذا الصدد: "عملي كصحفية يعرضني إلى الكثير من المشاكل، سواء مع السلطات أو مع المنابر الإعلامية نفسها، نحن الصحفيون عرضة للتشرد في أي لحظة، إضافة إلى ضعف رواتب وعدم توفر شروط العيش اللائق كتغطيات صحية أو اقتطاعات لتقاعد مريح".

وتضيف: "لو سنحت لي الفرصة للهجرة إلى بلد يوفر لي عملاً يرضيني و عيشاً كريماً، أكيد لن أتردد أبداً في الرحيل".

أقوال جاهزة

شارك غردرغبة المغاربة تزداد في حزم حقائبهم، ما السبب؟

شارك غرد"اللهم عسل الناس ولا قطران بلادي"، مثل مغربي يجسد تمسك المغربيون والمغربيات بالوطن رغم الصعوبات

إبراهيم (مدرس حكومي، 31 سنة) يتفق مع رأي شيماء في أن ما يدفعه للرحيل هو البحث عن شروط مهنية ومعيشية ملائمة وكريمة.

ورغم أن المدرسين الحكوميين يتمتعون باستقرار وظيفي نسبي قياساً بباقي الوظائف، إلا أن ذلك لن يمنع إبراهيم من الهجرة قائلاً: "مدرس حكومي لم تعد تعني شيئاً... فالباعة المتجولون لهم وضعية مادية نسبياً أحسن منا".

وأضاف في حديثه مع رصيف22: "المدخول الذي أجنيه لا يضمن لي تحسناً في مستواي المعيشي والاقتصادي، بل فقط يسد احتياجاتي من أكل وشرب".

بالنسبة لـجواد مبروكي، المحلل النفساني، فيعتقد أن سبب رغبة الكوادر المتعلمة من مدرسين وصحفيين ومهندسين في هجرة بلدهم ينبع من "رفضها الاستمرار في العيش في ظروف لا تضمن لهم الكرامة و العيش الكريم لأبنائهم".

دَاِفعُ شيماء وإبراهيم في الهجرة يتماشى مع ما صرح به مغاربة في استطلاع أجرته مجموعة زوريخ للتأمينات العالمية (2013)، إذ يرى 50٪ من المستجوبين أن هجرة البلد مرتبطة بوجود فرص عمل أفضل وإطار مهني يضمن شروطاً وظيفية ومادية تضمن العيش الكريم.

يقول بنيس في حديثه مع رصيف22 إنّ "ظاهرة الهجرة تنبني على تمثلات اجتماعية جعلت من الهجرة جسراً للانتقال من وضعية اقتصادية هشة إلى وضعية اقتصادية قارة تتمثل في وظيفة بأجر مغرٍ في بلدان الاستقبال".

النظرة الجمعية لابن البلد "المهاجر"

كثيراً ما يلجأ المغاربة للهجرة كفرصة للترقي الطبقي والحظي بمكانة اجتماعية فيها نوع من الاستعراض المادي والاستهلاكي، إذ يُصَدِرُ المغترب صورة ذهنية لدى الشباب كونه يعيش الرفاه والرغد وأحياناً الثراء في وقت وجيز.

في هذا السياق، يذهب بنيس في تحليله لهذه النقطة في حضور "حقينة قيمية متجذرة لدى بعض المغاربة، إذ يرون أن الاغتناء والحظوة الاجتماعية لا يمكن اكتسابها إلا عبر المرور من بلاد الآخر".

كما أضحت الهجرة مسألة وجود وهوية داخل مجموعة الانتماء حيث المهاجر هو الشخصية التي يحسب لها ألف حساب في المناسبات الاجتماعية، وأضاف بنيس: " هناك تصورٌ جمعي لدى المغاربة أن من هاجر "سيعود "رجلاً" ذا قيمة مرموقة في جماعته ومجتمعه".

ويعزي بنيس أسباب ذلك إلى "تمظهرات الهوية الانهزامية التي ترى في الآخر وفي بلاد الأجنبي قيمة مضافة للفرد ولجماعته، إذاً تصبح الهجرة هي الحل مغلفة بقيم اجتماعية تروم العيش الرغيد والاندماج مع الآخر".

جامع مغربي في دوسلدورف، ألمانيا

"الوطن سجن ولا مناص من الهروب"

في الوقت الذي يتهافت فيه المغاربة لمغادرة بلدهم بدافع سوسيو-اقتصادي أو مهني، هناك من يرغب في الرحيل لأسباب أخرى مرتبطة بالبحث عن بحبوحة من الحرية والاستمتاع بالخصوصية الفردية والخلاص من قوانين المجتمع.

ومنهم من يسعى للتحرر من النمطية التي تقيد ممارسة حياته وقناعاته بحرية كاملة بدون وصاية دينية أو سياسية مؤسساتية.

ليلى (خريجة جامعية، 26 سنة)، واحدة من المغاربة ممن يبحثون عن وطن بديل كملجأ للهروب من وضع اجتماعي وثقافي تراه متردياً، ولا تجد لنفسها موطأ قدم في مجتمع يفرض سلطاته على الفرد بشكل سلطوي.

تقول ليلى في حديثها مع رصيف22: "أشعر بأن هناك تضييقاً كبيراً على الحريات الفردية، بسبب السلطة من مؤسسة الأسرة إلى الدولة".

وتضيف: "في بلدي يصعب علي ممارسة حريتي الفردية وقناعاتي الشخصية، ولأني متزوجة يصعب علي عملياً أن أمارس ذلك في ظل سطوة الأسرة وقوانين المجتمع".

وتضيف ليلى: "أرغب في هجرة بلدي بحثاً عن وطن يوفر حداً أدنى من الحرية الفردية وخدمات اجتماعية كالتعليم والتطبيب المجانيين، كما أنني أتطلع لأنمي قدراتي العلمية والمعرفية والإبداعية في مجتمع متعدد يحترم الفن والرأي المخالف".

ليلى على ما يبدو ليست وحدها من يرغب في مغادرة البلد بحثاً عن فضاء أرحب للحرية، فإبراهيم يشارطها الرأي فبحسبه ليس البحث عن ظروف مهنية أفضل هو السبب الوحيد للرحيل.

بل يرى أنه يعيش مكرهاً في مجتمع يفرض عليه التدين أحياناً و طقوساً اجتماعية هو يعتقد بأنها تعتبر بمثابة تضييق على حريته واختياراته الشخصية، "فلا مناص لي إلا الهروب من هذا السجن" يردف إبراهيم.

يقول جواد مبروكي في حديثه مع رصيف22 أن هذه الفئة تلح على هجرة بلدها بسبب "رفضها للعقلية المجتمعية، وتكون الأسباب عادة حقوقية أو أيديولوجية، إذ لا يمارسون حريتهم بشكل سلس المرتبطة باختياراتهم وقناعاتهم الشخصية".

بالنسبة لرشيد أوراز، الباحث في الاقتصاد، إنّ ارتفاع مستوى التعليم يزيد من مستوى الوعي لدى الأفراد، وهو ما يزيد الطلب على مستوى الحريات المدنية والسياسية".

ويضيف أوراز في حديثه مع رصيف22 أنّ "الفئات المتعلمة أكثر رغبة في التحرر من بقية الفئات التي تنزع للمحافظة، بينما يرغب المتعلمون في تغيير الأشياء أو على الأقل العيش في دينامية تغييرية لا تتوقف، وإذا لم يتحقق ذلك الشرط تكون الهجرة هي المنفذ الأسلم لهم".

دافع آخر للهجرة

تكثر الدوافع و تتعدد الأسباب التي تجعل المغاربة ينوون الرحيل، فرغم أن البلد يتمتع باستقرار وسلم اجتماعي، فضلاً على أنه في منأ عن آتون الحروب، التي قد تجبرهم على طلب اللجوء، إلا أن ذلك لا يمنعهم من الوقوف في طوابير طويلة أمام سفارات الدول المستقبلة للهجرة. 

فهل هناك دافع آخر قد يجعل المغربي يحمل حقائبه نحو الخارج؟

"بسبب التهميش و"الحكرة" (الظلم والقهر) ازدادت لدي رغبة في هجرة البلد"، هكذا عبر سمير (خريج جامعي عاطل عن العمل-27 سنة)، لرصيف22 عن نيته في مغادرة وطنه.

سمير ليس لوحده من تنتابه تلك المشاعر تجاه بلده، فوفق دراسة صادرة عن مشروع صحوة للأبحاث، كشفت أن خمس الشباب المغربي يرغب في الهجرة، من بينهم خريجو الجامعات والمعاهد، بسبب شعورهم بالإحباط والإقصاء الاجتماعي.

دراسة أخرى صادرة عن المعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية، نشرت مؤشراً عن تزايد رغبة الشباب المغربي لمغادرة بلدهم، إذ سجل مؤشر الرغبة في هجرة البلد ارتفاعا من 2 من أصل 4 عام 2009، إلى 3 من أصل 4 عام 2012، والسبب: "الشباب لا يجدون أفقاً ولا يتطلعون إلى مستقبل جیّد داخل البلد".

يرى سعيد بنيس أن الشعور بالإحباط والإقصاء الاجتماعي هو بمثابة دافع أقوى عند فئة انتظاراتها آنية وثقافتها تأثرت بمحيط معولم يفتح منطقها على عوالم وردية لا سيما منها الافتراضى توحي بسهولة الارتقاء الاجتماعي مما يجعل من الهجرة الجسر الوحيد".

صحفي و كاتب مقالات في الصحف والمواقع العربية كصحيفة رأي اليوم الإلكترونية وألترا صوت والسفير العربي، حاصل على باكالوريوس (ليسانس) صحافة.

التعليقات

المقال التالي