من الفليبين وأسكن في السعودية: عن معادلة كسب المال وحقوق الإنسان

من الفليبين وأسكن في السعودية: عن معادلة كسب المال وحقوق الإنسان

لم يكن يدور في ذهن سالي بلادو أن آمالها التي عقدتها بعد حصولها على عقد عمل في السعودية، ستتبدد خلال أشهر قليلة من نزولها من الطائرة التي أقلتها من مانيلا عاصمة الفليبين إلى الرياض.

منذ البداية، كانت الأمور غير جيدة، فنُقلت براً لأكثر من ساعتين لتستقر في مدينة حوطة سدير التي تبعد من الرياض 175 كيلومتراً شمالاً.

درست سالي العقد جيداً في منزلها الصغير في مدينة سيبون. كان ينص على أن تحصل على 400 دولار شهرياً، وأن تعمل 10 ساعات يومياً فقط، ولكن ما وجدته كان مختلفاً تماماً.

تقول سالي: "وجدت نفسي أعمل في منزلين 16 ساعة يومياً، وطوال الأشهر الأربعة الأولى لم أتقاضََ دولاراً، ولم أحصل على إجازة ولو يوماً واحداً، والأسوأ من ذلك أنني لم أكن أعرف كيف أصل إلى سفارتي، وجواز سفري في حوزة الكفيل منذ اليوم الأول".

قصة سالي ليست استثنائية، وفي الوقت نفسه ليست واقعاً لجميع السيدات الفليبينيات اللواتي يعملن في خدمة المنازل.

تكمن المشكلة في أن "بعض" ما يعانين منه يراه أرباب العمل أمراً طبيعياً، فتأخير الرواتب والعمل الطويل وسحب جواز السفر منهن، أمر معتاد في السعودية وبعض دول الخليج.

تعرضت ليلي للأمر ذاته، وفشلت في الحصول على راتبها لنحو تسعة أشهر، لكنها نجحت في الحصول عليه لاحقاً.

تقول ليلي التي طلبت عدم ذكر اسمها الكامل لرصيف22: "حصلت على الراتب، نعم، ولكن بعد ماذا؟ كنت أحتاج إليه في وقته لا بعد عام، لو كنت أستطيع أن أعيل عائلتي سنة كاملة من دون مرتب لما تركت ثلاثة أولاد وجئت إلى السعودية".

لا يقتصر الأمر على العاملات المنزليات، فالممرضات أيضاً يعانين من طول ساعات العمل، وقلة الإجازات، والمنع من مغادرة المستشفى.

كشفت ممرضة تعمل في أحد المستوصفات الخاصة بالدمام لرصيف22 أن الممرضات، وهن في الغالب من الجنسية الفليبنية في السعودية، يعانين من تأخر رواتبهن لأشهر عدة، ويُمنعن من الخروج من السكن الخاص بهن إلّا بشكل جماعي ولمرة واحدة أسبوعياً.

وتقول: "لا يُسمح لنا بالخروج إلّا في أوقات محددة، وساعات العمل طويلة، والرواتب متدنية لا تتجاوز الألف دولار".

القصص المشابهة في السعودية وفي الخليج كثيرة.

وفي نهاية يناير الماضي، اتخذت الحكومة الفليبينية إجراءات قاسية ضد الكويت التي تضم ثالث أكبر عدد من العمالة الفليبينية في الخليج، منعت بموجبها سفر عمالها للعمل هناك.

ودعا وزير العمل والعمالة الفليبيني سيلفستر بيلو العمال في الشرق الأوسط إلى العودة إلى بلادهم والقبول بالوظائف التي تعرض عليهم، ولو كانت رواتبهم أقل بكثير مما كانوا يحصلون عليه، لأنهم سيكونون بالقرب من عائلاتهم.

هل ضاقت الفليبين ذرعاً بما يحدث لرعاياها في الخليج؟ سؤال طُرح كثيراً خلال الأسابيع الماضية، ويخشى السعوديون أن يأتي عليهم الدور في قائمة الغضب الفليبيني.

فما هو الحال في السعودية؟ وهل يكمن الحل قي القرارات الديبلوماسية؟

حياة خاصة

يعيش الفلبينيون في السعودية حياة خاصة، فلهم مطاعمهم وأسواقهم.

كل يوم جمعة يكتظ سوق شمال السويكت في الخبر، شرق السعودية، بالمئات منهم. يطلق أهالي المنطقة الشرقية على المكان سوق الفلبينيين لأنه أشبه بمانيلا منه للسعودية، بحسب وصفهم.

على جنباته، متاجر تبيع منتجات شعبية فلبينية، ومطاعم تبيع الأكل الفلبيني، وملابس تقليدية.

يتميز العامل الفلبيني عن غيره من الآسيويين بأنه يتقاضى رواتب جيدة، تصل لنحو ألف دولار شهرياً، على عكس العمالة البنغلاديشية.

وتصل رواتب الممرضات المميزات إلى نحو 3000 دولار.

تقول سيرينو اديلو إنه من الصعب أن تحصل على نصف هذا الراتب في بلدها، وهي ممرضة تعمل في أحد مستشفيات الدمام الكبيرة.

وتضيف أنها لن تعود لبلادها لو طلبت منها حكومتها ذلك.

"الحياة في الخليج ليست جيدة، وهناك صعوبات كبيرة خاصة في السعودية، وهذا أمر كنت أتوقعه، ولكن ما أخذه شهرياً يعوض كل ذلك، لم أغترب عن عائلتي إلا من أجل ذلك، لا يوجد شيء سهل في الحياة"، تقول لرصيف22.

وتضيف :"لو عدت لبلادي لما حصلت على 200 دولار شهرياً، أنا أريد أن أصنع مستقبلاً أفضل لعائلتي".

اتجار بالبشر

لا تكمن مشكلة العاملات الفليبينيات في ما ذُكر آنفاً فحسب، إذ يؤكد محمد العاصمي، وهو صاحب مكتب استقدام للعاملات المنزليات في مدينة الدمام (شرق السعودية)، أن المشكلة الأكبر تكمن في الاحتجاز القهري، وفي بيع عقد العاملة من دون موافقتها، وحتى في إجبارها على العمل في منازل عدة.

أقوال جاهزة

شارك غرد"الحياة في الخليج ليست جيدة، وهناك صعوبات كبيرة خاصة في السعودية... لكن ما أخذه شهرياً يعوض كل ذلك، لم أغترب عن عائلتي إلا من أجل ذلك"

شارك غردمنذ 2006، تحاول السعودية علاج مشكلة الإساءة إلى العمالة المنزلية، وأصدرت قانوناً يحظر العمل الإلزامي، واستحدثت وزارة العمل إدارةً لرعاية العمالة الوافدة.

شارك غردالمشكلة الأكبر تكمن في الاحتجاز القهري، وفي بيع عقد العاملة من دون موافقتها، وحتى في إجبارها على العمل في منازل عدة.

ويضيف لرصيف22: "كثيرون لا يعلمون أن هذا الأمر جريمة يعاقب عليها القانون بشكل صارم".

وبحسب العاصمي، فإن وزارة العمل لم تلفت أرباب العمل لخطورة أفعالهم.

ويتابع: "كل ما ركزت عليه هو عدم تأخير الراتب، والسماح للعاملة بالاتصال بعائلتها، أما الأمور الأهم فتم التغافل عنها".

منذ 2006، تحاول السعودية علاج مشكلة الإساءة إلى العمالة المنزلية، وأصدرت قانوناً يحظر العمل الإلزامي، واستحدثت وزارة العمل إدارةً لرعاية العمالة الوافدة.

وصدر قرار وزاري يحظر بيع التأشيرات، ويعاقب على الإخلال بحقوق العامل، وقرار آخر من مجلس الوزراء يعيد تنظيم علاقة العامل بصاحب العمل، بما في ذلك حظر حجز جواز السفر، وإلغاء عبارة كفيل من نظام الإقامة، وعلى الرغم من تلك الخطوات، لا تزال المشكلة قائمة، وإن بشكل أقل.

ويُعرف الاتجار بالبشر، حسب نص المادة الثانية من نظام مكافحة جرائم الاتجار بالأشخاص التي صدرت بمرسوم ملكي بأنه استخدام شخص، أو إلحاقه، أو نقله، أو إيواؤه، أو استقباله من أجل إساءة الاستغلال.

ويدخل في ذلك إجباره على العمل، أو عدم منحه رواتبه الشهرية، أو منع حريته، أو تأجيره للغير من دون موافقته.

يُعرف الاتجار بالبشر، حسب نص المادة الثانية من نظام مكافحة جرائم الاتجار بالأشخاص، بأنه استخدام شخص، أو إلحاقه، أو نقله، أو إيواؤه، أو استقباله من أجل إساءة الاستغلال.

يؤكد المستشار القانوني أحمد الراشد لرصيف22 أن عقوبة كل من يرتكب جريمة الاتجار بالأشخاص، تصل إلى السجن نحو 15 سنة، أو يُغرّم بمبلغ قد يصل إلى مليون ريال (نحو 226 ألف دولار أميركي) أو بهما معاً إذا ارتكبت ضد النساء وذوي الحاجات الخاصة والأطفال.

هذه العقوبة المضاعفة لم توقف ممارسات بيع التأشيرات، أو تأجير العاملات من دون تصريح رسمي، والأهم من ذلك منعهن من مغادرة البلاد.

تحسين الوضع

سعت حكومة الفليبين إلى الضغط على وزارة العمل السعودية لتحسين وضع رعاياها، وأوقفت تصدير العمالة إلى المملكة أكثر من ثلاث سنوات، لتعود بشروط جديدة، أهمها احتفاظ العاملة بجواز سفرها، وتمكينها من الحصول على هاتف جوال للاتصال بعائلتها، ومن التواصل مع سفارة بلادها والحصول على مرتبها شهرياً.

تدرك وزارة العمل وهيئات حقوق الإنسان في السعودية أن هناك مشكلة حقيقية، تسببت بخلاف مع وزارة العمل الفليبينية، ومع وزارة العمل الإندونيسية، أسفر عن توقف تصدير العمالة لسنوات.

الشهر الماضي، أطلقت وزارة العمل والتنمية الاجتماعية السعودية مشروعاً لحماية أجور العمالة المنزلية عبر إصدار بطاقات مسبقة الدفع للرواتب، إذ تحول من خلالها رواتب العمالة المنزلية إلى حساباتهم البنكية من أجل ضمان تحصيلهم أجورهم وحمايتها.

وأكد خالد أبا الخيل، الناطق الرسمي في وزارة العمل والتنمية الاجتماعية لرصيف22، أن الوزارة "لن تتأخر في معاقبة كل من يثبت ارتكابه جريمة اتجار بالبشر، أو تأخير راتب، وأنها خلال السنوات الماضية عملت جاهدة لتحسين بيئة العمل، ليس للفليبينيين فقط، بل لجميع الجنسيات".

من جهة أخرى، أكد الدكتور خالد الفاخري، نائب رئيس الجمعية السعودية لحقوق الإنسان، لرصيف22: "أن الجمعية تتابع باهتمام شديد وضع العمالة الأجنبية في البلاد، وتحرص على أن ينالوا حقوقهم كاملة".

وأضاف: "هناك تطور كبير في هذا الجانب، وهو أمر جيد، ولكن ما زلنا نحتاج إلى عمل أكبر لحل جميع المشكلات التي تعاني منها العمالة الوافدة".

غير أن المشكلة تبدو عصية على الحل، وهي تأتي من طرفين: برأي فهد المزيد، وهو كفيل إحدى العاملات المنزليات من الجنسية الفليبينية، بأن الأنظمة التي أُقرّت أخيراً تحمي العمال فقط.

المشكلة تبدو عصية على الحل، وهي تأتي من طرفين: برأي فهد المزيد، وهو كفيل إحدى العاملات المنزليات من الجنسية الفليبينية، بأن الأنظمة التي أُقرّت أخيراً تحمي العمال فقط.

يقول لرصيف22: "دفعت أكثر من خمسة آلاف دولار لجلب خادمة، وبعد ثلاثة أشهر رفضت العمل بحجة أن لدي أطفالاً، مع أنها كانت تعلم ذلك. وبحسب النظام الجديد، طُلبت بتسفيرها من دون أن أستعيد دولاراً واحداً مما دفعت، والأدهى من ذلك، علي أن أدفع لها رواتب ثلاثة أشهر، مع أنها هي من أخل بالعقد”.

ويتابع: "العقود الجديدة تحفظ حقوق الخادمة أو السائق، ولا يظهر فيها أي حق للمواطن الذي يدفع الكثير لاستقدام العامل".

خلاف جديد قديم

تجدد الخلاف بين حكومة الفليبين وعدد من دول الخليج، وهو خلاف لم يفتر طوال السنوات الخمس الماضية، إذ تتهم الأولى دول الخليج بأنها لا تعامل رعاياها المعاملة الإنسانية اللائقة، بل تعاملهم كأنهم "عبيد". وفي ضوء ذلك، منعت تصدير العمالة إلى الكويت، وطلبت من الموجودين فيها العودة للعمل في بلادهم، والحصول على تعويضات.

ولمّح الرئيس الفليبيني رودريغو دوتيرتي إلى أنه قد يتخذ قرارات مماثلة ضد السعودية والبحرين وقطر، وكان قال في خطاب ألقاه خلال الاحتفال بالذكرى العشرين لتأسيس نادي الأعمال الفليبيني-الصيني: ”الحظر سيستمر وسيشمل دولاً أخرى، أعلم أن الوضع صعب، لكن أنا آسف، ليست لدي خطة لإرسالكم إلى هناك، لن أسمح بأن يعاني عمالنا من البؤس، الفليبيني ليس عبداً لأحد”.

بحسب إحصاءات لوزارة الخارجية الفليبينية، يبلغ عدد العمالة الفليبينية في دول الخليج حوالى مليوني عامل، معظمهم في السعودية، تليها الإمارات وقطر ثم الكويت والبحرين.

ويعمل معظم هؤلاء في الخدمة المنزلية والقطاع الطبي، بخاصة التمريض. وقد ذكرت صحيفة الوطن البحرينية أن مجموع تحويلات العمالة الفليبينة في الخليج إلى بلدها هو نحو 7 مليارات دولار سنوياً، وهو رقم لم يتمكن رصيف22 من التحقق منه.

حاولت الكويت عدم تصعيد الأزمة التي نشبت مؤخراً، وأكدت على لسان نائب وزير الخارجية خالد الجارالله أن حكومتها تحاول الوصول إلى تفاهم لإيجاد حلول للمشكلة، مؤكداً في مؤتمر صحافي على هامش اجتماع وزاري للتحالف الدولي ضد تنظيم ما يعرف بالدولة الإسلامية، أن "التصعيد لن يخدم العلاقة بين الكويت والفليبين".

في المقابل تشترط الحكومة الفليبينية أن تبقى جوازات سفر الخادمات الفليبينيات في الكويت في السفارة الفليبينية، لا عند الكفيل الكويتي، وتطالب بإيجاد حلول لمشكلات تأخر أو عدم دفع الرواتب، ودفع مكافأة العمل الإضافي، وساعات العمل الطويلة، ونقل عامل من كفالة صاحب عمل إلى صاحب عمل آخر من دون موافقته.

هذه المشكلات لا تعاني منها العمالة الفليبينية في الكويت فحسب، بل في معظم دول الخليج تقريباً.

بين المشاكل الديبلوماسية وحتى توضع القوانين التي تضع حلاً للمشكلات، تبقى العاملات المنزليات الخاسرات في المعادلة الصعبة: التوفيق بين "لقمة العيش" و العيش بكرامة.

مربيونا، عاملة منزلية في السعودية تحصل شهرياً على 400 دولار، وهو مبلغ لا تحصل عليه الأستاذة في بلادها، حسب قولها.

تقول لرصيف22 :"علي أن أحتمل عامين وأعود لبلادي ممال كثير، لا يوجد شيء سهل، ولا بد أن أحتمل ذلك، ولن أعود لو طُلب مني ذلك، فالسياسيون لن يدفعوا لي ما يؤمن مستقبل أولادي الصغار".

خالد الشايع

محرر وصحافي سعودي.

التعليقات

المقال التالي