بين الشعور بالخوف والحرية والتمرّد: المرأة السورية تطالب بحقّها في العصمة

بين الشعور بالخوف والحرية والتمرّد: المرأة السورية تطالب بحقّها في العصمة

هل يمكنك أن تمنح زوجتك العصمة من دون أن ينتقص ذلك من رجولتك شيئاً، ومن دون أن تصبح عرضة لغمز الأقارب ولمزهم؟ هل تعتبر العصمة بيد المرأة خرقاً لقوانين المجتمع وسبباً لانتشار حالات الطلاق أم أنها ضرورة لتأمين المرأة وحمايتها من الظروف المحيطة؟

في سوريا، ساهمت الظروف المختلفة التي رافقت الحرب من اعتقال للعديد من الشباب السوريين أو اختطافهم واختفائهم، وزواج الفتيات بالوكالة نظراً لهجرة الشباب واغترابهم، في تغيير نظرة المجتمع السوري للعديد من القضايا التي اعتبرت في ما مضى من المحرمات الاجتماعية التي لا يجوز لأحد تغييرها أو تخطيها، ولعل أبرز تلك المحرمات الاجتماعية هو جعل العصمة بيد المرأة بحيث يمكنها تطليق نفسها متى شاءت.

فالرجل الذي يمنح العصمة لزوجته لا يعتبر رجلاً، وفقاً للأعراف الاجتماعية سابقاً، على الرغم من أن الشريعة الإسلامية منحت المرأة حق تطليق نفسها من الرجل لدى إبرام ذلك في عقد الزواج، إلا أن هذا الحق ظل محرماً ومدعاة للعار في نظر الكثيرين، ويُواجه رفض مجتمعاتنا التي تتميز بالطابع الذكوري.

العصمة بيد المرأة حماية لحقوقها

أم فراس أم لثلاثة أطفال تروي لنا تفاصيل اعتقال زوجها على الحدود السورية التركية بعد قرارهما للسفر إلى تركيا للهرب من الحرب، حيث اعتقل زوجها عند أول حاجز للنظام، واضطرت للعودة إلى البلد، ولم تستطع السفر لاحقاً على الرغم من محاولتها المستمرة نظراً لحاجة أطفالها لإذن للسفر من الأب، الذي لم يعلم عنه خبراً منذ أكثر من أربع سنوات. سنوات طويلة قضتها أم فراس بعيدة عن أهلها الذين غادروا البلاد هرباً من الحرب في وقت سابق، تعمل وحدها لتعيل اطفالها من دون رعاية ولا مساندة من أحد.

أقوال جاهزة

شارك غردالرجل الذي يمنح العصمة لزوجته لا يعتبر رجلاً، وفقاً للأعراف الاجتماعية سابقاً في سوريا

شارك غردحق المرأة في العصمة ظل محرماً ومدعاة للعار في نظر الكثيرين، ويُواجه رفض مجتمعاتنا التي تتميز بالذكورية

ريم الشابة العشرينية شاركت أم فراس ألم فراق الزوج ومعاناة الوحدة إذ تركها زوجها بعد زواجهما بقرابة السنة في تركيا وسافر إلى ألمانيا ليؤمن لهما حياة أفضل كما وعدها، وبعد وصوله بدأ يتهرب من زوجته، بعد أن تركها وحدها في بلد غريب بانتظار لم الشمل الذي لم يأتِ.

تقول لرصيف22: "أيام صعبة عشتها بقلق وانتظار في بلد غريب بعيدة عن أسرتي وأقربائي، كان يحبّني وأقنعني بأن السفر فيه مصلحة لكلينا، وعدني بأنه سيقوم بإجراءات لم الشمل مجرد وصوله. انتظرت سدى، حتى أنه بدأ يتهرب من اتصالاتي ولا يرد عليّ لأعرف لاحقاً من أصدقائه أنه تزوج امرأة ألمانية وتركني في تركيا وحدي من دون أن يكلف نفسه إخباري بذلك، وعلى الرغم من خيانته وكذبه، لم أستطع الطلاق منه إلا بعد مرور أكثر من سنة".

الخوف من المستقبل المجهول دفع بالكثير من الفتيات السوريات لاشتراط وضع العصمة بيدها على خاطبيها عند تثبيت عقد الزواج في المحكمة وقبول العديد من الخاطبين بذلك من دون اعتراض. وهو ما فعلته روعة الخطيب، وهي طبيبة مختصة في الأمراض العصبية، التي رأت في طلب حق العصمة حماية حقوقها، إذ تزوجت بطريقة تقليدية ولم تكن تعلم الكثير عن خطيبها وأهله، ففضّلت أن تكون العصمة في يدها حال تعرضها لمشاكل أمنية أو اجتماعية مختلفة، وبالفعل كان لها ما أرادت ووافق خطيبها على طلبها.

وعلى الرغم من أنها تعيش اليوم مع زوجها في ألمانيا، ولم تعترض طريقها المشاكل التي واجهت سابقاتها، فإنها سعيدة بخيارها وتؤيد فكرة وضع العصمة بيد المرأة بشدة وتدافع عنها، فقد تكون طريق الخلاص للمرأة من عذاباتها ومنحها للراحة والطمأنينة.

خوف المرأة من العصمة

وعلى النقيض من ذلك، ترى الفتاة الثلاثينية سوسن أن وضع العصمة بيد المرأة حالة فرضتها ظروف الحرب، إلا أنه في المجتمعات التي لا تعيش حروباً يجب أن تكون العصمة بيد الرجل. وتفسر ذلك نظراً لطبيعة المرأة العاطفية، تقول:" لا أدافع عن الرجال، ولكن الرجل بطبيعته قادر على ضبط أعصابه والتحكم بقراراته وانفعالاته على خلاف المرأة التي تخضع لانفعالاتها في العديد من الأوقات".

تؤيد مزنى الحاج علي رأي سوسن، وتقول:" لكل فتاة ظروفها الخاصة، لا أعترض على منح المرأة حق العصمة، ولكنني لا أفضل أن تكون العصمة بيدي. فلو كانت بيدي لكنت تطلقت من زوجي عند أول خلاف حدث بيننا. فأنا انفعالية ولا أستطيع السيطرة على غضبي".

وبدورها، ترى أم خليل المرأة الخمسينية في انتشار ظاهرة العصمة بيد المرأة تمرداً على عادات المجتمع، فالمرأة يجب عليها أن تصبر وتتحمل زوجها في حال غيابه لا أن تسارع للطلاق منه، وتركه للزواج بغيره أو السفر خارج البلد.

هل المرأة من تقوم بتطليق الرجل أم أنها تطلق نفسها منه؟

ينتشر في ذهن الكثير من الناس أن العصمة عندما تكون بيد المرأة تتيح لها بتطليق الرجل وهو مفهوم خاطئ كلياً، فالمرأة تطلق نفسها من الرجل وليس العكس. وعن مفهوم العصمة بيد المرأة من وجهة النظر الشرعية، يحدثنا الشيخ محمد الأيوبي، شيخ جامع النور في مدينة غازي عنتاب التركية: "يحق للمرأة شرعاً طلب العصمة من الزوج إذ يمكنها تطليق نفسها منه، وذلك كشرط من شروط عقد الزواج حيث يحل لها أن تطلق نفسها طلاق السنة، حتى يمكن للزوج أن يراجعها في عدتها إذا تم الصلح بينهما".

ويضيف: "تمنح العصمة الزوجة لتطليق نفسها وفقاً لثلاثة أشكال: التوكيل أو التخيير أو التمليك. فالتوكيل يوكل فيه الزوج إلى المرأة تطليق نفسها، ولكن يمكنه أن يسحب الوكالة منها متى شاء، بينما في التمليك يقول الرجل للمرأة بعد عقد الزواج "جعلت طلاقك بأمرك"، ويمكنها وفقاً لذلك أن تطلق نفسها طلقة واحدة أو أكثر متى تريد، ولا يمكن للرجل أن يسحب التمليك منها. أما في التخيير فيعطي المرأة خيار البقاء مع الزوج أو فراقه ولا يمكن للزوج أن يسحبه من زوجته".

القانون السوري يجيز للمرأة أن تمتلك العصمة

وعن نظرة القانون السوري لوضع العصمة بيد المرأة، يقول المحامي محمود الخضر لرصيف22:" يجيز القانون السوري وضع العصمة بيد المرأة لتطليق نفسها وفقاً للتفويض الذي يتم بعد إنهاء عقد الزواج أو التوكيل الذي من خلاله يقوم الزوج بتوكيل زوجته بالطلاق بدلاً منه".

ويضيف: "شهدت المحاكم السورية ارتفاعاً متزايداً في حالات الطلاق من قبل النساء السوريات اللواتي امتلكن العصمة، وقد وصلت إلى نسبة 70% وفقاً لتصريح سابق للقاضي الشرعي الأول في دمشق محمود المعراوي الذي دعا لأن تكون العصمة بيد المرأة مشروطة في حالات معيّنة، كحالة السفر أو غياب الزوج أو زواجه بأخرى، وشدد على ألا تكون العصمة بيد المرأة بشكل مطلق. فالكثير من حالات الطلاق كانت نتيجة لخلافات عائلية كزواج الرجل بامرأة أخرى".

ويؤكد الخضر أن ما ذكر سابقاً لا ينفي حقيقة مهمة، هي أن وضع العصمة بيد المرأة يعتبر حلاً للكثير من النساء اللواتي فقدن أزواجهن، ففي القانون السوري لا يمكن لزوجة المفقود أن تطلق نفسها من الزوج إلا بعد مضي عام على غيابه، أو انتظار أربع سنوات حتى يتم اعتباره متوفياً، وبالتالي ينتهي عقد الزواج منه، أما إذا كانت العصمة بيد المرأة فيمكنها تطليق نفسها بنفسها واختصار الكثير من المشاكل والعقبات القانونية التي قد تواجهها.

ويؤكد أن الخيار أولاً وأخيراً للفتاة سواء أرادت أن تطلب العصمة أو أن تبقيها في يد زوجها، وفقاً لظروفها وقناعاتها الشخصية.

التعليقات

المقال التالي