عودة الفونوغراف إلى القاهرة... لماذا يهرب المصريون إلى الماضي؟

عودة الفونوغراف إلى القاهرة... لماذا يهرب المصريون إلى الماضي؟

خلال أيام قليلة، تطرح "شركة صوت القاهرة للصوتيّات والمرئيّات" للبيع جهاز فونوغراف، أو غراموفون كما يُعرف نسبة إلى شركة "غراموفون" الإنكليزية، باستطاعته تشغيل الأسطوانات القديمة بطريقة متطوّرة، كما يتيح تشغيل الأسطوانات الموسيقية الحديثة كذلك.

الفونوغراف، الذي ستطرحه "صوت القاهرة" للبيع هذا الشهر، تحوّل من مجرّد فكرة إلى واقع بسبب سؤال المصريين المتكرّر خلال السنوات الأخيرة عن هذا الجهاز وأسطواناته القديمة، في جميع فروع الشركة المختلفة في المحافظات المصرية.

لا يعرف محمد العمري، رئيس الشركة، السبب وراء رغبة كثير من المصريين باقتناء هذا الجهاز مرة أخرى بهذا الشكل المبالغ فيه، على حد وصفه، لكنه تعامل مع طلبات زبائن الشركة بمنطق تجاري وقرّر إطلاق المشروع.

يقول العمري لرصيف22 "سنطرح خلال أيام قليلة عدّة موديلات من الجهاز، بأسعار متفاوتة وإمكانات مختلفة، وجميعها سيحمل شعار صوت القاهرة مطبوعاً عليها".

وستوفرّ الشركة لجمهورها أيضاً أسطوانات كبار المطربين العرب من أمثال عبده الحامولي وسيد درويش وأسمهان ومحمد عبد الوهاب وأم كلثوم وعبد الحليم حافظ وصباح وفيروز وغيرهم.

وبحسب العمري، تكون النسخة الجديدة من الفونوغراف شبيهة إلى حدّ ما بالجهاز القديم الذي اخترعه الأمريكي توماس إديسون عام 1877، كما أن الصوت الذي سيخرج منه يتشابه – من حيث القِدَم- مع صوت الجهاز الأصلي البدائي، فيعطي انطباعاً لمن يستمع له أنه جهاز قديم.

في العام 1959، أطلق الفنان المصري محمد فوزي (1918 – 1966) مع بعض الشركاء مصنع الشرق الأوسط للأسطوانات (مصرفون)، الذي خضع للتأميم عام 1961. بعد ذلك بسنوات قليلة، وبالتحديد عام 1964، قرّرت الحكومة تغيير اسم المصنع ليصبح "شركة أسطوانات صوت القاهرة".

وفي العام 1977، حذفت الشركة من اسمها كلمة أسطوانات لتصبح شركة "صوت القاهرة للصوتيات والمرئيات"، فتتضمن أعمالها الصوت والصورة على حدّ سواء. وأصبح شكلها القانوني شركة مساهمة مصرية تابعة لاتحاد الإذاعة والتليفزيون المصري (ماسبيرو).

ولسنوات طويلة ظلّت الشركة تنتج وتبيع الأسطوانات ذات الشكل القديم، العائدة لكبار المطربين المصريين والعرب، قبل أن تتراجع في السبعينيات مع ظهور شكل أحدث وهو "البَكَر" الذي يعمل على أجهزة "البيك أب"، وتتوقف في بداية الثمانينيات بسبب التطوّر التكنولوجي وانتشار أشرطة الكاسيت.

"... عوالم أخرى من السعادة"

المعروف عن الحنين إلى الماضي أو النوستالجيا، بحسب الدراسات العلميّة، أنه إحساس قادر على أن يعطي شحنة إيجابية لدماغ الإنسان، ورأت دراسة علمية قامت بها جامعة "ساري" البريطانية، بالتعاون مع مؤسسة "ناشيونال تراست" (هيئة بريطانية معنية بحفظ التراث)، أن الحنين إلى الماضي أمر يصيب أغلب البشر وهو قادر على تحسين المزاج والحالة النفسيّة والجسديّة للبشر.

قد يساعدنا على فهم أسباب رغبة بعض المصريين في البحث عن هذا الجهاز وإعادة امتلاكه، ما قاله لنا كريم أحمد (28 عاماً) الذي استطاع تحقيق رغبته بالحصول على فونوغراف أصلي نادر، من ماركة كولومبيا، عام 2015، حين وجده في متجر متخصص في بيع "الأنتيكات" في شارع المعز التاريخي في قلب القاهرة.

"لا أعرف لماذا قرّرت أن أدفع مبلغاً كبيراً لشراء هذا الجهاز، رغم امتلاكي لمُشغّل أسطوانات حديث، كل ما أعرفه أنني أردت العودة إلى مصر القديمة، حين كانت شوارعها نظيفة وتتميّز بريادتها في مجال الفن والثقافة"، كما  قال أحمد لرصيف22.

يشتري الشاب المصري أسطوانات الفونوغراف العربية من بائعين ينشرون إعلاناتهم على موقع "أوليكس" المتخصص في البيع عبر الإنترنت، وتُكلّفه الأسطوانة الواحدة حوالي 100 جنيه مصري (حوالي 6 دولارات) بعد مساومة صاحب المتجر على ثمنها.

أقوال جاهزة

شارك غرد"لا أعرف لماذا قرّرت أن أدفع مبلغاً كبيراً في شراء هذا الجهاز، رغم امتلاكي لمُشغّل أسطوانات حديث، كل ما أعرفه أنني أردت العودة إلى مصر القديمة، حين كانت شوارعها نظيفة وتتميّز بريادتها في مجال الفن والثقافة"

شارك غرد"جميل أن أحصل على جهاز قديم وحديث في الوقت نفسه، كانت مشكلتي أن كل المطربين الحاليين الذين أحبهم ليس لهم أسطوانات قديمة، سيكون ممتعاً أن أستمع لصوت أنغام وعمرو دياب على جهاز فونوغراف"

"أمتلك أسطوانات نادرة لأم كلثوم ومحمد فوزي ومنيرة المهديّة، تساعدني على نسيان الواقع القبيح تماماً،  فحين أغلق علي غرفتي وأُشغّل جهازي أستطيع التحليق إلى عوالم أخرى من السعادة" يقول كريم.

لم يستغرب كريم حين أخبرناه عن المنتج الذي ستطلقه "صوت القاهرة"، إذ يرى أن "أغلب المصريين حالياً يرغبون في الهروب من الواقع الحالي، بكل مشاكله السياسية وأزماته الاقتصادية، بحثاً عن مصر أخرى أجمل وأكثر إنسانية"".

ويضيف "ملايين المصريين يتابعون حالياً، وأنا منهم، قناة ماسبيرو زمان التي تعرض برامج ومسلسلات وأغاني قديمة، وللأسف لم يفهم النظام الحالي المغزى من ذلك".

والقناة، التي يتحدث عنها كريم، انطلقت عام 2016، وهي قناة حكومية تابعة لماسبيرو تعرض أعمالاً قديمة من أرشيف التلفزيون المصري، وسرعان ما حققت نجاحاً كبيراً وأصبح لها الكثير من المتابعين.

وقد أغرى النجاح الذي حققته هذه القناة الحكومة المصرية بإطلاق إذاعة مشابهة من حيث فكرة عرض مواد قديمة من تراث ماسبيرو، وهي إذاعة "ماسبيرو أف أم"، والتي انطلقت رسمياً بعد أشهر قليلة من انطلاق قناة ماسبيرو زمان.

رغبة كريم في الهروب من الواقع إلى الماضي هي نفسها رغبة نجلاء أيمن (30 عاماً) التي تقول إنه منذ عام 2011، وبالتحديد بعد ثورة يناير، وهي تشعر بـ"غربة شديدة" في مصر.

وتشرح نجلاء "أصبحت في السنوات الأخيرة غير مهتمة بمتابعة أي أخبار تخصّ مصر، كانت الثورة بالنسبة لي حلم أن تتغير البلد للأفضل، لكني اكتشفت أن الأمر ليس بالمثالية التي كنت أتخيلها. الأمور معقدة أكثر".

تمتلك جهاز فونوغراف كانت قد ورثته عن والدها، واحتفظت به داخل صندوق من دون أن تفكر في استخدامه إلا مؤخراً، "حين زاد إحساسي بالغربة"، على حدّ قولها.

"كانت المشكلة أن الجهاز يحتاج إلى أبر تشغيل" لكي يعمل، ولم أكن أعلم أنها متواجدة في زمننا هذا، لكن عن طريق البحث على الإنترنت اكتشفت أنها تُباع في متاجر القاهرة القديمة، وحين ذهبت لشرائها من سوق الجمعة الشهير في منطقة السيدة عائشة (في القاهرة) اكتشفت هناك أن أسطوانات الفونوغراف منتشرة ورخيصة، فقمت بشراء بعضها".

وبعد فترة، أدمنت نجلاء الاستماع لصوت الفونوغراف، فهو من وجهة نظرها "عريق وممتع".

تنتظر الأجهزة الجديدة التي أعلنت عنها "صوت القاهرة"، معلّقة بالقول "جميل أن أحصل على جهاز قديم وحديث في الوقت نفسه، كانت مشكلتي أن كل المطربين الحاليين الذين أحبهم ليس لهم أسطوانات قديمة، سيكون ممتعاً أن أستمع لصوت أنغام وعمرو دياب على جهاز فونوغراف"، حسب قول نجلاء لرصيف22.

الحنين على طريقة "مصرفون"

سبق تجربتَيْ "ماسبيرو زمان" و"ماسبيرو أف أم" الحكوميتين تجربة أخرى مستقلة، هي "راديو مصرفون" (إذاعة إنترنت) الذي انطلقت عام 2013، ويمكن اعتبارها أفضل مثال عملي يُظهر أن الحنين إلى الماضي بات مسيطراً على كثير من المصريين.

وبحسب القائمين على "مصرفون" فهو يحقّق نسبة استماع كبيرة تزداد كل يوم، أما النسبة الأكبر من المتابعين لها فهي من جيل الشباب.

مؤسس تجربة مصرفون هو الباحث المصري عصمت النمر الذي فعل ذلك لشعوره بالمسؤولية في حفظ التراث وحمايته من الضياع، على حد قوله لرصيف22.

والنمر يمتلك أرشيف مكوّن من مئات الساعات لتسجيلات نادرة منها أعمال عبده الحامولي و أدوار وقصائد بصوت سليمان أبو داود، الشيخ يوسف المنيلاوى، زكي مراد، ثريا قدورة وأم كلثوم، إضافة لـ"طقاطيق" لما يمكن أن نطلق عليه "طرب العوالم" في العشرينيات مثل رتيبة أحمد، سنيّة شخلع، حسيبة موشى، أمينة العراقية، وابتهالات وتواشيح لمشايخ كثر.

يقول النمر إن أحد أهم أهداف الراديو هو محاولة لفت نظر الجيل الجديد للماضي الغنائي العربي. أما صفحة لإذاعة على فيسبوك فقد تحولت إلى ما يمكننا أن نعتبره نادي يجمع هواة الطرب الأصيل، والباحثين عن شراء أجهزة فونوغراف وأسطوانات قديمة تساعدهم على الهرب إلى الماضي.

مصطفى فتحي

صحافي مصري حاصل على الماجستير في الصحافة الإلكترونية من كلية الاعلام في جامعة القاهرة، و"المركز الدولي للصحافيين" في واشنطن. يعمل حاليًا مدير تحرير لموقع "كايرو 360"، ويكتب لصحيفة "السفير" و"شبكة الصحافيين الدوليين"

التعليقات

المقال التالي