تجارب أهالي لعبوا دور الشرطة وطردوا تجّار المخدّرات من مناطقهم

تجارب أهالي لعبوا دور الشرطة وطردوا تجّار المخدّرات من مناطقهم

ينفق المصريون نحو 22 مليار جنيه على الحشيش، أي ما يعادل 2.5% من موازنة الدولة. هذا عدا ما ينفقه على المخدرات الأخرى، كالبانجو والفودو والإستروكس، أو تلك التي تخص الأدوية كالترامادول، والترمال، والأبتريل، أو الأكثر خطورة كالهيروين والكوكاكين.

قديماً، كانت تروّج تلك المخدرات بمناطق بعينها اشتهرت بذلك كحي الباطنية والجيارة، وتحديداً في أماكن تُعرف بالدواليب.

ولكن، مع تضخم الأسواق بأنواع متنوعة، وبكميات مهولة، توغلت حركة البيع لتشمل المناطق السكنية، حتى بات من العادي أن تتابعوا عملية بيع وشراء على ناصية شارعكم.

وهذا ما دفع بعض الأهالي للتصدي لتلك الظاهرة الخطيرة. فكيف واجهوا الأمر؟ وهل نجحوا في ذلك أم لا؟

أهالي المنشية ضد المخدرات والبلطجة

اعتادت مريم عبد المسيح (23 عاماً) رؤية تجار المخدرات والمتعاطين على ناصية شارعها،في شارع المنشية بفيصل، وقد اشتهر هذا المكان بكونه بؤرة لترويج المخدرات.

ذات مرة، وأثناء ذهابها لجلب حاجات البيت، تحرش بها شاب من مروجي المخدرات (ديلر)، فما كان منها سوى أنها صرخت ودافعت عن نفسها فأبرحها ضرباًً.

أقوال جاهزة

شارك غرد"منذ ذلك اليوم، لم يجرؤ أحد على الاقتراب من الشارع، لقد عاد للحي أمنه بفضل أهاليه"

شارك غردلو اعتمدنا على الأهالي في مقاومة المخاطر المحدقة بهم، فنصبح نعيش في شبه دولة وليس في دولة حقيقة

مريم كانت حبلى في شهرها الأول، وبسبب ما تعرضت له من عنف أُجهضت.

اجتمع أهل الحي، المسلم منهم والقبطي، بالكنيسة الضخمة، وناقشوا الأمر حتى اتفقوا على إخلاء المنطقة من تجار المخدرات والمتعاطين، كما يحكي محمود عبد السلام (51 عاماً)، صاحب محل عطارة بشارع المنشية.

ويكمل "تحولت المنشية، خصوصاً بعد ثورة يناير، إلى مركز لبيع جميع أنواع المخدرات، علناً، والويل لمن يتدخل".

ويؤكد محمود أن الأهالي حرروا أكثر من محضر، وقدموا بلاغات بأسماء المروجين. غير أنهم لم يتلقوا استجابة من الداخلية.

ويضيف: "كدنا نستسلم لهم كأمر واقع أو قضاء وقدر. ولكن ما حدث مع مريم لا يمكن السكوت عليه. كيف نترك نساءنا فريسة البلطجة؟".

ويصف عبد السلام مشهد الأهالي وهم متجمهرون على ناصية الشارع بالأسلحة البيضاء، شيوخاً وقساوسة، أقباطاً ومسلمين، في مواجهة خطر واحد، "منذ ذلك اليوم، لم يجرؤ أحد على الاقتراب من الشارع، لقد عاد للحي أمنه بفضل أهاليه".

أهالي المرج: دعوة للتغيير

دشن المهندس مصطفى صابر (35 عاماً) حملة "يا بن بلدي سنعطيك فرصة للتغيير". يخبرنا: "حين استشعرت أن الخطر يحوم حول أهلي وأهل منطقتي فكرت في فعل إيجابي لحل تلك المعضلة".

ويؤكد صابر أن معظم التجار والمتعاطين من أهل عزبة النخل بالمرج. لذلك فإن التعامل معهم بعنف لن يأتي بنتيجة.

ويضيف: "على الفور تحدثت مع مأمور قسم المرج والنائب خالد أبو طالب طالباً منهما أن يجتمعا بالعائلات الكبيرة، وهكذا كان".

ويوضح مصطفي أن الهدف من الحملة ليس التشهير أو التعنيف، ولكن أخذ إجراءات من أجل حماية أهل المنطقة وشبابها، "الاحتواء هو الهدف الرئيسي من تلك الحملة، من نريد لهم أن يقلعوا عن مثل تلك الأفعال الإجرامية هم أخواننا وشباب المنطقة، وكان علينا أن نحتويهم ونسترجعهم".

يحدد صابر حملته في ثلاث خطوات:

1-    مد يد المساعدة للمدمن أو التاجر مع رفع الحرج والمساءلة، كل أسرة تعرف جيداً إذا كان في بيتها مدمن أو تاجر، تلك أمور لا يمكن أخفاؤها بسهولة، وهنا يأتي دور العائلات في الإفصاح ومواجهة الأمر بمحبة.

2-    دور الشباب، من خلال ممارسة الرياضة والحث عليها، وتنظيم ندوات توعية وأنشطة مع استغلال النوادي بدلاً من الخرائب.

3-    البعض يأتي من مناطق بعيدة بحثاً عن تذكرة بودرة أو شريط برشام، غرباء اعتادوا العثور على ضالتهم هنا، يتم التعامل معهم من قبل الأهالي وتسليمهم للشرطة فوراً.

ولكن، هل أدّت تلك الحملة بنتيجة؟

يجيب مصطفى: "أجل، فإن الكثير من المتعاطين أقلعوا عن التعاطي بعد انكشاف أمرهم، والتجار أيضاً لم يجدوا مفراً، هي تجربة ناجحة أتمنى تعميمها".

أهالي بولاق: الكاميرا تراقبكم

تعتبر منطقة بولاق الدكرور الأشهر حالياً في ترويج المخدرات، حيث تنتشر الدواليب على حسب نوع المخدر، فنزلة الشبكة على الدائري تخصصت في بيع الحشيش والشرائط المنشطة كالترمادول. وتخصصت منطقة كوبري الخشب بترويج الإستروكس والهيروين والابتريل.

وليد سالم (23 عاماً) – اسم مستعار- واحد من سكان منطقة صفط/ بولاق، يقول: "المشاهد التي تعودت رؤيتها في الأفلام العربية، وخاصةً فيلم الباطنية، هو ما يعيشه سكان بولاق اليوم". ويصف منظر المدمنين المأسوي وهم يشكلون طابوراً طويلاً كل صباح في انتظار جرعتهم اليومية.

ويضيف: "من طبيعي أيضاً أن تجد جثة ملقاة على الطريق من أثر جرعة زائدة، أو عراكاً تُستخدم فيه الأسلحة البيضاء والنارية بين التجار".

يرى وليد أن الحكومة رفعت يديها عن تلك المنطقة تحديداً، فالدولاب يقع تحت سطوة عصابات خطيرة. يوضح: "هنا يتم التعامل مع رجال القسم وأصحاب الدواليب من خلال اتفاق العشرة في المئة".

نقف معه على الدائري، عند نازلة صفط، نراقب حركة البيع العلانية. يشير ناحية الزحام بالأسفل ويقول: "كما ترى، كأنه سوق يبيع سلعاً قانونية".

أسأله عن دور الأهالي في مواجهة هذا الخطر، فيجيب: "المواجهة مستحيلة، أنت هنا لا تتعامل مع صبيان أو شاب ألقت به ظروفه السيئة نحو هذه الطريق، الأمر هنا مختلف، هنا الباطنية الجديدة".

ومع ذلك فكر وليد أن يستعين بكاميرات المراقبة لرصد عمليات البيع والشراء.

"جاءتني الفكرة حين حدثت مشاجرة بالأعيرة النارية في الشارع، فصور الأهالي تلك الخناقة عبر أجهزة الهواتف، الأمر الذي يسّر المهمة على رجال الشرطة الذين ألقوا القبض على المتشاجرين". يوضح وليد.

اجتمع وليد بأهل الشارع سراً، واستطاع أن يحصل من كل شقة على 15 جنيهاً، واشترى عدداً من الكاميرات، ثبتها في أماكن خفية بمساعدة شباب المنطقة. يقول: "لن نسلم أشرطة الكاميرات للقسم ولا حتى للمديرية، سيكون هدفنا هذه المرة النائب العام، لعلنا نجد لديه حلاً لتلك الأزمة الخطيرة".

مبادرات عظيمة، ولكن

عن تلك الإشكالية يحدثنا الدكتور محمد فتحي، أستاذ علم الاجتماع بجامعة أسيوط: "تاريخ الشعب المصري زاخر بمثل تلك المواقف، حتى أننا لو رغبنا في سرد تاريخ مقاومة الشعب للمخاطر المحدقة به لن تكفي مقالة واحدة، ربما يحتاج الأمر إلى كتاب كامل".

يرى فتحي أن أقرب دليل على تكاتف الشعب ما حدث عقب ثورة 25 يناير حين اختفت الشرطة المصرية من الشوارع لمدة 18 يوماً.

ويضيف: "ظنت الحكومة المصرية أن الناس ستتصارع وسيأكل القوي الضعيف، ولكن ما حدث هو عكس ذلك تماماً، إذ تضامن الأهالي وكوّنوا اللجان الشعبية فشعر المواطن لأول مرة ربما في تاريخه بالأمان، فهو في حماية أهل منطقته".

يسترجع فتحي مشاهد الميدان ودهشة العالم بهذا الوعي العظيم. ويقول: "ما حدث قديماًً وما يحدث اليوم، هو دليل حي على صحة نظرية دور كايم التي أطلق عليها "نظرية الوعي الجمعي" وهي تتحدث عن وعي الأفراد بالعلاقات الاجتماعية وما ينشأ بينهم من تجارب مشتركة".

كما يشير إلى أن هذا الوعي ربما يتطور فيدفع المجموع لتحمل المسؤولية تجاه خطر مشترك. وهو ما حدث بالفعل مع الأهالي.

هل هي خطوة جيدة؟

يجيب فتحي: "هي سلاح ذو حدين، التكاتف ضد الخطر كثيراً ما ينقذ الأوطان، بالإضافة إلى روح التعاون والإحساس العام بالمسؤولية ورفع روح الوطنية بداخل المواطن".

من زاوية أخرى، يرى أن في هذا الفعل تهميشاً للدولة وإقصاءً لحكومتها وعدم ثقة في قدراتها على مواجهة التحديات، مما قد يؤدي إلى الانفصال عنها.

ويوضح: "إذا تركنا الأهالي يواجهون الجريمة وحدهم، فسنتحول إلى دولة تحكمها الأحكام العرفية وليس القانون، هنا تكمن الخطورة، فالقانون وضع على أسس علمية وتُراعى فيه الدقة لنطق الحكم ثم المعاملة الآدمية".

أما بشأن الأحكام العرفية فيشير محمد إلى أنها تخضع للأهواء والعاطفة وربما الحماسة المدمرة، ويضرب لنا مثلاً: مذبحة زاوية مسلم، وهجوم الأهالي لحرق كنيسة.

ويضيف: "في الحالات السابقة، حرك الأهالي الوعي الجمعي أيضاً، ولكن نحو فعل شنيع".

ويكمل: "ما يقوم به الأهالي لمواجهة المخدرات ظاهرة صحية جداً وايجابية، وليتها تعم محافظات مصر بل كل البلدان العربية وغير العربية. ولكن دعنا نؤكد أن هذا الدور هو دور الحكومة الأساسي، ولهذا وضعت الوزارات المختلفة، فإذا قام الجيش مثلاً بتأمين الحدود، والشرطة بملاحقة التجار الكبار، والصحة بعلاج المدمن، والتعليم بإنشاء جيل صحي، والثقافة والاعلام بالتوعية، تستقيم الأمور كلها.

يجب على الجميع أن يواجهوا هذا الخطر، من هنا يأتي الحل الجذري والفعال، فتعود الثقة بين المواطن وحكومته. أما لو اعتمدنا على الأهالي في مقاومة المخاطر المحدقة بهم، فنصبح، والحال هذه، نعيش في شبه دولة وليس في دولة حقيقة".

عمرو عاشور

روائي وصحافي مصري، له أربع روايات، صدر آخرها حديثاً عن دار العين تحت عنوان "قانون البقاء"، كما سيصدر له قريباً عمل بعنوان "الحلاق والشيخ" وهو مقرواية أي رواية في قالب مقال، فيه دعوة لإعادة النظر في الفقه الإسلامي. عاشور حصل على عدة جوائز أدبية منها جائزة ساويرس للرواية.

التعليقات

المقال التالي