دعونا نناقش التثقيف الجنسي للأطفال في المدارس...

دعونا نناقش التثقيف الجنسي للأطفال في المدارس...

"هل نقدم الجنس للأطفال والمراهقين في المدرسة أم في المنزل، أم لا بسبب العيب؟".

التثقيف الجنسي أصبح إجبارياً في المرحلة الثانوية في المملكة المتحدة (وغيرها من البلدان)؛ مع السماح للمدارس الدينية بتدريسه وفق معتقداتها، وبذلك يتعلم الأطفال عن العلاقات الصحية من سن الرابعة.

جاءت هذه الخطوة بعد جهود حثيثة لتجنيب الأطفال الأخطار التكنولوجية المختلفة مثل المواقع الإباحية؛ وكذلك للوقاية من التحرش بهم.

لكن ما هو الحال في العالم العربي؟

بقي التثقيف الجنسي الصريح والواضح خطاً أحمز في الكثير من المنازل والمدارس العربية لعقود، خاصة المحافظة أو المتدينة منها، رغم أن التعليم الديني تطرق بشكل أو بآخر لها.

فعلى سبيل المثل لا الحصر قدم القرآن في مواضع مختلفة آيات تتطرق للعلاقة الجنسية بغرض تنظيمها، وأشارت الأحاديث إلى أحكام كثيرة متعلقة بالعلاقة الحميمية.

"لا حياء في العلم، وما لا يجد له المراهقون مصدراً صحيحاً، سيجدون له ألف مصدر غير صحيح". هكذا، أجابت دينا من دون تفكير، وهي أم لولد وبنت في سن المراهقة وترى أنه يجب عدم إهمال حاجات المراهقين النفسية والجسدية في هذه المرحلة.

وإذ توافقها رنا من حيث المبدأ، تطرح أسئلة بدهية. مثل؛ أي موضوع سيقدم وبأي كيفية؟ فهي تؤمن بأنه يجب التحضير لمثل هذا المنهج بعناية لدراسة ما يقال وما لا يقال.

ما تطرحه رنا ودينا من أسئلة يشبه تساؤلات الكثير من الأمهات في بلدان عربية تشهد تغيرات وتحولات اجتماعية كثيرة، وكسر للكثير من "التابوهات" وطرح الكثير من المسلمات على طاولة النقاش.

التثقيف الجنسي للأطفال في المدرسة هو أحد المواضيع المطروحة في الكثير من دوائر العالم العربي التعليمية والاجتماعية.

ومما لا شك فيه أن النهي عن الحديث والتكتم أو التظاهر بالسذاجة كما فعل الآباء لسنوات لم يعد خياراً. فالتجاهل لن يجعل الأولاد ينسون السؤال، بل على العكس سيزيد فضولهم.

لذا، نلمس الآن في المجتمع هوساً بالجنس أو خوفاً شديداً منه.

تثقيف محافظ؟

عند الحديث عن التثقيف الجنسي لا يمكننا تجنب السؤال التقليدي؛ كيف يمكن تدريس المعلومات الأساسية في ما يتعلق بالجنس على نحو يتوافق مع الثقافة العربية المحافظة؟

يرى مروان بن العربي، أحد مدربي برنامج "Y Peer" في المغرب، أن الجنس هو جزء من الطبيعة البشرية، وهو من الحاجات الأساسية لدى الإنسان البالغ. وغالباً ما يستقي الشاب أو الفتاة معلوماتهما المتعلقة بالجنس من نظرائهما أو من الشارع، ودائماً ما تكون هناك مغالطات وأفكار ليست صحيحة.

ويضيف أن التثقيف ليس بالضرورة متعارض مع الثقافة العربية المحافظة، بل على العكس يمكن تكوين قاموس خاص بالمصطلحات المستعملة في هذا الموضوع من دون خدش الحياء،حيث نسمي الأشياء بمسمياتها الصحيحة مع احترام خصوصية مجتمعاتنا في ما يتعلق بالتكوين العام. هذا لا يعني أن نغض البصر عن تصحيح المعلومات وتثقيف الأهالي والفئات الشابة تثقيفاً صحيحاً ولو تطلب ذلك بعض المرونة في تقبل أفكار جديدة أو مسكوت عنها.

شبكة "تثقيف الأقران "Y Peer" مبادرة شبابية في رعاية صندوق "الأمم المتحدة للسكان"؛ تتبنى تثقيف الشباب جنسياً من طريق أقران لهم؛ وتوعيتهم للصحة الإنجابية والأمراض المنقولة جنسياً وغيرها من الموضوعات ذات الصلة.

تدرّب هذه الشبكة أشخاصاً لبضعة أيام، يقوم بعد ذلك مدرب بتوعية آخرين من خلال نشاطات تفاعلية وورش عمل في الجمعيات الموجودة بالدولة أو غيرها.

المنطقة العربية... اتفاق على التعتيم

جدير بالذكر أن هناك مدخلين إلى التوعية الجنسية؛ الأول مبني على العفة، والثاني على الشمول.

إذا نظرنا في المدخل المبني على العفة، نجد أنه على سبيل المثل يركز على أن البعد من الجنس قبل الزواج هو الحل الأمثل للوقاية من الإصابة بالأيدز وغيره من الأمراض المنقولة جنسياً؛ وكذلك الحمل غير المرغوب.

من جهة أخرى، يشرح المدخل الشامل للشباب المنافع المرجوة من تأجيل الجنس إلى حين الاستعداد المناسب، جسمانياً وعاطفياً؛ وكذلك كيفية الوقاية من الأمراض والحمل غير المرغوب في حال قرروا ممارسة الجنس.

وبالنسبة إلى المنطقة العربية، لا يزال الجنس تابوهاً؛ فنجد الشباب في بعض الأحيان لا يعرفون ما يكفي عن أجسامهم وعن صحتهم الإنجابية؛ ما قد يعيقهم عن ممارسة أدوارهم الإنجابية في ما بعد.

أقوال جاهزة

شارك غردفي المنطقة العربية نجد الشباب في بعض الأحيان لا يعرفون ما يكفي عن أجسامهم وعن صحتهم الإنجابية

يشرح ابن العربي، أن في المغرب برامج حول التوالد عند الإنسان والتغيرات الفيزيولوجية عند المراهقين والمراهقات تقدم بصيغة علمية، وتدرس ابتداء من الصف الابتدائي السادس. لكن، لا يمكن أن نقول أن هذه الدروس ذات الصبغة البيولوجية تغطي جميع العناصر المكونة التثقيف الجنسي بخاصة النفسية منها. ويضيف أنه من جهة أخرى توجد مجموعة من الأنشطة وحملات التوعية تقوم بها مؤسسات المجتمع المدني. ويتم التنسيق أحياناً مع المدارس، خصوصاً الثانوية .

ترى سمر عبده، مدربة ومختصّة نفسية، أن التثقيف في المدرسة الخاص بالتشريح أو ذاك المتعلق بالفقه له دور معلوماتي مهم، لكن التربية الجنسية يجب أن تبدأ من المنزل وتأخذ منحًى تدرّجاً حسب العمر.  

وتضيف أن التثقيف الجنسي مسؤولية مشتركة على الأب والأم، والأفضل أن يتم في حضورهما معاً قدر الإمكان. وتعقب: "إن الإطار الذي نعلم به أولادنا أهم من المحتوى، فعندما يتحدث الأب والأم عن موضوعات مرتبطة بالجنس في إطار من القدسية والحب والحميمية مع أولادهما، وعدم وجود أي إحساس بالخزي أو الذنب؛ تصل إليهم الرسالة المطلوبة.

في الإمارات، ووفق موقع The National، يقول إبراهيم بركة، مدير مدرسة الشولا في الشارقة أن التثقيف الجنسي ليس إجبارياً في المدارس الحكومية أو الخاصة؛ ولكن ينصح دائماً بتنظيم فاعليات تساعد على رفع الوعي العام إلى تلك القضايا، مثل التحرش بالأطفال.

وفي لبنان، فقد تم تطوير منهج تعليمي عن الأيدز عام 2005، ولكن في ظل مقاومة مجتمعية لم يُعمّم.

في الإمارات التثقيف الجنسي ليس إجبارياً في المدارس الحكومية أو الخاصة؛ ولكن ينصح دائماً بتنظيم فاعليات تساعد على رفع الوعي العام إلى تلك القضايا، مثل التحرش بالأطفال.

دراسات عن العرب والتثقيف، ماذا وجدت؟

ربما لم يحظ الموضوع بجدال إعلامي كبير، ولكن وجد اهتماماً لدى الأكاديميين من الأقطار العربية المختلفة.

فوفق دراسة أعدها باحث من جامعة الأزهر، أشار مسح شمل 15 ألف مصري في الفئة العمرية من 10 إلى 29 سنة، إلى أن 15% فقط من الذكور و5% من الإناث تلقوا معلومات عن البلوغ من المدرسة؛ بينما في لبنان نحو 80% من 5000 شخص شملهم المسح في الفئة العمرية من 13 إلى 15 سنة؛ لم يتحدثوا قط مع معلميهم في مثل هذه المسائل.

وقد أشارت الدراسة ذاتها إلى أن المعلومات عن الصحة الإنجابية تتوافر في المناهج الوطنية في كل من تونس والمغرب والبحرين، إلّا أنها تستهدف طلاب المرحلتين الثانوية والجامعية.

وفي دراسة أخرى أجراها باحثون في جامعة كركوك عام 2012، توصلت إلى أن تجنب موضوعات التربية الجنسية في المدارس المتوسطة للفتيات، والإحجام عن النقاش في هذه الموضوعة موجودان لدى الطالبات والمعلمات على حد سواء؛ وأن الخوف والخجل يشكلان حاجزاً للتطرق إلى هذه المسائل ولو في إطار تربوي.

توصلت دراسة أجراها باحثون في جامعة كركوك عام 2012 إلى أن الإحجام عن نقاش موضوعات التربية الجنسية في المدارس المتوسطة للفتيات موجود لدى الطالبات والمعلمات على حد سواء؛ والخوف والخجل يشكلان حاجزاً للتطرق لها

وقد طُرح سؤال على الفتيات عن أهم التحديات التي يواجهنها في ما يتعلق بالأمور الجنسية، وما إذا كان هناك توجيه في هذا الصدد أم لا، فامتنعت طالبات الصف الأول عن الإجابة خجلاً وخوفاً، أما طالبات الصف المتوسط الثاني فأجبن عن السؤال الأول بنفي وجود مشكلات؛ وعن السؤال الثاني بتأكيد وجود توجيه في مجال التربية الجنسية.

أما في لبنان، فقد أعدت باحثة من الجامعة اللبنانية دراسة أخرى، عام 2011، للوقوف علي الفرق بين المفاهيم الجنسانية والتثقيف الجنسي لدى 1454 من المعلمين اللبنانيين وأقرانهم من الفرنسيين.

وقد أشارت النتائج إلى أن 71.2% من المعلمين الفرنسيين رأوا أن موضوعات مثل زنا المحارم والإيذاء الجنسي يجب أن تقدم للأطفال في سن مبكرة، أما 60.8% من اللبنانيين فرأوا تقديمها في سن متأخرة (بعد سن الخامسة عشرة).

وبغض النظر عن التنوع في الطوائف الدينية في لبنان، اشترك المعلمون اللبنانيون بغالبيتهم في الأفكار المتعلقة بالتثقيف الجنسي، بشكل مخالف لنظرائهم الفرنسيين؛ ما يؤكد خصوصية كل دولة النابعة من السياقات الجغرافية والتاريخية والثقافية والاقتصادية.

ماذا بعد التجاهل؟

ما يزيد الموقف تعقيداً ربما، هو ارتفاع سن الزواج وانتشار أنماط من الزواج أقرب إلى العلاقة الجنسية منها إلى الميثاق الغليظ، ويعتبرها البعض مخرجاً شرعياً لإقامة علاقة في ظل ظروف مادية صعبة.

في هذه الحالة، يتعرض الشباب كذلك لأخطار الأمراض المنقولة والحمل غير المرغوب فيه، إضافة إلى الاغتصاب، التحرش الجنسي والاضطرابات في الهوية الجنسية؛ ما قد يؤدي إلى الانتحار.  

ما يزيد الموقف تعقيداً ربما، هو ارتفاع سن الزواج وانتشار أنماط من الزواج أقرب إلى العلاقة الجنسية منها إلى الميثاق الغليظ ويعتبرها البعض مخرجاً شرعياً لإقامة علاقة في ظل ظروف مادية صعبة.

أما عند المتزوجين فيعتبر عدم توافر ثقافة جنسية سليمة من أهم الأسباب إن لم يكن السبب الرئيسي وراء حالات طلاق كثيرة في مجتمعاتنا وكذا العنف الزوجي. فالافتقار إلى المعلومات حول الحميمية بين الزوج والزوجة، العذرية وعلاقتها بغشاء البكارة، وكذا خصوصيات المرأة والرجل الجنسية، يجعل العلاقة بين الزوجين صعبة وفي معظم الحالات مصاحبة الصمت والكبت، ما يؤثر لاحقاً في الأسرة والأولاد.

ولتجسير هذه الفجوة، يقوم مختصّون بدورات لتوعية المراهقين، أو الأمهات، أو المقبلين على الزواج.

تقول عبده المدربة التوعوية للأمهات منذ خمس عشرة سنة، أن التدريب لا يقتصر على زيادة وعي الأمهات للمراحل المختلفة للتربية الجنسية، ولكن أيضاً تشمل درجة من الالتئام النفسي للأمهات والوقوف على ما يمنعهن فعلاً من تثقيف أولادهن جنسياً؛ والتصالح مع فكرة الأنوثة والرجولة.

وتضيف: "نشرح فهم الحاجات وراء المشكلات الجنسية وكيف نعرف أن الأولاد في المراحل المختلفة قد أتموا النمو النفسي والجنسي. نتحدث كذلك عن أبرز المشكلات والسلوك الطبيعي، بغض النظر عن موقف الدين والأخلاق أو قيم المجتمع، كما نتطرق إلى السلوك المرضي وكيفية التعامل مع المواقف المختلفة والإجابة عن الأسئلة والتغلب على المخاوف".

في ظل واقع محافظ وتغيير عالمي متسارع، يكاد الجميع يتفق على ضرورة التثقيف، وبينما لا يمكن عاقلاً إنكار أهمية الوعي بشكل عام، يبقى التثقيف الجنسي مثيراً للجدال ومختلفاً على مشروعيته وجدواه، جدالاً يجعله مسرحاً للاجتهاد الذي قد يجسر الفجوة الموجودة؛ لكن لا يمكن بحال من الأحوال أن يقوم مقام التعليم النظامي.

كلمات مفتاحية
الثقافة الجنسية

التعليقات

المقال التالي