"سكس كل دماغنا سكس"... ما هي المشكلة مع "أبلة فاهيتا"؟

"سكس كل دماغنا سكس"... ما هي المشكلة مع "أبلة فاهيتا"؟

خلال الشهر الماضي، أصدرت "هيومن رايتس ووتش" تقريراً حمل اتهامات عدة لمصر من ضمنها السعي "لإسكات الأصوات المنتقدة قبيل الانتخابات الرئاسية المزمع عقدها بين 26 و28 مارس/آذار"، فهل تعتبر الحكومة المصرية أن دمية مصنوعة من القماش تحمل اسم "أبلة فاهيتا" هي أيضاً صوت منتقد يجب إسكاته؟

يبدو أن الإجابة على هذا السؤال هي نعم، ففي الساعات الأخيرة، انتشرت أخبار في أغلب المواقع الرسمية، خصوصاً تلك المقربة من السلطة المصرية، تتحدث عن وقف برنامج "لايف من الدوبلكس" الذي تقدمه "الأبلة"، وتعرضه فضائية "سي بي سي" المصرية. وقبل ذلك، لم يتوقف محامون ونواب وشخصيات سياسية مقرّبة من النظام المصري عن المطالبة بوقف البرنامج.

"الدوبلكس" بعد برنامج باسم يوسف؟

عاجلت قناة "سي بي سي" الأخبار التي انتشرت على نطاق واسع ببيان نفت فيه صحتها، معتبرة أن "الخبر مكذوب يستند إلى مصدر مجهول".

ووجدت القناة أن انتشار الخبر بشكل متزامن في عدد من المواقع أمراً "يثير الانتباه"، وأضافت أن "كل ما نُشر بهذا الصدد غير صحيح جملة وتفصيلاً ولا أساس له إلا في خيال (أو في نفس) من أرسله إلى المواقع".

وعليه، أوضحت القناة لمتابعي البرنامج الشهير أن "الموسم الحالي للبرنامج انتهى تصوير حلقاته في موعدها المُحدّد والمعلن، بينما عرض هذه الحلقات مستمر خلال شهر مارس الجاري وحتى الموعد المحدد مسبقاً لنهاية عرض حلقات الموسم، وهذا هو المعتاد في جميع المواسم".

ويتم تصوير كل حلقات برنامج "لايف من الدوبلكس" في مسرح راديو، وسط القاهرة، وهو المسرح نفسه الذي شهد تصوير كل حلقات برنامج باسم يوسف الذي تمّ وقفه في العام 2014.

لكن مصدراً من فريق إعداد برنامج أبلة فاهيتا قال لرصيف22 إن احتمالية وقف البرنامج كبيرة، لافتاً إلى أن القناة لمّحت لهم بالفعل إلى أن هذا الموسم قد يكون الأخير بسبب ضغوط على القناة من جهات لم تُسمّها.

ما الذي يحدث؟

اعتمدت أغلب وسائل الإعلام في خبرها عن وقف البرنامج على ما قالت إنه شكوى رسمية خرجت من "المجلس الأعلى للإعلام "(هيئة حكومية هدفها المعلن تنظيم الإعلام في مصر).

لكن من خلال التواصل، عبر الهاتف، مع رئيس لجنة الشكاوى في المجلس الأعلى للإعلام جمال شوقي، قال الأخير إن المجلس لم يطالب بوقف البرنامج.

حسب شوقي، قرّر المجلس لفت نظر "سي بي سي" إلى أنه غير راض عما وصفه بـ "إيحاءات جنسية" عدة تتكرر في الحلقات، و"لا يمكن السماح بها في برنامج تعرضه قناة تدخل كل البيوت المصرية"، على حدّ تعبيره.

وقال شوقي إن القناة مُلزَمة أيضاً بذكر اسم الشخص الذي يؤدي شخصية فاهيتا، حتى يمكن "محاسبته إذا أخطأ، أو استخدم عبارات بذيئة في الحلقات، على أن يكون ذلك وفق الأطر القانونيّة".

ورفض شوقي فكرة إدراج هذه المطالبات في خانة التضييق على حرية التعبير، معتبراً أن "المجلس يحترم حريّة التعبير شرط أن تكون مسؤولة، فأي جمل غير لائقة أو تحمل معانٍ جنسية أمر لا علاقة له بحرية التعبير"، وفق قوله.

وفي حين كان آخر تصريح رسمي لـ "سي بي سي" عدم استلام القناة مخاطبة من المجلس بشأن البرنامج، أصرّ شوقي على أن المجلس أرسل كل الملاحظات للقناة بالفعل. وعموماً، كانت القناة قد صرّحت أنه "حال وصول الملاحظات سنتخذ اللازم فوراً سواء من حيث التعامل معها بالاهتمام الواجب أو من حيث التواصل أيضا مع المجلس مباشرة".

فريق البرنامج مستعد نفسياً لوقفه

"صُنّاع البرنامج مستعدين نفسياً لقرار الوقف في أي وقت، ويعلمون جيداً أن القناة تتلقى اتصالات بين الحين والأخر تطالبها بوقف البرنامج"، وفق ما قاله مصدر من فريق إعداد البرنامج لرصيف22.

"يبدو أن النظام المصري قرّر أن أبلة فاهيتا يجب أن تصمت" يضيف المصدر، بينما تعذّر الحصول على تعليق من المنتج الفني للبرنامج رانيا حجازي التي رفضت الرد على الاتصالات أو الرسائل.

أقوال جاهزة

شارك غرد"احتمالية وقف أبلة فاهيتا كبيرة. القناة لمّحت بالفعل إلى أن هذا الموسم قد يكون الأخير بسبب الضغوط"، يقول مصدر في البرنامج

شارك غردوقف الإيحاءات الجنسيّة والكشف عن شخصية أبلة فاهيتا، أبرز مطالب المجلس الأعلى للإعلام

لا يستخدم برنامج أبلة فاهيتا تلميحات سياسية إلا نادراً، وأغلبها ينتقد الحكومة وليس شخص الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، لكن في المقابل تكاد لا تخلو أيّ حلقة من استخدام كلمات لها مدلول جنسي.

من يشاهد البرنامج على "سي بي سي" يعرف أن تلك الكلمات يجري حجبها بصوت صفير،  لكن القناة الرسمية للبرنامج على يوتيوب تعرض الحلقات كاملة من دون حذف أو تغطية، وحتى هذا الأمر قد يتغير حسب رئيس لجنة الشكاوى في المجلس الأعلى للإعلام الذي أوضح أن خطابهم للقناة تضمن أيضاً طلب حذف أي كلمات غير لائقة من الحلقات على يوتيوب.

ليست المرة الأولى

كثيراً ما يقوم محامون مصريون برفع قضايا على شخصية فاهيتا، وأبرزهم المحامي المصري الشهير سمير صبري (المقرّب من النظام)، الذي قدّم في ديسمبر 2017 بلاغاً للنائب العام ضد كل القائمين على البرنامج بتهمة "التحريض على الفسق والفجور". وتضمن بلاغ صبري شكوى من أن البرنامج يحوي إيحاءات جنسية و"ألفاظ تخالف كل القيم والأخلاق".

وفي العام 2016، طالب أكثر من نائب من مجلس النواب المصري بمحاسبة المسؤولين عن البرنامج بسبب حلقة اعتبروها مهينة للبرلمان المصري.

ولم تكن هذه المرة الأولى التي يأخذ فيها المجلس الأعلى للإعلام موقفاً من شخصية أبلة فاهيتا تحديداً، ففي ديسمبر الماضي، أصدر قراراً بوقف حملة شركة "فودافون مصر" الإعلانية التي كانت تقوم ببطولتها شخصية الأبلة، وحملت شعار "النت ظالم" على جميع الشاشات والإذاعات التي تبث من داخل مصر.

وأرجع المجلس قراره، الذي حمل رقم 32، لاحتواء الحملة على "ألفاظ ومشاهد لا تليق بالذوق العام وتجافي كل القيم وتحض على السلوك السيء وتخدش الحياء العام، فضلًا عن هبوط اللغة".

وكان المجلس قرّر، في فبراير الماضي، وقف برنامج آخر هو "SNL بالعربي" الذي كانت تعرضه فضائية "أون تي في" المصرية، بحجة أن حلقاته تتضمن إيحاءات جنسية وعبارات واضحة بألفاظ ومشاهد بذيئة.

ويتهم كثير من المراقبين المجلس الأعلى للإعلام بأنه يصادر حرية التعبير، ولا يتوقف عن المطالبة بوقف برامج وإعلانات تجارية تحقق دخلاً كبيراً للقنوات بحجة أنها لا تتناسب وقيم وعادات الشعب المصري.

يُذكر أن برنامج أبلة فاهيتا يحقق نسبة مشاهدة عالية مقارنة ببرامج أخرى في القناة، كما يحقق مكاسب كبيرة بسبب كمية الإعلانات الكبيرة التي تُعرض في فواصله.

قد لا يتوقف "لايف في الدوبلكس"، خصوصاً إذا توصلت القناة لتفاهمات مع المجلس الأعلى للإعلام بخصوصه، لكن الأكيد أن سقف الحرية الذي كان يعمل فيه لن يكون بالحجم نفسه في حال استمراره، إذ يظهر أن الأوامر صدرت "إما برنامج خفيف لا يسبّب الجدل، أو الوقف".

فماذا سيختار صنّاع "الدوبلكس"؟

 

مصطفى فتحي

صحافي مصري حاصل على الماجستير في الصحافة الإلكترونية من كلية الاعلام في جامعة القاهرة، و"المركز الدولي للصحافيين" في واشنطن. يعمل حاليًا مدير تحرير لموقع "كايرو 360"، ويكتب لصحيفة "السفير" و"شبكة الصحافيين الدوليين"

التعليقات

المقال التالي